رأي

مجلسُ ترامب للسّلام: وصايةٌ جديدة أم إعادةُ هندسة للنّظام الدّولي؟

ترامب يتقدّم المشهد محاطًا بدولٍ اختارت السير في فلكه، في مشهد لا يعكس قيادةً جماعية بقدر ما يؤشر إلى ولادة نظام دولي تُعاد صياغته بمنطق القوة والوصاية، حيث تُختزل الشرعية في النفوذ، ويُدار السلام كصفقة لا كحق – الصورة لـ غيتي إيماجيس | وكالة الانباء الفرنسية عبر آي بي سي نيوز

في مشهد يعكس تحوّلًا عميقًا في بنية النظام الدولي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من على منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، عن إنشاء ما أسماه “مجلس السلام”، مبادرة بدت أقرب إلى إعلان ولادة نظام عالمي جديد تُدار فيه العلاقات الدولية بعقلية الصفقات والمعاملات لا بالمبادئ والقواعد. فهذا المجلس، وهو عبارة عن تجمع لدول متحالفة مع بعضها ضمن مبادرة ترمب للسلام، وعلى رأسها مشروع إعادة إعمار غزة التي مزقتها الحرب، حيث وصف وزير الخارجية الأميركي مجلس السلام بأنه الحل لنظام دولي متعثر. وقال: “في كثير من الأحيان، نجد أنفسنا في فعاليات الشؤون الدولية نقرأ بيانات معدّة مسبقًا، ونقرأ رسائل شديدة اللهجة، لكن دون أي تحرك أو إنجاز”، وأشار إلى 19 قائدًا ووزيرًا آخرين كانوا جالسين على المنصة حول ترمب: “هذه مجموعة من القادة الذين يهتمون بالعمل، ورئيس الولايات المتحدة يهتم بالعمل ويعنى بإنجاز الأمور”.

في ظل تسارع الأحداث على ميدان السياسة الدولية، والتحول العميق في النظام الدولي، يبدو أن العالم متجه نحو حقبة تاريخية جديدة، ولم تكن الارتدادات العميقة لـ”طوفان الأقصى” تقتصر على الداخل الفلسطيني أو العمق العربي والإقليمي، بل تجاوزتها إلى تغيّرات دولية وتحركات شعبية جماهيرية غير مسبوقة في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، وخاصة لدى الجيل الشاب وطلبة الجامعات، وفرضت تلك التحولات أجندة جديدة على برامج الحكومات الغربية.

من “وقف إطلاق النار” إلى “إدارة الوصاية

لم يكن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 في العام 2025م، الخاص بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتكليف ما بات يُعرف بمجلس السلام، الذي لم يكن قائمًا لحظة صدور هذا القرار إطلاقًا، تفويضًا مفتوحًا للرئيس الأميركي دونالد ترمب ليطلق العنان لرغباته وتطلعاته في قيادة العالم كما يريد، بل إن التفويض من مجلس الأمن الدولي كان محددًا بمتابعة وقف إطلاق النار بين الجانبين، إسرائيل وحماس، وإنهاء المعاناة الإنسانية للفلسطينيين في قطاع غزة.

إن الخطوات التي يقوم بها ترمب في كل ما يتعلق بمجلس السلام، وخاصة العضوية والشروط والمهام المنوطة بهذا المجلس، تؤكد بكل وضوح أن ترمب يتعامل مع قطاع غزة كمنطقة جديدة من الوصاية والانتداب الأميركي بحلته الجديدة، وأن تسمية بعض الأعضاء في المجلس التنفيذي الذي يرأسه ميلادينوف، مثل سوزي وايلز، رئيسة ديوان البيت الأبيض في عهد ترمب، ومارتن إيدلمان، محامٍ متخصص في العقارات ومستشار خاص لحكومة الإمارات العربية المتحدة، يطرح الكثير من التساؤلات حول ما يُرسم لمستقبل قطاع غزة من قبل ترمب، خاصة أن هناك توجهات نحو منح مجلس السلام جميع السلطات التشريعية والتنفيذية وسلطات الطوارئ والقضائية، وفي ذلك سلب لإرادة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية والسيادية واستقلاليته، فمن منح ترمب ومجلس السلام تلك الصلاحيات والسلطات؟

إن ما يُروَّج له في وسائل الإعلام الأميركية حول منح مجلس السلام والمجلس التنفيذي والممثل السامي صلاحية إصدار القوانين أو تعديلها أو إلغائها بشكل أحادي، وتبقى قوانين غزة الحالية سارية المفعول فقط إذا لم تتعارض مع القانون الدولي أو الخطة الشاملة، مما يعني إمكانية إعادة كتابتها حسب الرغبة الأميركية الترمبية، يدل بشكل واضح على وصاية وانتداب واحتلال وضم، ولكن وفق قوانين ترمب ورؤيته الجديدة للاستعمار الحديث في العالم.

تغييب الفلسطينيين… وتحييد الأوروبيين

إن تعمد ترمب تغييب الحضور الفلسطيني على صعيد منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية هو إشارة سياسية واضحة المعالم بتغييب الكيان السياسي الفلسطيني واستبعاد الحلول السياسية القائمة على أساس قرارات الشرعية الدولية وخيار السلام وحل الدولتين، وهو تماهٍ واضح من قبل ترمب مع الموقف الإسرائيلي في استمرار الاحتلال والاستيطان وعدم الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م. فالمؤسسات التمثيلية للشعب الفلسطيني على صعيد السلطة والمنظمة هي التي تمثل الفلسطينيين، وهي تعبّر عن تطلعات الشعب الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، ولكن هذا الاستبعاد والتغييب المقصود من قبل الرئيس ترمب للفلسطينيين يعبر عن الإبادة السياسية التي يمارسها ترمب بحق التطلعات السياسية للشعب الفلسطيني.

ولم يتوقف الأمر على تغييب الفلسطينيين، بل إن هناك إقصاءً وتغييبًا للدول الأوروبية وكندا من هذا المجلس، وبتعمد مقصود من الرئيس ترمب، فهذه الدول أصبحت اليوم تعترف بدولة فلسطين وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولكن ترمب يريد الاستفراد والتحكم بالقرارات السيادية فيما يُعرف بمجلس السلام، وأن يُقصي كل الأصوات الفاعلة والمؤثرة التي ربما تتعارض مع توجهاته السياسية، فعمل بشكل محكم ومتعمد على استبعاد الدول الأوروبية وكندا من هذا المجلس، ليغدو هذا المجلس عبارة عن مزرعة أو حديقة يديرها ترمب شخصيًا.

من النظام الليبرالي إلى “زمن القوة

هناك الكثير من الانتقادات التي وُجهت إلى ترمب حول طريقة تعامله الشخصية، فقد انتقد الفيلسوف السياسي فرانسيس فوكوياما: “ترمب مدمر للمؤسسات ويريد استبدالها بخياراته الشخصية التي تعود عليه بالنفع حتمًا”، وأضاف: “المؤسسة هي قاعدة أو هيكل لا يعتمد على فرد واحد، بل يبقى قائمًا حتى بعد رحيل مؤسسه”. إضافة إلى ذلك، أشار فيل غوردون، المسؤول السابق في إدارتي بايدن وأوباما، والمستشار السياسي لنائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، إلى أن مجلس السلام ما هو إلا امتداد لأسلوب ترمب السياسي. وقال غوردون: “يريد أن يكون الرجل، القائد المطلق الذي يحظى باحترام الجميع ويستحوذ على الموارد التي يستحقها ويتحكم بها. كل من ظن أنه انعزالي، بسبب شعار أميركا أولًا، يدرك الآن أن الأمر ليس كذلك”.

ويقول ثارور إن التحول الأوسع في السياسة العالمية، الذي يبدو أن ترمب قد حفزه، حيث وُصف تارة بالانجراف نحو رؤية “مناطق النفوذ” التقليدية للعالم، وتبني سياسة “القوة هي الحق”، أثار قلق أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بمبادئ النظام الليبرالي.

الإمبراطوريات إلى زوال

ترمب يسعى إلى إعادة صياغة العالم وفق رؤيته الخاصة، لكن التاريخ لا يرحم الإمبراطوريات التي ظنت أنها قدر البشرية. كما انحسرت بريطانيا التي “لا تغيب عنها الشمس”، فإن الولايات المتحدة، وهي تعيد إنتاج أدوات الوصاية باسم السلام، قد تكون في بداية منحنى التراجع الذي لا يمكن إيقافه.

فالتاريخ، كما يُذكّرنا دائمًا، له منطقه الخاص في تفكيك الإمبراطوريات وإعادة توزيع القوة حين تُصبح أدوات السيطرة بديلًا عن الشرعية.

كاتب

تنويه | الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه حصراً، ولا تعكس بالضرورة التوجّه التحريري لمؤسسة "هنا كندا" الإعلامية

د. حسين الديـك

خبيـر في الشأن الأمريكي | القدس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل