بيـئة

آلاسكَا تحت خطرِ الفيضانِ الجليديّ وواشنطن بين الإهمالِ والتّأْجيل

ذوبانٌ سريعٌ للأنهار الجليدية يرفعُ منسوب المياهِ ويُهدّد آلافَ المنازلِ في ألاسكا دون وجود خطة حمايةٍ فعّالة

تعيش مدينة جونو، عاصمة ولاية ألاسكا، أزمة بيئية متصاعدة تتكرر منذ أكثر من عقد، حيث تواجه تهديدًا مستمرًا من فيضانات جليدية ناجمة عن انهيار سدود جليدية طبيعية يتسبب فيها ذوبان نهر ميندينهال الجليدي. هذه الفيضانات المتكررة التي بدأت تفرض نفسها كخطر سنوي منذ عام 2011، لا تهدد فقط آلاف المنازل والممتلكات، بل تعكس واقعًا مقلقًا لتأثيرات التغير المناخي المباشر في المناطق الشمالية، في ظل استجابة حكومية مؤقتة وبطيئة لا تتناسب مع حجم التحدي.

تتسبب المياه التي تتجمع خلف سد نهر ميندين هول، والمعروف بـ”سويصايد بايزن”، في زيادة الضغط على السد الجليدي بشكل متزايد خلال فصلي الربيع والصيف بسبب ذوبان الثلوج وهطول الأمطار، ما يجعل السد مهددًا بالانهيار المفاجئ.

ففي أغسطس 2025، وصلت مياه الحوض إلى ارتفاع 412 مترًا، على بعد 4.5 متر فقط من تجاوز السد، وسط زيادة متقلبة في منسوب المياه قد تبلغ أربعة أقدام في اليوم الواحد في أيام الطقس المشمس، ما يجعل التنبؤ بموعد الانهيار أمرًا مستحيلاً.

فيضانات السنوات الأخيرة، خصوصًا في 2023 و2024، تجاوزت الأرقام القياسية، وأدت إلى أضرار جسيمة، شملت تضرر ما يقارب 300 منزل في 2024 وحدها، وألحقت أضرارًا بالغة بالبنية التحتية في وادي ميندينهال، الأمر الذي أثار حالة من القلق الشديد لدى السكان والسلطات.

على الرغم من هذه المخاطر المتكررة، استجابت السلطات المحلية والفيدرالية بشكل محدود عبر بناء سد مؤقت بطول 4 كيلومترات يتألف من 10,000 حاجز بارتفاع 1.2 متر، لحماية حوالي 460 ملكية عقارية من الفيضانات المتوقعة. إلا أن هذه الإجراءات المؤقتة ليست سوى حلول ترقيعية لا تعالج الأزمة بشكل جذري، حيث لا تزال الدراسات الجدية للبحث عن حلول دائمة تُجرى على يد فيلق المهندسين بالجيش الأمريكي، في مسار يستغرق سنوات قد لا توفر الحماية المطلوبة للسكان في الوقت الحاضر. هذا التأخير في تبني حلول مستدامة أثار غضب السكان الذين يشعرون بالإهمال والتجاهل لمخاوفهم وحقوقهم في الأمان والحماية.

في يونيو 2023، تجمع السياح حول نهر ميندينهال الجليدي في جونو، ألاسكا، رغم التراجع المستمر للجليد. المدينة تستقبل أعدادًا متزايدة من الزوار وسط بيئة معرضة لضغوط كبيرة. فيضانات جليدية متكررة تشكل تهديدًا متزايدًا للسكان والبنية التحتية في ظل تفاقم التغير المناخي – الصورة لـ وكالة أسوشيتد برس

من جانبه، قال ريتش إيثريدج، رئيس قسم الإطفاء والإنقاذ في جونو: “نحن في موقف حرج، والفوضى المحتملة في حال انهيار السد يمكن أن تعرّض حياة السكان وفِرق الإنقاذ للخطر، لا يمكننا السماح للتقاعس أن يضاعف الكارثة القادمة”.

وأعربت جينيفر هو، إحدى سكان الحي المتضرر، عن قلقها قائلة: “كل عام نعيش على أعصابنا، لا نعرف متى سيأتي الفيضان القادم، نشعر أننا نعيش تحت تهديد دائم بدون حلول حقيقية”.

تأتي هذه الفيضانات المتكررة في ظل تغيرات مناخية حادة تعاني منها المناطق الشمالية، حيث يسجل ذوبان الأنهار الجليدية في ألاسكا معدلات غير مسبوقة تسارع من تشكيل أحواض مائية جديدة خلف سدود جليدية غير مستقرة، مما يضاعف من خطر الفيضانات. وتؤكد الدراسات الحديثة أن هذه الظاهرة ستستمر وتزداد سوءًا خلال العقود القادمة، ما يتطلب استجابات عاجلة وفعالة لا تحتمل التأجيل أو التهاون.

إن بطء الاستجابة الحكومية، واعتمادها على حلول مؤقتة محدودة، يعكس نقصًا حادًا في التخطيط والإدارة، مما يترك آلاف السكان في حالة تهديد مستمر. كما تبرز المخاطر التي تواجه فرق الإنقاذ بسبب وجود حطام أخشاب وأشجار في مجرى النهر أثناء الفيضانات، مما يعقد عمليات الإجلاء والإنقاذ ويزيد من احتمالات وقوع خسائر بشرية ومادية.

يطرح هذا الواقع سؤالًا ملحًا حول مدى جدية الحكومة في التعاطي مع أزمة بيئية تفرض نفسها على جدول أعمال الأمان والسلامة العامة، خاصة في منطقة استراتيجية مثل ألاسكا التي تحظى باهتمام واسع على المستويين الوطني والدولي. فلا يكفي الاعتماد على سدود مؤقتة أو انتظار دراسات قد تمتد لعقود، بل يتطلب الأمر خطة شاملة تشمل تطوير بنية تحتية دائمة مقاومة للفيضانات، تعزيز التوعية المجتمعية، وتنظيم خطط إخلاء فاعلة، بالإضافة إلى تمويل مستدام للبحوث والمشاريع الوقائية.

استنادًا لهذه المعطيات، تبقى أزمة الفيضانات الجليدية في جونو، ألاسكا، تهديدًا متصاعدًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا مع استمرار التغير المناخي وتسارع ذوبان الأنهار الجليدية. وبالنظر إلى بطء استجابة السلطات واعتمادها على حلول مؤقتة فقط، يظل مستقبل المدينة وسكانها مهددًا بأضرار جسيمة قد لا تُحتمل. أخيرًا، من الضروري أن تتخذ الحكومة خطوات فورية وجذرية لضمان حماية جونو من هذه الكارثة البيئية المتوقعة، قبل أن يصبح الأمر خارج السيطرة.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل