أفــريقيا والساحـل

شرقُ الكونغو في قبضة الجماعات المُسلّحة: فراغُ الدّولة، العنفُ المستشري وجوعٌ يلتهم القرى

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، يعيش أكثر من عشرة ملايين شخص تحت وطأة أزمة غذائية تهز ضمائر الإنسانية، حيث وصل الجوع إلى مستوى الكارثة الإنسانية الشاملة، وفق بيانات برنامج الأغذية العالمي لعام 2025. المدنيون العزل في المقاطعات الشرقية يواجهون واقعًا قاتمًا تتشابك فيه الحرب المستمرة، النزوح القسري، وانهيار شبكات الغذاء والخدمات الأساسية. هنا، تُقاس الحياة بقدرة الناس على النجاة حتى الغد في ظل صراع مفتوح لا ينتهي.

منذ أيام قليلة، شهدت مقاطعة شمال كيفو مذبحة مروّعة أودت بحياة 89 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، في سلسلة هجمات شنها مقاتلون من جماعة القوات الديمقراطية المتحالفة، المرتبطة بتنظيم الدولة. الهجمات استهدفت عدة قرى متفرقة، وكان أعنفها في بلدة بيامبوي، حيث اقتحم المسلحون مركزًا صحيًا خلال الليل، وقتلوا 17 شخصًا داخل أجنحة المرضى، ثم أحرقوا أربعة أجنحة كاملة، تاركين وراءهم مشهدًا من الرماد والجثث والهلع.

فرّ السكان في الظلام نحو الأدغال والطرق الوعرة، وبعض الناجين تحدثوا عن أصوات الأطفال المفقودة وسط هدير الرصاص، وعن أمهات حملن أطفالهن لساعات طويلة هربًا من الموت، بلا طعام أو ماء.

في شرق الكونغو، لا تعني سيطرة حركة 23 مارس (M23) على أراضٍ جديدة مجرد تقدم عسكري، بل تعني انهيار حياة كاملة؛ قرى تُفرغ من سكانها، وأطفال يسيرون نحو المجهول، فيما تتحول الأرض إلى غنيمة حرب لا مكان فيها للمدنيين – الصورة لـ وكالة الصحافة الفرنسية عبر آفريكا سنتر

الأزمة الإنسانية المتفاقمة
أزمة الغذاء ليست سوى جزء من مأساة أكبر. ملايين المدنيين النازحين يعيشون في مستودعات متداعية أو تحت الأشجار، ويخاطرون بحياتهم عند محاولة البحث عن الطعام في الحقول، أحيانًا وسط جثث الموتى الممزقة نتيجة العنف الهمجي. تشارلي ياكسلي، المتحدث باسم مفوضية اللاجئين، نقل شهادات مأساوية: “وصل المهاجمون إلى منطقتنا أثناء الليل وقتلوا سبعة جيران في منزل واحد. فررنا على الفور، نمنا في مستودع وانتظرنا ثلاثة أيام قبل أن نتمكن من المغادرة”.

بيانات برنامج الأغذية العالمي توضح أن خطة الدعم لعام 2025 كانت تهدف لمساعدة 2.3 مليون شخص، لكن نقص التمويل أجبر المنظمة على خفض عدد المستفيدين إلى 600 ألف فقط شهريًا منذ أكتوبر، ما يعرض ملايين آخرين لخطر المجاعة وسوء التغذية الحاد.

في هذا السياق، حذرت سينثيا جونز، المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي: “75% من المتأثرين على مستوى البلاد يواجهون فجوات حادة في استهلاك الغذاء، والموت جراء الجوع أصبح واقعًا في بعض القرى”.

الخبير في الشؤون الإفريقية عباس محمد صالح أكد أن منطقة البحيرات العظمى تعد منذ عقود واحدة من أكثر الأقاليم هشاشة من حيث الأزمات الإنسانية، بسبب النزاعات المسلحة المستمرة، تدفق اللاجئين، وانتشار الفقر المدقع. وأضاف أن تراجع التمويل الدولي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا والحرب في غزة، بالإضافة إلى توقف الدعم الأمريكي عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، فاقم من صعوبة إيصال المساعدات، محوّلًا الأزمة إلى كارثة تهدد الملايين.

التطورات الميدانية في شرق الكونغو تشير إلى تصعيد خطير، حيث أدى تقدم المتمردين وسيطرتهم على مواقع استراتيجية، بما فيها مدينة غوما، إلى موجات نزوح جماعي وانهيار فعلي للأمن المحلي، في وقت تتقلص فيه قدرة الدولة والمنظمات الإنسانية على حماية المدنيين واحتواء الكارثة المتفاقمة – الصورة لـ وكالة أسوشيتد برس عبر تيكساركانا غازات

جذور الصراع المسلح
ترتبط الأزمة الإنسانية ارتباطًا وثيقًا بالصراع المسلح المستمر وسياسات معقدة أثقلت كاهل الدولة لسنوات طويلة. يمكن تتبع جذورها إلى إرث الاستعمار الذي أسس لانقسامات عرقية عميقة ونظامًا استغلاليًا للموارد، ما ترك الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية.

كما لعبت الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 دورًا كبيرًا، حيث أدى تدفق اللاجئين إلى تصاعد التوترات وتسهيل استغلال الجماعات المسلحة للوضع، ما أشعل الحروب الكونغولية الأولى والثانية واستمرار الصراعات الإقليمية. إضافة إلى ذلك، ساهم الفساد وضعف الحكم في تفاقم الأزمة، إذ فشلت الدولة في حماية المدنيين، بينما أصبحت ثروات الكونغو الطبيعية، بما فيها الذهب والكولتان والماس، هدفًا لقوى محلية ودولية.

الدكتور محمد عباس محمد وصف الوضع: “يواجه شرق البلاد أخطارًا متصاعدة منذ عقود بسبب هشاشة الدولة، اقتصاد منهار وبنية تحتية متداعية، مع تهديد المجاعة الذي يشمل أكثر من 75% من السكان، وتوسع الأمراض وسوء التغذية، بينما تستمر الجماعات المسلحة في استغلال الموارد”.

الجماعات المسلحة: ولاءات وصراع على الموارد
تُعد حركة 23 مارس أكثر الجماعات المسلحة تأثيرًا في شرق الكونغو، يقودها التوتسي الكونغوليون، ونشطت في مقاطعتي كيفو الشمالية والشرقية على طول الحدود مع رواندا وأوغندا. هجمات الحركة بين 2012 و2013 أدت لنزوح مئات الآلاف، وجعلت المدنيين جزءًا من دوامة عنف لا تنتهي. وفق الأمم المتحدة، تلقت الحركة دعمًا من رواندا في بداياتها قبل الانسحاب نتيجة ضغوط دولية وهزائم أمام الجيش الكونغولي.

وفي نوفمبر 2022، دفع هجومها نحو 180 ألف شخص للفرار من مدينة غوما بعد انسحاب القوات الحكومية، ما كشف هشاشة الجيش المحلي. بجانبها، تتقاتل جماعات أخرى مثل القوات الديمقراطية لتحرير رواندا وميليشيات “ماي ماي” على الموارد الاستراتيجية، بما فيها الذهب والكولتان والماس، مستغلة الفوضى لتعزيز مصالحها.

المحلل السياسي أبوبكر الماسني وصف المشهد بأنه “مركب وهش، حيث تتشابك العوامل الإثنية والاقتصادية والإقليمية مع تدخلات خارجية تجعل أي استقرار مستدام حلماً بعيد المنال”.

مع استئناف القتال وسقوط جنديين من الجيش الكونغولي على يد حركة 23 مارس (M23)، يتضح أن هذه الجماعة المتمردة لم تكتفِ بالسيطرة على الأراضي، بل أصبحت رمزًا للعنف المتواصل وفشل الدولة في فرض الأمن، حيث يواصل المدنيون دفع ثمن الصراعات الحدودية والإثنية في شمال كيفو، فيما تتفاقم الأزمة الإنسانية بلا هوادة – الصورة لـ رويترز عبر وكالة صوت أمريكا

انتهاكات حقوق الإنسان: حلقة عنف مستمرة
تشهد شرق الكونغو موجة واسعة من الانتهاكات ضد المدنيين تشمل القتل خارج القانون، الاغتصاب، تجنيد الأطفال، واستغلال المدنيين كدروع بشرية. منظمة هيومن رايتس ووتش سجلت الانتهاكات، مع الإشارة إلى دعم محدود من دول مجاورة مثل رواندا لبعض الميليشيات المتمردة.

النازحون من قرى إيتوري وغيرها أُجبروا على الفرار ليلاً بعد هجمات على منازلهم، حيث قُتل السكان جماعيًا، ودُمّرت ممتلكاتهم. يؤدي هذا العنف إلى نزوح داخلي بمئات الآلاف، بالإضافة إلى موجات نزوح خارجية، ما يزيد الضغط على المخيمات ويعقّد توزيع المساعدات الإنسانية.

هشاشة الدولة والتدخلات الخارجية
منذ استقلالها عام 1960، لم تعرف الكونغو سلامًا دائمًا، وظلت الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها وتأمين مواردها. الجيش الكونغولي، رغم الدعم الدولي، يعاني ضعف التدريب ونقص اللوجستيات، ما منح المتمردين السيطرة على مناطق استراتيجية.

هشاشة الدولة تتضافر مع ثروات طبيعية هائلة، بما في ذلك الذهب والكولتان والماس، لتجعل البلاد هدفًا للقوى الإقليمية والدولية، التي تستغل الفراغ الأمني لمصالحها الاقتصادية. الدكتور عباس محمد قال: “العنف الذي تمارسه الجماعات المسلحة يهدف لتشتيت السكان عن سرقة ثرواتهم، فيما تستفيد القوى الخارجية من ضعف الدولة واستغلال مواردها”.

تدخلات خارجية تشمل دعم جماعات محددة، نقل الأسلحة، والتأثير على مسارات السلام، ما يجعل وصول المساعدات الإنسانية شبه مستحيل ويعيق تنفيذ الاتفاقيات الدولية مثل مسارات الدوحة وواشنطن.

ويحذر عباس من أن استمرار النزاع دون حماية المدنيين وإيصال المساعدات سيؤدي لمزيد من المجاعة والموت، مؤكدًا أن السلام الدائم هو السبيل الوحيد لإعادة الاستقرار وإتاحة الحياة الكريمة للسكان في شرق الكونغو، وإيقاف حلقات العنف التي تهدد مستقبل المنطقة الإنساني.

ومع مطلع العام الجاري 2026، لم تظهر أي مؤشرات لتراجع العنف في شرق الكونغو، بل سجلت منظمات إنسانية تصاعدًا جديدًا في هجمات الجماعات المسلحة، خصوصًا في شمال كيفو وإيتوري، وسط نقص حاد في التمويل الإنساني يجعل ملايين المدنيين يواجهون الموت جوعًا. مسارات التهدئة الإقليمية تتعثر في ظل اتهامات متبادلة بين كينشاسا ودول الجوار بدعم الميليشيات، فيما حذّرت الأمم المتحدة من أن أي تأخير إضافي في تمويل الإغاثة قد يدفع مناطق واسعة إلى مرحلة المجاعة الفعلية في 2026.

مع سيطرة حركة 23 مارس المدعومة من رواندا على مدينة غوما المدمرة، يواجه شرق الكونغو مأساة مضاعفة: المدينة التي يقطنها نحو مليوني نسمة أصبحت رمزًا للفوضى والعنف، فيما الاحتجاجات في كينشاسا تعكس غضب المواطنين من الصمت الدولي والعجز الحكومي في حماية المدنيين – الصورة لـ رويترز عبر وكالة الأنباء الأوروبية

كاتب

مهـيبة بين

صحفية متخصصة في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل