أفــريقيا والساحـل

من جحيم الفاشر بالسّودان إلى مأوى الدبّة: “هنـا كـندا” ترصد شهادات النّازحين عن الجُوع والتّعذيب

معسكر العفاض بالدّبة جهّز 1,100 خيمة للسكان النّازحين في انتظار وصول 2,200 خيمة إضافية وسلال غذائية، بينما يروي الناجون شهاداتهم الحية عن وحشية مليشيا الدعم السريع وسط نقص المياه والكهرباء المحدودة.

في الولاية الشمالية بمحلية الدبة، حيث يقع معسكري العفاض وأزهري المبارك، لجأت آلاف العائلات من إقليمي دارفور وكردفان، تاركة منازلها ومسقط رأسها مشيًا على الأقدام، لتقطع مئات الكيلومترات في رحلة نزوح صعبة بحثًا عن الأمان. هؤلاء النازحون هربوا من جحيم الفاشر بعد الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع، ليجدوا أنفسهم أمام مشهد مغاير في الدبة، حيث استقبلتهم الأسر المحلية بكرم وحفاوة كبيرين. لقد كانت هذه الرحلة صعبة جدًا، حيث أنشأ النازحون من السّودان مجتمعًا جديدًا في البحث عن الأمل.

قصص الناجين: مواجهة الموت والجوع

أصبحت قصص النازحين من السّودان مصدر إلهام ودروس تعلّم الجميع أهمية الإنسانية والتضامن في الأوقات الصعبة، مما يعكس الواقع المعقد في السّودان.

تحديات النازحين في السّودان

العم أحمد نجا بأعجوبة من الموت في شوارع الفاشر المحاصرة، حيث نفد الغذاء، وأصبح السكان يتناولون “الأمباز”، وعلف الحيوانات، وحتى جلود الحيوانات الميتة. وقال في حديث لمراسلة “هـنا كنـدا”: “بعد سقوط المدينة، طلبت منا المليشيا الاصطفاف على خط واحد، وكل من يلتفت يُقتل. في طريق الخروج، كانت الجثث مترامية في كل مكان، كأن الموت أصبح بالمجان”.

وتعرض العم أحمد للإهانة والضرب من قبل أحد أفراد المليشيا، وفقد العديد من أبنائه حياتهم أثناء ذهابهم لجلب الماء. وخاطب السلطات العسكرية قائلاً: “أطلب من الجيش والقوات المساندة له القضاء على هذه المليشيا، فالأفعال التي شهدناها تجاوزت كل حدود الإنسانية”، مضيفًا بسخرية: “كان ينبغي أن يُطلق عليها اسم الإهانة السريع بدل الدعم السريع”.

واحد من آلاف النازحين يعبّئ صناديق الماء وسط المخيم، شاهداً على قسوة الحرب، وفقدان الأحبة، وحياة يومية لا تخلو من الألم والمعاناة – الصورة لـ هنـا كنـدا

نساء وأطفال بين الرصاص والاغتصاب

مريم، أم لسبعة أطفال، وصفت حياتها في الفاشر بأنها “أفضل من البقاء هناك بمائة مرة”. أحد أبنائها، البالغ من العمر 10 سنوات، أصيب برصاص المليشيا، بتهمة الانتماء للجيش، وهي تهمة تطال كل شباب المدينة تقريبًا. وقالت مريم: “المدينة خلت من الأطفال والشباب، القليل من كتب لهم النجاة، أما الباقي فقد قُتل أمام أعيننا”.

وتروي مريم كيف تعرضت النساء والفتيات للاغتصاب، وما ترتب على ذلك من آثار نفسية وجسدية، واضطرت للفرار حاملة أطفالها إلى الدبة، حيث استقبلتهم المنطقة بحفاوة كبيرة.

جهود المعسكرات لتلبية الاحتياجات الإنسانية

الحسن إبراهيم حامد، رئيس لجنة الطوارئ والأزمات بمعسكر العفاض ونائب المدير التنفيذي بالمحلية، قال في مقابلة مع “هنا كندا” إن “الخطوة الأولى كانت تجهيز 3,300 خيمة، تم نصب 1,100 منها، فيما ستصل 2,200 خيمة إضافية من منظمة قطر الخيرية، مع توفير السلال الغذائية لجميع الأسر لمدة شهر”. وأضاف أن المعسكر يحتوي على مجمعات دورات مياه، وأن الحملات الصحية تشمل مكافحة ناقل الأمراض ونقل الحالات الحرجة إلى مستشفى الدبة مجانًا.

بينما أوضحت كوثر قيلي، مسؤولة العون الإنساني بمحلية الدبة، أن “معسكر أزهري المبارك يضم 650 أسرة، بواقع 320 ألف فرد، ويحتوي على 7 عيادات مزودة بالطاقم الطبي، إضافة إلى فرق الباحثين الاجتماعيين وغرفة تحقيقات النيابة وحقوق الإنسان”. وأضافت أن التحديات تتضمن نقص المياه وأعداد الأطفال الذين لم يتلقوا التعليم منذ اندلاع الحرب، إلى جانب الكهرباء المحدودة، مشيرة إلى خطط قريبة لتوفير الطاقة الشمسية.

ومن جهتها، أكدت مهاد حاج النور إسماعيل، مديرة الشؤون الصحية، أن جميع الوافدين يخضعون للرعاية الصحية الطارئة، بما في ذلك برامج التغذية والصحة الإنجابية والتحصين، مع توفير العلاج للجروح ولدغات العقارب. وأشارت إلى أن العيادات تعمل مجانًا، رغم التحديات في حفظ الأمصال ونقص المحولات الكهربائية والطاقة الشمسية.

تحديات مستمرة: المياه والكهرباء والصرف الصحي

على الرغم من الجهود المبذولة، تواجه المعسكرات مشاكل كبيرة في المياه والصرف الصحي، حيث لا تكفي دورات المياه للأعداد الكبيرة، وهناك حاجة عاجلة لمحرقة طبية للنفايات. كما تدعو الجهات المعنية لتوفير الطاقة الشمسية لتأمين الكهرباء، وتلبية احتياجات الأطفال للتعليم، خاصة في أعمار الثلاث إلى ست سنوات.

مراسلة هنا كندا الصحفية “مهيبة بين” تجولت في معسكرات الدبة، شاهدة على مأساة آلاف النازحين من جحيم الفاشر، حيث النساء والأطفال يواجهون آثار الحرب والجوع والإهانة اليومية، وسط صعوبات كبيرة في توفير المياه والكهرباء. في الصورة، تجلس مهيبة بين مجموعة من الأطفال، عاكسة تفاعلها الإنساني المباشر مع النازحين ورصدها لمعاناتهم اليومية، بينما تبذل فرق المعسكر جهودًا مضاعفة لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية – الصورة لـ هنـا كنـدا

كاتب

مهـيبة بين

صحفية متخصصة في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل