دوفاسكو تؤجّل الصّلب الأخضر حتّى 2050 وتحصل على 50 مليون دولار
كشفت وثيقة اتحادية نُشرت بهدوء على موقع حكومة كندا أن شركة أرسيلور ميتال دوفاسكو، أكبر مُصدر لانبعاثات الغازات الدفيئة في أونتاريو، مدّدت خطتها للتخلص من الفحم في صناعة الصلب من عام 2028 إلى عام 2050، في خطوة أثارت موجة انتقادات حادة من ناشطين بيئيين وسكان مدينة هاملتون، وسط تساؤلات جدية حول الشفافية، وجدوى التمويل العام، ومستقبل الوظائف الصناعية في كندا.
وأظهرت الوثيقة، التي جاءت على شكل تعديل غير معلن لاتفاق التمويل، أن الحكومة الفيدرالية وافقت على ضخ 50 مليون دولار كندي إضافية للمشروع، ليصل إجمالي الدعم إلى 450 مليون دولار ضمن مشروع تبلغ كلفته 1.8 مليار دولار، وكان يُفترض أن يشكل نموذجًا وطنيًا للتحول الصناعي منخفض الكربون المعروف باسم “الصلب الأخضر”.
التحول التقني والتمديد المفاجئ
عند الإعلان عن المشروع عام 2022، حضر حينها رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو ورئيس حكومة أونتاريو دوغ فورد مراسم وضع حجر الأساس، مؤكدين أن المشروع يمثل “قفزة تاريخية نحو الصلب الأخضر”. وأوضحت الخطة أن دوفاسكو ستفكك أفران الصهر التقليدية ومصانع فحم الكوك، وتستبدلها بتقنيات الاختزال المباشر للحديد وأفران القوس الكهربائي، لتخفيض الانبعاثات بنسبة تصل إلى 60% بحلول عام 2028.
إلا أن الوثائق الحديثة تكشف أن الجدول الزمني تمدد فعليًا 22 عامًا، ما يعني استمرار الاعتماد على الفحم لعقود، في تناقض صارخ مع الخطاب المناخي الرسمي لكندا. اللافت أن تعديل الجدول الزمني جاء دون إعلان سياسي أو مؤتمر صحفي، ونُشر بهدوء بعد فرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية على الصلب الكندي وقبل الانتخابات الفيدرالية، وهو ما يعكس حساسية سياسية عالية وربما رغبة في تجنب الجدل العام.
وقال الناشط البيئي إيفان أوبيني من منظمة “بيئة هاملتون” نقلاً عن سي بي سي نيوز: “هناك ثغرة حكومية تسمح للشركة بمواصلة انبعاثاتها المعتادة لفترة أطول بكثير مما وُعد به… اللغة الجديدة غامضة، ولا أحد يعرف ما هو المخطط فعليًا.”

الحدث يمثل بداية مشروع الصلب الأخضر وسط توقعات بخفض الانبعاثات الصناعية مستقبلاً – الصورة لـ سي بي سي نيوز
انتقال الإنتاج وقلق الوظائف
كشف تعديل المشروع أيضًا أن إنتاج الحديد باستخدام تقنية الاختزال المباشر لن يتم في هاملتون كما كان مخططًا، بل سينتقل إلى منشأة دوفاسكو في كونتريكور بمقاطعة كيبيك. ورغم تأكيد الحكومة الفيدرالية على أن هدف خفض 3 ملايين طن من الانبعاثات سنويًا لا يزال قائمًا، إلا أن خبراء شككوا في إمكانية تحقيق هذا الهدف دون إلغاء الفحم في هاملتون.
ويثير هذا التحول مخاوف بشأن مستقبل الوظائف، فبينما كان المشروع الأصلي يضمن الحفاظ على نحو 4600 وظيفة دائمة في كندا، تشير الصيغة المعدلة الآن إلى “دعم آلاف الوظائف خلال مرحلتي الهندسة والبناء”، وهي صيغة أقل وضوحًا ولا تضمن استدامة التوظيف.
وأقرت وزارة التنمية الاقتصادية في أونتاريو بأن الشركة لم تصرف دولارًا واحدًا من أصل 500 مليون دولار خصصتها المقاطعة لدعم أفران القوس الكهربائي، ورغم تأكيد الوزارة أنها “تعمل عن كثب” مع دوفاسكو، فإن غياب أي تقدم ملموس يعزز الشكوك حول جدية التنفيذ. وأشار التحليل إلى أن مشروع الصلب الأخضر تحوّل من رافعة محتملة للسياسة المناخية إلى نموذج للوعود المؤجلة، حيث تتقدم اعتبارات السوق والضغوط التجارية على الالتزامات البيئية.

المخاوف المجتمعية والصحية
ولسكان هاملتون، القضية ليست تقنية أو مالية فقط، بل صحية ومعيشية. فقد طالبت مجموعات محلية وزارة البيئة في أونتاريو بفتح تحقيقات حول تجاوزات انبعاثية من المصنع. ونقل عن الناشط المجتمعي يواخيم بيزنر، عضو لجنة التواصل المجتمعي مع الشركة، قوله إنه لم يُبلّغ بأي من “التغييرات الجوهرية” رغم حضوره الاجتماعات الدورية، وأضاف أن الحكومة والشركة “مدينتان للمدينة بإجابات واضحة.”
ويشكل المشروع اختبارًا لمصداقية كندا المناخية، في وقت تعلن فيه الحكومة التزامها بالحياد الكربوني بحلول 2050، وتطالب قطاعات أخرى بتضحيات مكلفة. وقال وزير الصناعة فرانسوا فيليب شامبين: “من خلال الاستثمار في مشروع دوفاسكو لإنتاج الصلب النظيف، نحن نستثمر في مستقبل المصنع والصناعة… مع ضمان وظائف جيدة للعائلات في هاملتون.”
وحذر محللون من أن استمرار تمويل شركات كبرى دون شروط صارمة وجدول زمني ملزم قد يقوض ثقة الرأي العام ويحوّل التحول الأخضر إلى مجرد شعار سياسي، مؤكّدين أن التحدي الحقيقي هو ما إذا كانت التزامات الشركة ستتوافق فعليًا مع أهداف المناخ.
يرى الخبراء أن مشروع الصلب الأخضر يحتاج إلى شفافية ومساءلة فعلية، مع ربط التمويل العام بالتزامات محددة وجداول زمنية دقيقة للتنفيذ. يشدد المحللون على ضرورة متابعة تطبيق التقنيات الجديدة لضمان خفض الانبعاثات وتحقيق أهداف المناخ، مع الحفاظ على الوظائف واستدامتها في قطاع صناعة الصلب. كما يؤكد المختصون على أهمية تزويد سكان هاملتون بمعلومات واضحة وإجراءات ملموسة لحماية صحتهم وضمان تنفيذ الالتزامات. التحرك الفوري ضروري لتحويل المشروع إلى نموذج حقيقي للتحول الصناعي منخفض الكربون، بدلًا من وعود مؤجلة.




