هل تفلحُ الحكومة الكنديّة في خفض الانبعاثات الكربُونيّة؟
في لحظةٍ عالمية حرجة يضيق فيها هامش المناورة أمام أزمة المناخ، ومع سباق الدول لتفادي تجاوز عتبة الاحترار الخطِرة البالغة 1.5 درجة مئوية، تجد كندا نفسها أمام اختبارٍ صعب. فبينما تتسارع التحذيرات الدولية، ويُفترض أن يكون عام الحسم قد بدأ، تُظهر التقديرات الأولية الصادرة عن المعهد الكندي للمناخ أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الكندية ظلت شبه راكدة حتى عام 2024. واقعٌ يدق ناقوس الخطر، ويكشف تباطؤًا مقلقًا في التقدم البيئي، وضعفًا متزايدًا في السياسات المناخية، في توقيت لا يحتمل مزيدًا من التأجيل.
يقول ديف سوير، كبير الاقتصاديين في المعهد الكندي للمناخ، بحسب ما نقله راديو كندا: “نعتقد أن هدف المناخ لعام 2030 بات بعيد المنال. ويتطلب تحقيقه خفض الانبعاثات بمقدار 40 ميغا طن سنويًا”.
ويضيف أن هذا الرقم يتجاوز بكثير ما تسمح به السياسات الحالية، بل ويتخطى مجمل التقدم التاريخي الذي حققته كندا حتى الآن.
وتجدر الإشارة إلى أن كندا مُلزَمة قانونًا بتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050، بعدما أدرجت هذا الهدف في تشريع رسمي عام 2021. كما تلتزم، بموجب اتفاق باريس للمناخ، بخفض الانبعاثات بنسبة لا تقل عن 40% مقارنة بمستويات عام 2005 بحلول عام 2030. غير أن الواقع، وفق التقديرات، يُظهر أن عام 2024 سجّل خفضًا صفريًا فعليًا في الانبعاثات، في ظل سياسات مناخية أقل حضورًا على طاولة القرار.
أرقـام لا تُطمئن
ووفق تقديرات المعهد الكندي للمناخ، بلغت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في كندا نحو 694 ميغا طن عام 2024، بانخفاض هامشي قدره 0.1% عن عام 2023، وبنسبة 8.5% مقارنة بعام 2005.
وكما في السنوات السابقة، يُحمِّل التقرير قطاع النفط والغاز المسؤولية الأكبر عن ضعف التقدم البيئي، مشيرًا إلى أن تطوير الرمال الزفتية وحده أضاف 3 ميغا طن من الانبعاثات.
في المقابل، يُسجَّل تباطؤ واضح في قطاعات أخرى؛ إذ لم تتجاوز نسبة الانخفاض في انبعاثات قطاع النقل 0.1% بين عامي 2023 و2024، بينما يُعزى التراجع الأبرز في قطاع البناء إلى اعتدال فصل الشتاء بقدر ما يُعزى إلى إجراءات كفاءة الطاقة.
سياسات متراجعة ومشاريع مثيرة للجدل
في سياق البحث عن مسار مستقبلي يضمن تحقيق أهداف عامي 2035 و2050، يوصي محللون بتعزيز السياسات القائمة. غير أن المشهد السياسي يشير إلى اتجاهٍ مغاير؛ إذ ألغت حكومة مارك كارني بعض التدابير البيئية، من بينها ضريبة الكربون، وأوقفت العمل بالحد الأدنى لحصة بيع السيارات الكهربائية.
من جهته، يحذّر ديف سوير من أن مشاريع البنية التحتية الكبرى قد تُقوّض الجهود المناخية. وتشمل هذه المشاريع الغاز الطبيعي المُسال، وتعدين النحاس، إلى جانب مشروع احتجاز الكربون وتخزينه الذي اقترحته مجموعة من شركات النفط. ويُقدّر مؤيدو المشروع قدرته على تخزين ما يصل إلى 12 ميغا طن من ثاني أكسيد الكربون، إلا أن قرار الاستثمار النهائي لم يُتخذ بعد.

بين الوعي المجتمعي والواقع السياسي
يرى أحد خبراء الطاقة أن تحقيق الأهداف المناخية لا يزال ممكنًا، شرط توافر وعي جماعي يسمح بإحداث تحوّل فعلي في قطاعات النقل والمباني وكفاءة الطاقة، دون إدخال الاقتصاد في حالة ركود، وإنما عبر تغييرات جذرية في أنماط الاستهلاك والعادات اليومية.
لكن مؤشرات أخرى تُنذر بصعوبات إضافية. فبحسب قناة سي بي سي، تتناقص عضوية الهيئة الاستشارية المعنية بتحقيق صافي الانبعاثات الصفرية، لتضم اليوم خمسة أعضاء فقط من أصل 15. ونقلت صحيفة “ذا هيل تايمز” أن الأعضاء المتبقين طالبوا وزيرة البيئة جولي دابروسين بدعم عاجل، عبر تعيين أعضاء جدد، ومراجعة الميزانية، وعقد اجتماعات دورية، مشيرين إلى أن الحكومة توقفت عن طلب مشورة الهيئة.
انقسامات داخل المعسكر الـبيئي
تقول كاثرين أبرو، إحدى الأعضاء المؤسسين وأحدث المنسحبين من الهيئة، إن الاتفاق الذي وقّعه رئيس الوزراء مارك كارني في نوفمبر مع رئيسة وزراء ألبرتا دانييل سميث كان “القشة التي قصمت ظهر البعير”. وينص الاتفاق على دعم أوتاوا لبناء خط أنابيب ينقل مليون برميل نفط يوميًا من ألبرتا إلى كولومبيا البريطانية، لتصدير جزء كبير منه إلى آسيا. وقد دفعت هذه الخطوة وزير البيئة السابق ستيفن غيلبو إلى الاستقالة، وأثارت مخاوف دعاة حماية البيئة، خصوصًا مع إلغاء ضريبة الكربون وإقرار قانون الاقتصاد الكندي الموحد.
في المقابل، يمنح مايكل بيرنشتاين، عضو مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمنظمة كلين بروسبيريتي، الحكومة هامشًا من المرونة، معتبرًا أن البلاد تمر بمرحلة اقتصادية صعبة، تهيمن عليها الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، وأن العمل المناخي يجب أن يكون جزءًا من مزيج أوسع يشمل حماية القدرة الشرائية وتنويع التجارة.
ويؤكد بيرنشتاين أن تركيز الحكومة على تسعير الكربون الصناعي قد يكون المسار الأكثر فاعلية من حيث التكلفة، شريطة أن يبلغ السعر مستوى رادعًا للانبعاثات، مقدّرًا إياه بنحو 130 دولارًا للطن.
إشـارات متناقضة
يدعم ريك سميث، رئيس معهد المناخ الكندي للأبحاث، هذا التوجه، معتبرًا أن فرض سعر قوي على الكربون الصناعي عنصرٌ أساسي لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات. ويشير إلى أن الحكومة لم تتخلَّ عن وعودها، مستشهدًا بقرارات حديثة، من بينها خفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية الصنع إلى 6% بدلًا من 100%، إلى جانب اللوائح الجديدة الخاصة بالميثان التي تحظر إطلاق الغاز عمدًا في الغلاف الجوي.
بين أرقامٍ راكدة، وسياساتٍ متراجعة، وصراعٍ متصاعد بين أولويات الاقتصاد والمناخ، تبدو كندا أمام اختبارٍ مصيري. فعدم تحقيق خفض ملموس في الانبعاثات لا يهدد الالتزامات القانونية فحسب، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات مناخية كارثية، تُلقي بعبءٍ ثقيل على مستقبل الأجيال المقبلة، وتستدعي تحركًا مكثفًا وحاسمًا قبل فوات الأوان.




