كنـدا الآن

أوتاوا تُصعّد مواجهةَ النّفوذ الأجنبي: غراماتٌ تصلُ إلى مليونِ دُولار للمُخالفين

في خطوة جريئة لتعزيز شفافية السياسة الكندية وحماية مؤسساتها الديمقراطية، طرحت الحكومة الفيدرالية في أوتاوا مسودة لوائح تقترح غرامات تصل إلى مليون دولار كندي على الأفراد والمنظمات التي تفشل في الالتزام بسجل الشفافية للتأثير الأجنبي. يأتي هذا الإجراء في ظل مخاوف متزايدة بشأن محاولات التأثير الخفية على السياسات الداخلية والمؤسسات الحكومية، ويعكس حرص كندا على سد الثغرات أمام تدخلات خارجية محتملة.

سجل الشفافية: أداة رقابية أم سيف على المجتمع المدني؟

تحدد اللوائح الجديدة الالتزامات المطلوبة من الأفراد والشركات والمنظمات غير الربحية والمؤسسات التعليمية عند الدخول في ترتيبات مع أطراف أجنبية بهدف التأثير على السياسة أو الأنشطة الحكومية. ويشمل السجل معلومات واضحة عن الطرف الكندي، والطرف الأجنبي، وطبيعة الاتفاق، والأهداف، وأنواع الأنشطة، ما يمنح الجمهور أداة شفافة لرصد التأثير الأجنبي.

مع ذلك، حذر مراقبون سياسيون وحقوقيون من أن السجل قد يتحول إلى أداة رقابية مفرطة تؤثر على حرية التعاون الدولي المشروع. ففي تصريحات سابقة، قالت جيني كوان، نائب الحزب الديمقراطي الجديد، وفقا لـ ذا هيل تاميز: “من المحير أن كندا لم تُفعّل سجل التأثير الأجنبي بعد، في وقت تحاول فيه إعادة ضبط علاقاتها الدبلوماسية مع الجهات الرئيسية المتهمة بالتدخل.”

كما أكدت منظمات حقوقية كندية أن التسرع في إصدار القانون قد يؤدي إلى انتهاكات للحريات الأساسية، معتبرة أن الإجراءات يجب أن توازن بين حماية الديمقراطية وضمان حرية التعبير والتجمع. ويشير خبراء إلى أن القانون وحده قد لا يواجه التأثيرات الحديثة عبر المنصات الرقمية، التي أصبحت أدوات فعّالة للتأثير على الرأي العام والسياسات الداخلية.

غاري أنانداسانغاري، وزير السلامة العامة الكندي، يقف اليوم في واجهة الجهود الحكومية لإطلاق سجل الشفافية للتأثير الأجنبي، مؤكدًا استقلالية عملية اختيار المفوض دون استشارة قادة الأحزاب الصغيرة، في خطوة تهدف لتعزيز ثقة البرلمان في نزاهة الرقابة على التدخل الأجنبي – الصورة لـ ذا هيـل تايـمز

تفاصيل العقوبات والامتثال: بين الغرامات والإجراءات القضائية

تنص اللوائح على غرامات تتراوح بين 50 دولارًا وحتى مليون دولار، ويكون المفوض المستقل مسؤولاً عن إدارة السجل وتطبيق العقوبات. وتشمل الانتهاكات الإخفاق في تقديم المعلومات خلال 14 يومًا أو تقديم بيانات خاطئة عمدًا، مع إمكانية تخفيف الغرامة عبر اتفاقيات امتثال في حالات محددة. عند تحديد قيمة الغرامة، يُؤخذ في الاعتبار سجل الامتثال السابق، قصد المخالفة، قدرة المخالف على الدفع، ومدى تعاونه بعد تلقي إشعار المخالفة.

رغم صرامة اللوائح، يرى بعض الخبراء أن الغرامات قد لا تكون كافية لردع النفوذ الكبير المدعوم من جهات دولية قوية، خاصة التدخلات المباشرة مثل محاولات المخابرات الأجنبية التأثير على الانتخابات والسياسات دون الإضرار بالحريات المدنية.

أبعاد دولية وتحديات التنفيذ

أكدت الحكومة أن الهدف من السجل هو تقوية مصداقية كندا كشريك موثوق في تعزيز الأمن العالمي وحماية المؤسسات الديمقراطية، وسد الفجوات مقارنة بحلفاء مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا. وتشير التقديرات إلى تسجيل نحو 1,767 جهة سنويًا، مع دخول حوالي 54 جهة جديدة كل عام.

مع ذلك، يواجه القانون تحديًا كبيرًا، إذ يترك تركيزه على الترتيبات الرسمية ثغرات واسعة أمام التأثيرات غير الرسمية عبر المنصات الرقمية، في حين يظل الاعتماد على الغرامات المالية وحدها غير كافٍ لصد أجندات دولية متقدمة.

وتُعد نتائج فترة التعليقات العامة لمدة 30 يومًا مؤشرًا حاسمًا على مدى توافق التشريعات المقترحة مع مصالح المواطنين والمؤسسات، وفاعليتها في الحد من النفوذ الأجنبي غير الشفاف. وخلال هذه المرحلة، وبحسب آراء الخبراء، تخوض كندا مرحلة مفصلية في السياسة الداخلية والقانون والأمن القومي، واختبارًا حقيقيًا لمصداقيتها وشفافيتها على الصعيد الدولي، مع فرص ملموسة لتعزيز سيادتها الديمقراطية وحماية مؤسساتها من أي تدخل خارجي غير معلن.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل