أمريكا الشمالية

الغضبُ الشّعبي يشتعل في الولايات المُتّحدة بعد حادثتي بورتلاند ومينيابوليس والأمنُ الداخلي يوضّح قواعد القوّة المميتة

بعد ساعات فقط من قيام أحد عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية بإطلاق النار على رينيه نيكول جود، البالغة من العمر 37 عامًا، في أحد أحياء مدينة مينيابوليس، أعلنت وزيرة الأمن الداخلي الأمريكية، كريستي نويم، أن الضابط “فعل بالضبط ما تعلم عليه”. الرصاصة التي أودت بحياة أم لثلاثة أطفال لم تُشعل حزن المجتمع المحلي فحسب، بل أثارت جدلًا وطنيًا واسعًا حول حدود استخدام القوة المميتة من قبل الوكالات الفيدرالية.

وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، وهي الجهة المسؤولة عن حماية البلاد من التهديدات الداخلية والخارجية بما في ذلك الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير القانونية، تشرف على عدة وكالات من بينها إدارة الهجرة والجمارك وحماية الحدود الأمريكية، وهي الجهات المخوَّلة قانونيًا استخدام القوة المميتة في الميدان. وتوضح قواعد الوزارة أن القوة المميتة مسموح بها فقط إذا كان الشخص يشكل تهديدًا وشيكًا للحياة أو سلامة الآخرين، ويجب استخدامها وفق إجراءات صارمة مع إلزامية التحقيق المستقل والمساءلة قبل الحكم على تصرف أي ضابط.

الغضب الشعبي يتصاعد بعد تكرار إطلاق النار على المدنيين على يد الوكلاء الفيدراليين – الصورة لـ رويترز عبر واب سي راديو

القوة المميتة: متى تتحول من حماية إلى تهديد؟

في صباح يوم 7 يناير 2026، أطلق ضابط من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية النار على رينيه جود أثناء عملية ميدانية في مدينة مينيابوليس، ما أدى إلى وفاتها أمام أعين المجتمع المحلي. ووفقًا للسياسات الرسمية لوزارة الأمن الداخلي الأمريكية، يُسمح باستخدام القوة المميتة فقط إذا كان الشخص يشكل تهديدًا وشيكًا بالقتل أو الإصابة الخطيرة، ويُحظر استخدامها لمنع هروب مشتبه به أو على مركبة متحركة إلا في حالات محددة ومبررة قانونيًا. الغموض حول الحادثة زاد بعد أن أعلنت وزارة الأمن الداخلي أن الضابط “تصرف وفق التدريب”، فيما انتقد مسؤولون سابقون بالوزارة أي استنتاج سريع دون تحقيق مستقل.

توم هومان، المدير السابق لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، صرح لشبكة “سي بي إس نيوز” الإخبارية: “سيكون من غير المهني التعليق على ما حدث قبل اكتمال التحقيق. التحقيق يجب أن يتم أولًا وتقييم المسؤولية بعد ذلك”.

وفي اليوم التالي، شهدت مدينة بورتلاند حادثة مشابهة على يد عملاء جمارك وحماية الحدود الأمريكية، عندما أصيب رجل وامرأة خلال توقيف مركبة مشتبه بها. وفقًا للبيان الرسمي، حاول السائق استخدام مركبته كسلاح ضد العملاء، فرد أحدهم بإطلاق طلقة دفاعية، وغادر المشتبهان المكان. الشرطة المحلية اكتفت بتقديم المساعدة الطبية، ما كشف فجوة واضحة في التنسيق بين الوكالات الفيدرالية والمحلية، وأظهر ضعف الرقابة على العمليات الميدانية.

موقف وزارة الأمن الداخلي الأمريكية شدد على أن استخدام القوة القاتلة يجب أن يتم فقط عندما “يشكل الشخص تهديدًا وشيكًا بالقتل أو إصابة جسيمة”، وأنه ممنوع “إطلاق النار على مشغل مركبة متحركة إلا في حالات دفاعية مبررة”.

تحديد هوية ضابط إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية جوناثان روس، الذي أطلق النار وقتل رينيه نيكول جود داخل سيارتها في مينيابوليس، فيما يُظهر مقطع مصوّر لحظة إطلاق النار خلال العملية الميدانية الصورة لـ بريكِنغ 911 عبر آدفوكايت

الغضب الشعبي والمطالبات بالمساءلة

ردود فعل المجتمع الأمريكي لم تتأخر. آلاف المواطنين خرجوا إلى الشوارع في احتجاجات سلمية، مطالبين بمساءلة الوكالات الفيدرالية وإعادة النظر في سياسات استخدام القوة المميتة.

وصف عمدة مدينة بورتلاند، كيث ويلسون، الأحداث بأنها: “العنف على يد عملاء فدراليين. العسكرة الفيدرالية تقوض السلامة العامة القائمة على المجتمع وتتعارض مع قيم منطقتنا”.

وطالب العمدة بوقف جميع عمليات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية حتى اكتمال تحقيق مستقل، مؤكدًا أن حماية الحقوق المدنية ليست خيارًا، بل ضرورة اجتماعية وقانونية. المحتجون رفعوا لافتات تطالب بالعدالة لرينيه جود وتغيير قواعد استخدام القوة، مؤكدين أن حياة المدنيين لا يجب أن تصبح رهينة لتفسيرات واسعة للقانون أو لضغوط العمليات الأمنية.

المدعي العام لولاية أوريغون، دان رايفيلد، أعرب عن القلق من استخدام القوة المفرطة، فيما دعا السناتور جيف ميركلي المحتجين إلى التحلي بالهدوء، بينما انتقد السناتور رون وايدن نشر الوكلاء الفدراليين في المدينة، معتبرًا أن ذلك يزيد من التصعيد ويهدد السلامة العامة.

الثقة بين الدولة والمجتمع في تصدع

الحوادث الأخيرة في مينيابوليس وبورتلاند كشفت فجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الميداني، حيث تتحول تفسيرات “التهديد وشيك” أحيانًا إلى مبرر مرن للقوة المميتة، ما يعرض المدنيين للخطر ويقوض الثقة بين الدولة والمجتمع.

عمدة بورتلاند كيث ويلسون حذر من العنف الفيدرالي وصرح: “لا يمكننا الجلوس مكتوفي الأيدي بينما تتآكل الحماية الدستورية وتتصاعد إراقة الدماء”.

ودعا ويلسون إلى وقف جميع عمليات إدارة الهجرة والجمارك لحين الانتهاء من التحقيق، مؤكدًا أن العسكرة الفيدرالية تهدد السلامة العامة وتقوض قيم المجتمع. خبراء القانون يرون أن الحدود بين حماية الأمن وحياة المدنيين أصبحت رقيقة، وأي تجاهل للمعايير الرسمية قد يؤدي إلى مأساة جديدة، فيما تؤكد الوقائع أن الشفافية والمساءلة والرقابة الصارمة هي السبيل الوحيد لحماية الحقوق المدنية ومنع تكرار المآسي.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل