بيـئة

الذَّهب مُقابِل الحياة: شرِكةُ كِينرُوس تتحدَّى بِيئةً مسمُومةً ونهرًا يحتَضِر في كندَا

بعد 3,500 انتهاكٍ بيئيٍّ في منجمٍ سابقٍ، شركةُ "كينروس" تتّجه لتفريغِ مياهٍ ملوّثةٍ قرب "غراسي نارووز" الملوّثةِ بالزئبق منذ 60 عامًا

رغم تعهدها المتكرر بالالتزام بأعلى المعايير البيئية، تجد شركة «كينروس غولد» الكندية نفسها مجددًا في قلب عاصفة من الانتقادات والاتهامات، بعد أن تقدمت بطلب لتنفيذ مشروع استكشاف منجمي في شمال أونتاريو، يشمل تفريغ مياه معالجة في نظام نهري حساس يتغذى عليه مجتمع “غراسي نارووز”، أحد أكثر المجتمعات تضررًا في كندا من التلوث الصناعي. التحقيقات العلمية وتصريحات السكان الأصليين تثير شبح كارثة قديمة لم تُمحَ آثارها بعد، وتعيد إلى الواجهة السؤال الصعب: إلى أي مدى يمكن الوثوق بشركات التعدين حين يكون الماء هو الثمن؟

منذ عام 2008، ظل منجم “باكهورن ماونتن” في شمال ولاية واشنطن، الذي كانت تديره شركة تابعة لـ«كينروس»، يسرب مياهًا ملوثة إلى روافد نهر كولومبيا، رغم تحقيقه أكثر من مليار دولار من الأرباح. وثّقت سلطات الولاية أكثر من 3,500 انتهاك لقانون المياه، تضمنت تصريف معادن ثقيلة كالزرنيخ والرصاص بنسب تتجاوز الحد المسموح. وعلى الرغم من ذلك، أنكرت كينروس حدوث ضرر بيئي، وزعمت أن “التجاوزات كانت طفيفة”، متذرعة بأن التلوث كان ناتجًا عن مستويات طبيعية في التربة. إلا أن المدعي العام في الولاية رفع دعوى قضائية ضد الشركة، مؤكداً أنها كانت على علم مسبق باحتمال التلوث، لكنها اختارت الاستمرار.

الآن، وبعد آلاف الكيلومترات شمالاً، تُقدم الشركة على خطوة مشابهة، باقتراح تنفيذ مشروع استكشاف للذهب على بعد ساعة فقط من مجتمع “غراسي نارووز”، الواقع على ضفاف نهر لا يزال مثقلاً بسموم الزئبق منذ أكثر من نصف قرن. كينروس تسعى للحصول على ترخيصين من حكومة أونتاريو، أحدهما للسماح لها بحفر عينات من الخام، والآخر لتصريف مياه معالجة في نهر تشوكُني، الذي يصب في نظام وابيغون النهري، نفس النظام الذي دُمّر بفعل التلوث الزئبقي في ستينيات القرن الماضي، حين قامت مطحنة للورق بتفريغ مئات الكيلوغرامات من الزئبق في النهر، ما تسبب في كارثة صحية وبيئية ما تزال آثارها حاضرة على السكان حتى اليوم.

صورة جوية لموقع استكشاف تابع لشركة كينروس في شمال أونتاريو (مشروع Great Bear)، تُظهر البنية التحتية المستحدثة بما في ذلك المعسكرات، الطرق والجسور. هذه المنشآت قد تزيد من خطر التلوث البيئي وتضع ضغطًا إضافيًا على النظام النهري الحساس عند بدء التشغيل الكامل للمشروع – الصورة لـ نورثارن اونتاريو بيزنس

ما يزيد من قلق الخبراء هو أن خطة كينروس، وفقًا لما أكده عالم الأحياء البروفيسور براين برانفايرن، لا تتضمن أي معالجة للكبريتات في مياهها المعالجة. وهذه المادة، رغم أنها لا تُصنف كمادة سامة بذاتها، إلا أنها تؤدي إلى تنشيط البكتيريا التي تحوّل الزئبق الراكد في أعماق الأنهار إلى “ميثيل الزئبق”، وهو الشكل الأكثر فتكًا وانتقالًا عبر السلسلة الغذائية، بدءًا من الأسماك ووصولًا إلى البشر الذين يعتمدون عليها كمصدر غذائي أساسي. برانفايرن وصف الخطة بأنها “غير مقبولة علميًا”، فيما تؤكد الشركة أنها أجرت “تقييمات بيئية دقيقة” وأنها لن تتسبب في أي ضرر للمجتمعات المحلية.

غير أن محكمة بيئية مستقلة في أونتاريو لم توافق على ذلك. في قرار صدر هذا العام، وجهت المحكمة انتقادًا شديدًا لوزارة البيئة لموافقتها على أحد تصاريح كينروس، واعتبرت أن الدراسات التي استندت إليها الوزارة “غير مكتملة”، وأن المشروع يشكل “خطرًا بيئيًا جسيمًا”. سحبت كينروس التصريح لاحقًا، لكنها أعادت التقدم بطلب جديد، مستفيدة من مشروع قانون أونتاريو المثير للجدل (Bill 5) الذي يُسهل منح تصاريح التعدين، ويقلّص من فرص المجتمعات المحلية في الاعتراض أو المطالبة بتقييمات بيئية شاملة.

شعب “غراسي نارووز” عانى من كارثة بيئية واحدة بالفعل… والآن يواجه تهديدًا جديدًا – الصورة لـ إيمباكت فاوند

الغضب لا يقتصر على القضايا التقنية أو البيئية فحسب. رئيس حكومة أونتاريو، دوغ فورد، أثار موجة استنكار واسعة بعد أن صرح بأن الشعوب الأصلية “يجب ألا يأتوا إلينا بأيدٍ ممدودة إذا أرادوا وقف المشاريع”. تصريحات اعتُبرت عنصرية ومهينة من قبل قادة السكان الأصليين، الذين يرون في هذا الموقف استهتارًا بتاريخ طويل من الاستعمار البيئي والتجاهل الحكومي لحقوقهم في الأرض والماء.

كينروس، من جهتها، تقول إنها وقعت اتفاقيات تعاون مع قبيلتي واباوسكانغ ولاك سول اللتين تقع أراضيهما ضمن منطقة المشروع، وإنها تحظى بـ”دعم محلي قوي”. لكنّ غراسي نارووز، التي ستتأثر مباشرة بتصريف المياه، لم تُستشر، ولم تُوقّع أي اتفاق، ما يثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم “الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة” التي تنص عليها المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الشعوب الأصلية.

السجل البيئي للشركة خارج كندا لا يعزز ثقة المتشككين. ففي ألاسكا، دفعت كينروس غرامة قدرها 275 ألف دولار هذا العام لتسوية اتهامات بالتخلص من نفايات خطرة دون ترخيص. وفي دعوى قضائية أخرى، تسعى قبيلة “دوت لايك” لإلغاء تصاريح مشروع تابع لكينروس، خوفًا من تلويث مصادر المياه الجوفية والأنهار. وترى القبيلة أن الشركة لم تُشركها في صنع القرار رغم المخاطر المباشرة على أراضيها. رئيسة القبيلة، ترايسي تشارلز-سميث، وجهت تحذيرًا صريحًا إلى غراسي نارووز: “لا تصدقوا الوعود. هذه المشاريع تُقدَّم دائمًا على أنها مفيدة، لكنها تحمل في طياتها خطرًا على صحتكم وثقافتكم ومستقبل أجيالكم.”

تحقيق صحفي أجرته صحيفة “تورونتو ستار” كشف عن ارتفاع مهول في عدد مطالبات التعدين في أراضي غراسي نارووز التقليدية، التي تضاعفت أربع مرات بين 2018 و2021، لتغطي أكثر من 1,200 كيلومتر مربع. أما مشروع “غريت بير” الذي تخطط كينروس لتشغيله، فهو مصمم لاستخراج نحو 60,000 طن من الخام يوميًا ولمدة قد تصل إلى عشرين عامًا، وهو ما سيجعل منه أحد أكبر المناجم في المنطقة. وقد وافقت الحكومة الفيدرالية بالفعل على إجراء تقييم بيئي شامل للمشروع بعد أن تبين احتمال تأثيره على الشعوب الأصلية.

بعض أعمال الحفر والبنية التحتية للمشروع قد بدأت بالفعل، بما في ذلك حفر أنفاق بطول 9 كيلومترات وعمق 600 متر، وإنشاء معسكرات وطرق ومرافق لمعالجة المياه. لكن غياب المعالجة المناسبة للكبريتات في هذه المرحلة المبكرة ينذر بما هو أخطر عند بدء التشغيل الكامل.

في غراسي نارووز، حيث يعيش الناس على ضفاف نهر جُرِّب فيه التسميم مرة، تتصاعد المخاوف من أن تُعاد المأساة باسم الاستثمار والتنمية. وبينما تقول كينروس إن مشروعها سيخلق ألف وظيفة، يتساءل السكان: ما جدوى الوظائف إن فقدنا الماء؟ وأي تنمية تستحق أن ندفع ثمنها بأجسادنا؟

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل