أفــريقيا والساحـل

مـالي والسّاحل.. بين أزمات الدّاخل وصراعات النُّفوذ الخارجي

تُعد دولة مالي ومنطقة الساحل الإفريقي بؤرة ساخنة أمنياً ومصدراً للعديد من التهديدات التي تطال دول الجوار وشمال إفريقيا وحتى أوروبا. تعود الأهمية الأمنية لهذه المنطقة إلى عدة عوامل، أبرزها الامتداد الجغرافي الواسع، الذي يجعلها مرتعاً للحركات المسلحة والتهديدات العابرة للحدود، فضلاً عن قُربها الاستراتيجي من شمال إفريقيا ودول جنوب أوروبا، مما يجعلها معبراً أساسياً للأنشطة غير المشروعة ومسرحاً للتنافس الإقليمي والدولي.

ولهذه الهشاشة الأمنية التي تزايدت في السنوات الأخيرة، مسببات ذاتية مثل ضعف التنمية الاقتصادية (وبالتالي الدخل الفردي وقدرة الدولة على أداء الخدمات الأساسية)، والنمو الديمغرافي المتزايد الذي لا تقابله فرص عامة لهذه الكتلة البشرية الكبيرة، والدليل على ذلك هو احتلال مالي المرتبة 186 في ترتيب الدول، حسب تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية، بالإضافة إلى ضعف الحكامة عموماً، وهو ما تفسره كثرة الانقلابات العسكرية، يذكر أنه فقط في العقد الأخير شهد البلد ثلاثة انقلابات، ناهيك عن المحاولات الانقلابية الفاشلة الأخرى.

أما الأسباب الخارجية، فهي التدخل الفرنسي غير المدروس، الذي أدى إلى نتائج وخيمة، سواء على الاقتصاد (أربعة عشر دولة من غرب إفريقيا ليس لديها عملة خاصة بها، وسياساتها النقدية تحددها باريس عن طريق عملة موحدة)، وكذلك في المجال السياسي، إذ ظلت فرنسا تختار النخب الحاكمة في هذه الدول وتهمش شرائح المجتمع الأخرى، وتلعب على وتر الحساسيات الإثنية والعرقية، من أجل إعطاء مبرر لتدخلها في شؤون هذه البلدان.

كل هذه الأسباب، إضافة إلى التنوع الإثني، كالحالة المالية، حيث يسكن العرب والطوارق في مناطق الشمال الشاسعة، وتسكن الشرائح الأخرى كبمبارة والسونغاي، والمالينكى وغيرها من الإثنيات ذات الأصل الإفريقي في الجنوب، ما أدى إلى اندلاع حرب طويلة المدى ومتوسطة السخونة، لكنها فتحت الباب للتدخلات الخارجية، والتهديدات الأمنية العابرة للحدود بالنسبة لدول الجوار، خاصة الجزائر، بالنظر لطول شريطها الحدودي الذي يتجاوز 1330 كلم.

القوى الأجنبية المزعزعة للأمن في مالي:

رغم هشاشة الوضع في مالي، بالنظر لكل ما تم ذكره سابقا، إلا أن اتفاق الجزائر (الذي يُعرف كذلك باتفاق السلام والمصالحة في مالي) الموقع بين الجماعات الأزوادية والحكومة المالية في الجزائر العاصمة في مارس 2016، ظل يُشكل إطارا لتحقيق السلم الدائم والتنمية في هذه المنطقة، خاصة وأنه يضمن المشاركة لمسلحي هذه الجماعات في الجيش المالي مقابل نزع السلاح، ويُجبر الحكومة المالية على إيصال التنمية إلى مناطق الشمال، وضمان المشاركة السياسية للعرب والطوارق.

لكن، منذ وصول العقيد عاصيمي غويتا إلى الحكم عبر انقلاب عسكري في ماي 2021، بدأت الحكومة المالية تنتهك اتفاق الجزائر تدريجيا، إلى أن أعلنت أنها في حل منه، عبر تعاقدها مع مرتزقة فاغنر الذين دخلوا البلد قادمين من جمهورية إفريقيا الوسط، بتزكية من عاصيمي غويتا.

إن الكثير من المتابعين يعتبرون أن الذي شجع العقيد عاصيمي غويتا هو الدعم الروسي المباشر وغير المباشر عبر مرتزقة فاغنر. في هذا الإطار، راهنت الحكومة المالية على حسم الأمور بالقوة عن طريق السيطرة الجوية وإدخال تقنيات عسكرية حديثة عبر الطرف الروسي الذي يُقاتل إلى جانب الجيش المالي، تجلى الدعم الروسي كذلك في الهبات المتعلقة بالتدريب والتسليح، كالمسيّرات، مقاتلات Su-25، ومروحيات Mi-8، هذا إضافة إلى الدعم الاقتصادي الذي خفف من وطأة العقوبات المفروضة على البلد من المجموعة الاقتصادية لغرب دول إفريقي “إي كواس”.

الدافع الثاني هو الدعم والتمويل الإماراتي السخي الذي يرجع إلى سببين: الأول وهو خدمة الأجندة الإسرائيلية المتمثلة في زعزعة أمن واستقرار دولة الجزائر، والثاني هو السيطرة على ما أمكن من مصادر الذهب في منطقة الشمال المالي.

أما العمل الخارجي الثالث المزعزع للأمن في مالي فهو التدخل المغربي في البلد عبر بعض الأطراف العربية والإفريقية، وهذا من أجل إيجاد قدم في منطقة الساحل، حيث عمل المخزن المغربي على تبييض أموال المخدرات، وتسهيل دخول صادراته من المواد الزراعية والخدمات المالية عبر بنوكه إلى منطقة، لا يشترك معها في حدود جغرافية.

سياسة المغرب لتمتين أدوات التأثير على هذه المنطقة استخدم فيها القوة الناعمة، كفتح مركز لتكوين أئمة الساحل، وإعطاء امتيازات للأعيان والمرجعيات الاجتماعية (كاستضافته لشيخ الطريقة الحموية التيجانية للعلاج في العام 2016)، إضافة إلى شراء ذمم العديد من القائمين على بعض المناصب في المواقع الحساسة في الديبلوماسية والحكومة والجيش.

حسب وجهة نظرنا، فإن فرنسا، بعد خسارتها حصة كبيرة من الكعكة في هذه الدول، وخاصة مالي، وهو ما يدل عليه انخفاض نسبة التجارة الخارجية مع هذا البلد إلى 3% حسب تقرير البنك الدولي للعام الماضي، فإنها تُحاول العودة عبرالأداة المغربية، وهذا عن طريق التشويش على المجهودات الجزائرية الرامية إلى حل المشكل المعقد في مالي بطريقة سلمية، من أجل قطع دابر التدخل الأجنبي في المنطقة.

في ظل كل هذه التعقيدات، تحركات الطرف الروسي عبر مرتزقة فاغنر والغطاء الرسمي للحكم العسكري في باماكو، لا يُساعد على حل المشكل، فالرهان على الحسم العسكري، والتعويل على القوة الروسية أثبت أنه غير مجدي، خاصة إذا نظرنا إلى الواقع الميداني، حيث أفشلت الحكومة المالية في إحكام سيطرتها على الكثير من المناطق في الشمال، خاصة البعيدة عن التجمعات المدنية الكبرى، مثل ما يدل على ذلك حصار مدينة نيور في هذه الايام من طرف الجماعات المسلحة، ما أدى إلى غلق الحدود مع موريتانيا.

أما على الصعيد العسكري، فإن المجموعات العربية والترقية، أثبتت أنها قادرة على إبطال مفعول سلاح الجو الروسي، عبر استغلالها عوامل البيئة والتحرك عبر مجموعات صغيرة، إلى غير ذلك من أساليب الحرب الهجينة، والدليل على ذلك هو الخسائر الكبيرة التي تكبدتها قوات فاغنر في نهاية يوليو العام الماضي، في مناطق تابعة لمحافظة كيدال على الحدود مع الجزائر، حيث فقد العشرات من عناصره والعديد من المركبات والعتاد العسكري، حسب تقارير صحفية.

مجموعة مسلحة من الطوارق في شمال مالي-الصورة لـ غيتي إيماجيس

للجزائر العديد من أوراق الضغط على الحليف التقليدي الروسي الذي أثبت أنه يُعطي أولوية للمصلحة الاستراتيجية على حساب الأمن الإقليمي للدول الأخرى. وعدم وفاء “الحليف” الروسي للجزائر، ظهر ذلك أيضا في موضوع عضوية البريكس.

ومن بين هذه الأوراق نجد موضوع التسليح الجزائري الذي يضخ أموالا ضخمة في خزينة موسكو رغم الحصار والعقوبات الدولية، إذ يمكن للجزائر أن تستورد من الشريك الصيني، أو حتى عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الأخرى التي تربطها بالجزائر علاقات جيدة. جدير بالذكر أن ميزانية وزارة الدفاع الجزائرية للعام الماضي زادت عن 23 مليون دولار أمريكي، ما يقارب نصفها موجه لشراء العتاد العسكري، وخاصة تحديد منظومات الدفاع الجوي والمقاتلات وغيرها.

الورقة الثانية بالنسبة للجزائر هي مسألة الغاز. يمكن للجزائر ضخ كميات ضخمة من الغاز للسوق الأوربية عبر الأنبوب مع إيطاليا، وعبر التصدير عن طريق سفن الشحن إلى بعض نقاط التوزيع الأخرى في ألمانيا وهولندا وغيرها، وهو ما من شأنه إضعاف أثر الغاز الروسي على الدول الأوربية بسبب إطالة أمد الحرب في أوكرانيا. واقعيا الجزائر تجاوزت روسيا وأصبحت ثاني أكبر مصدر للغاز إلى السوق الأوربية المشتركة بعد النرويج، حسب بيانات منتدى الدول المصدرة للغاز.

للجزائر أيضا أوراق أخرى متعلقة بالقوة الناعمة والقوة الصلبة، يمكن من خلالها الضغط على العسكر في مالي: لعل أكثر ما يُساعد الجزائر هو العلاقة التاريخية الطيبة التي تربطها مع كافة شرائح الشعب المالي، سواء الجنوبية منها أو الشمالية، وهو ما يتجلى في احتضانها لأبرز المرجعيات الدينية المالية، مثل الشيخ محمود ديكو، الذي قاد حراكا شعبيا في السابق ضد الفساد وسوء التسيير في مالي.

من بين نقاط قوة الجزائر في شأن المسألة المالية نجد موضوع التبعية الاقتصادية للطرف المالي، وخاصة في ما يتعلق بالمواد الغذائية، والمحروقات والأدوية، كما أن نسبة كبيرة من سكان الشمال لديهم جنسيات مزدوجة وروابط عائلية مشتركة، جزائرية ومالية.

مقترحات الحل: الطريق نحو الاستقرار والأمن

وزير الخارجية الجزائري الأسبق صبري بوقادوم يجلس إلى جانب العقيد الرائد إسماعيل واغ، وزير المصالحة الوطنية المالي، خلال قمة في كيدال في 11 فبراير 2021-الصورة لـ أفريكا نيوز ووكالة فرانس بـرس ‏

بالنظر إلى ما تمت الإشارة إليه فإن حل الأزمة يبدأ بالرجوع إلى اتفاق الجزائر الذي ضمن استقرارا نسبيا في السابق، وشكل إطارا يمكن للأطراف من خلاله الجلوس على طاولة المفاوضات، وهذا من شأنه أن يضمن الوقف الفوري لانتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من طرف الجيش المالي، ومرتزقة فاغنر ضد سكان المناطق الشمالية من العرب والطوارق وقبائل الفولاني، إضافة إلى أنه يضمن الهدنة مع الجماعات المسلحة التي لازالت تكبد القوات الحكومية خسائر معتبرة.

حتى تتبلور هذه الخطوة، يجب العمل على وقف التدخل الخارجي الروسي الإماراتي والمغربي والفرنسي، وحتى التركي الذي عبر في أكثر من مرة عن أطماعه في منطقة الساحل.

كما يجب على الحكومة المالية والعسكر الحاكم في باماكو، مراجعة السياسة القومية والعنصرية ضد الشرائح الأخرى، وبعض دول الجوار، وخاصة الجزائر التي وُجه لها بيانان بعيدان عن الأعراف الدبلوماسية وعلاقات حسن الجوار من قبل الخارجية المالية.

دافع القادة العسكريين الشباب في ذلك هو مزيج من قلة الخبرة، والقومية الإفريقية الجديدة المعادية، التي يضع أصحابها الدول العربية على نفس العداوة مع المستعمر القديم.

مآلات الوضع في المنطقة: بين التصعيد والتسوية

مثل ما تمت الإشارة إليه، فإن الأوضاع في منطقة الساحل عموما تتسم بكثير من التعقيدات التي قد تصعب إيجاد حلول لمختلف المشاكل على الأقل في المدى القريب والمتوسط. تواجد العديد من المصالح المرتبطة بدول ذات أجندات سياسية متباينة يزيد من احتمال استمرار الوضع على ما هو عليه، أو حتى تأزمه في بعض الأحيان.

في المقابل، تزايد نسبة عدم الاستقرار السياسي الداخلي في دولة مالي، وأيضا تزايد وتيرة الانقلابات، بسبب الخلافات داخل المؤسسات العسكرية وقادتها الشباب، وهذا ما أظهرته عديد المحاولات الانقلابية الفاشلة، ليس فقط في مالي، بل في بوركينافاسو، النيجر وحتى تشاد، هذا من شأنه أن يزيد من الصبغة الشعبوية للقادة الشباب فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، من أجل التأييد الشعبي للحكم العسكري. شعبوية السياسة الخارجية، حسب وجهة نظر الكثير من خُبراء السياسة، تُعتبر من أكبر العوامل التي من شأنها زعزعة الأوضاع في المستقبل القريب.

يُضاف إلى هذا، توجد هناك قوى دولية تعمل على تحويل هذه المنطقة إلى شرق أوسط جديد، حيث تقوم فيه بحروب بالوكالة من أجل الحصول على مصالح استراتيجية في إطار الحرب المتعلقة برسم معالم النظام الدولي.

هذه العوامل وغيرها، على العموم، تُرجح من كفة التوتر في منطقة الساحل، وهو ما ستكون له تداعيات على الأمن الإقليمي عموما، ليس في شمال إفريقيا فحسب، بل على دول أوروبا أيضا، الانعكاسات العملية قد تظهر في موجات هجرة جماعية، وزيادة النشاطات الإرهابية العابرة للحدود وغيرها من التهديدات.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل