بيـئة

دُخَـانُ حرائِـق الغابات يُؤدِّي إلى تدهوُر حادٍّ في جودَةِ الهَواء بِـمُدنٍ كنـدِيَّة

تورونتو تُسجِّل ثاني أخطر جودةِ هواءٍ عالميًّا صباحَ الإثنينِ بمُؤشِّرِ 10+، ووزارةُ البيئة تُحذِّر من تهديدٍ قاتِلٍ للجُزيئاتِ الدقيقة، وتدعو للبقاءِ محميّينَ في الأماكنِ المغلقة

في مشهد قاتم يحاكي أجواء الطوارئ البيئية الكبرى، استيقظت مدينة تورونتو، كبرى مدن كندا، صباح اليوم الاثنين على هواء ملوّث بدرجة شديدة الخطورة، سبّبته سحب كثيفة من دخان حرائق الغابات القادمة من شمال أونتاريو ومانيتوبا، ليتحوّل الجو إلى ضباب خانق يحجب الرؤية ويهدد الصحة العامة على نطاق واسع. وقد سجّلت المدينة في ساعات الصباح ثاني أسوأ جودة هواء على وجه الأرض، بحسب مؤشر “آي كيو إير” السويسري المتخصص، متجاوزة بذلك عواصم معروفة بتلوثها الشديد مثل بغداد وجاكرتا وكنشاسا.

ووفقًا لبيانات وزارة البيئة الكندية، ارتفع مؤشر جودة الهواء الصحي إلى درجة “10+”، وهو ما يُصنّف رسميًا بـ”الخطر الصحي الشديد جدًا”، قبل أن ينخفض قليلاً إلى مستوى “8” مساءً، لكنه لا يزال يُصنف ضمن “الخطر الصحي المرتفع”، في حين أن المعدل الطبيعي في تورونتو لا يتجاوز غالبًا مستوى “2 إلى 3”. أما مؤشر الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء التي يبلغ قطرها 2.5 ميكرومتر أو أقل، وهي مواد ملوثة مجهرية تتسلل مباشرة إلى الرئتين والدم. فقد بلغ في وسط المدينة 296 نقطة، ما يضع الهواء في فئة “غير صحي جدًا”، وفق تصنيف عالمي.

المصدر الرئيسي لهذا الدخان الكثيف هو حرائق ضخمة مشتعلة منذ أيام في مناطق مثل ريد ليك وبيكانجيكوم شمال غرب أونتاريو، إضافة إلى حرائق قريبة من منتزه نوبيمينغ وشاطئ فيكتوريا في مانيتوبا. وقد أوضح خبراء الأرصاد الجوية أن الرياح الغربية نقلت الدخان إلى منطقة تورونتو الكبرى خلال مدة تتراوح بين 12 و24 ساعة فقط.

إصدار بيان خاص بجودة الهواء في تورونتو مع توقع تغطية الدخان الناتج عن حرائق الغابات للمدينة ومنطقة تورونتو الكبرى – الصورة لـ سيتي نيوز

المخاطر الصحية الناتجة عن استنشاق هذا الهواء المسموم تفوق التوقعات، خصوصًا للفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن، والنساء الحوامل، والأطفال، ومرضى القلب والجهاز التنفسي، والعمال في الهواء الطلق. وقد نبّه الدكتور هوارد شابيرو، نائب المسؤول الطبي للصحة في المدينة، إلى أن أعراضًا مثل السعال الشديد، وتهيّج الحلق والعينين، وصعوبة في التنفس، وألم في الصدر قد تستدعي تدخلًا طبيًا عاجلًا. كما حذّر من أن الكمامات الواقية من نوع “إن 95” توفر حماية جزئية فقط، لأن الهواء يحمل مركبات كيميائية معقدة لا يمكن تصفيتها بسهولة.

في ظل تزامن هذه الكارثة البيئية مع موجة حر خانقة وصلت فيها درجات الحرارة إلى 32 درجة مئوية، وشعور حراري بلغ 40 درجة، ازدادت المعاناة، خاصة لدى الفئات الفقيرة المحرومة من وسائل التكييف. وفي استجابة عاجلة، أطلقت بلدية تورونتو، بقيادة العمدة أوليفيا تشاو، مبادرة لتوزيع 500 جهاز تكييف مجانًا على كبار السن من ذوي الدخل المحدود، بتمويل تجاوز 200 ألف دولار كندي. لكن المبادرة واجهت طلبًا يفوق بكثير قدرتها، إذ تقدّم أكثر من 1,400 شخص للاستفادة منها، في حين قدّر المسؤولون أن عشرات الآلاف يحتاجون إلى هذه المساعدة الطارئة.

تورونتو ومعظم منطقة تورونتو الكبرى تحت بيان خاص بجودة الهواء، بسبب انتشار دخان حرائق الغابات في شمال أونتاريو نحو المنطقة – الصورة لـ تورنتو ستـار

إلى جانب ذلك، أعلنت المدينة عن فتح أكثر من 500 مركز تبريد، ومدّدت ساعات عمل المسابح العامة حتى منتصف الليل، ووفرت مناطق “هواء نقي” داخل مبانٍ حكومية رئيسية مثل قاعة المدينة ومراكز الأحياء. وفي مواقع العمل، تحدّى عمّال البناء الأجواء المسمومة، مثل العامل رندي ميتشل الذي قال: “جودة الهواء مروعة… أتنقل بين الظل والمباني كلما استطعت لتجنب الاختناق”.

وسط هذه الأزمة المتفاقمة، أعادت التغطيات الصحفية والعلمية التأكيد على العلاقة المباشرة بين تغير المناخ وارتفاع عدد وشدّة حرائق الغابات في كندا. فهذه الأزمة ليست حادثة عابرة، بل إنذار صارخ بأن المدن الكندية الكبرى باتت في مرمى الخطر البيئي المباشر، وأن الحاجة إلى سياسات وطنية صارمة للتعامل مع تغيّر المناخ وحماية الصحة العامة أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل