الحكومةُ الكنديّة تراهنُ على النّفطِ وتضعُ الاقتصادَ والمناخَ أمام مخاطر جسيمة
خلال العام 2025، تواجه كندا مفارقة استراتيجية حادة، إذ تدّعي الحكومة الالتزام باتفاق باريس لخفض الانبعاثات، وفي الوقت نفسه تواصل ضخ دعم هائل لصناعة النفط والغاز، المصدر الرئيس لانبعاثات الكربون. هذا التناقض يضع الاقتصاد الوطني والبيئة أمام مخاطر جسيمة على المدى الطويل، وفق تحذيرات خبراء البيئة.
تقرير مشترك بين المعهد الدولي للتنمية المستدامة ومنظمة الدفاع البيئي يحذر من أن نحو 66٪ من الاستثمارات المستقبلية في مشاريع النفط والغاز خلال الفترة 2025–2040 قد تتحوّل إلى “أصول متقادمة” إذا استمر العالم في التحول نحو الطاقة النظيفة، ما يهدد بقاء هذا القطاع الحيوي على المدى المتوسط.
يعتمد جزء كبير من إنتاج كندا على الأسواق الخارجية، حيث تُصدّر نحو 81٪ من نفطها و44٪ من غازها، ما يجعل الاقتصاد الوطني رهينة لتقلبات الطلب العالمي والمنافسة الدولية. إضافة إلى ذلك، فإن تكلفة إنتاج النفط الكندي مرتفعة مقارنة بمنافسيه، ما يضاعف الضغط على ربحية القطاع ويزيد هشاشة الاقتصاد أمام صدمات السوق.

وعلى صعيد التمويل، تشير منظمة الدفاع البيئي إلى أن الحكومة الفيدرالية قدّمت في عام 2024 ما لا يقل عن 29.6 مليار دولار كندي كدعم مباشر لصناعة الوقود الأحفوري، عبر منح وقروض وضمانات. وتشمل هذه المنح 21 مليار لدعم خط أنابيب “ترانس‑ماونتن”، و7.5 مليار من خلال مؤسسة “تصدير التنمية الكندية” لدعم البنية التحتية والغاز الطبيعي المسال. وتصف المنظمة بعض هذا الدعم بأنه “امتداد لتكلفة باهظة على دافعي الضرائب”، في وقت كان يجب أن يتجه التركيز نحو تسريع الانتقال إلى الطاقات النظيفة.
ويؤكد المعهد الدولي للتنمية المستدامة أن الخيار الأكثر حكمة الآن هو إدارة التراجع بدلًا من التوسع، عبر الحد من تطوير مشاريع إنتاج جديدة والالتزام بتنسيق دبلوماسي لتقليل العرض العالمي. هذا النهج يمكن أن يخفف المخاطر الاقتصادية ويعزز القيمة المتبقية لصناعة النفط والغاز، ويمنح الدولة مساحة أكبر للتحوّل نحو نموذج اقتصادي مستدام.

في الوقت نفسه، تشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن استخراج النفط والغاز يمثل نحو 26٪ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في كندا، وأن نظام تسعير الكربون بحاجة ماسة إلى تعزيز، خصوصًا بعد قرار الحكومة في أبريل 2025 بإلغاء رسم الوقود الاتحادي، ما أضعف الإشارة السعرية للمستهلكين نحو خفض الانبعاثات. وتعتبر المنظمة أن هذا التراجع يهدد فعالية استراتيجية التحول الأخضر التي تتبناها كندا.
وتقول جوليا ليفن من منظمة الدفاع البيئي: “السياسات الحالية توظف أموال دافعي الضرائب لخدمة شركات الوقود الأحفوري، بينما الانبعاثات الضارة تتصاعد… وقد حان الوقت لإدارة التراجع بدلًا من التوسع الأعمى.”
ويخلص خبراء البيئة إلى أن الحكومة الكندية تخاطر بمستقبلها البيئي والاقتصادي في آن واحد. الاستمرار في دعم صناعة الوقود الأحفوري دون استراتيجية واضحة للتحوّل نحو الطاقة النظيفة قد يؤدي إلى تراكم أصول متهالكة، وخسائر مالية فادحة، وفقدان المصداقية المناخية على المستوى الدولي. إنها لحظة مفصلية: إما الربح السريع من النفط، أو الاستثمار في أجيال قادمة من طاقة أنظف. القرار واضح، لكن ثمن التأخير قد يكون باهظًا.




