كنـدا الآن

كندَا في عيدها الوطنيّ: سيادةُ القَانُون أَساسُ التَّقدُّم

في مشهد وطني واسع النطاق، امتدت الاحتفالات في كل زاوية من كندا، حيث خرج المواطنون بأعداد هائلة ليعبّروا عن اعتزازهم بوطنهم، في لحظة جماعية تتجلى فيها معاني الانتماء والوفاء… مشاهد عبّرت عنها الصور التي وثّقت هذا اليوم، وستظل تُروى بعدسات التاريخ كدليل على التلاحم بين الدولة ومواطنيها.

في الأول من يوليو، لا يكتفي الكنديون بإحياء ذكرى سنوية، بل يُعيدون التأكيد على مشروع تأسيس سياسي بدأ منذ عام 1867 حين وُقّع قانون أمريكا الشمالية البريطانية، ليعلن ولادة كيان اتحادي يقوم على التفاوض لا الصراع، وعلى المؤسسات لا الفوضى. بيد أن تلك اللحظة لم تكن استقلالاً كاملاً، بل نقطة الانطلاق نحو بناء دولة سيّدة تدرجت بثبات حتى نالت حق تعديل دستورها كاملاً عام 1982. هكذا سارت كندا في طريق شاق، تقدّمت فيه بالإرادة والعمل، وعَبَرت محطات الإصلاح بقوانين صارمة وُضعت في صالح شعبها.

زاو تينت وتشاو سو وين يحتفلان بيوم كندا في ليبرتون فلاتس – الصورة لـ أوتاوا سيتيزن عبر بوستميديا

الاحتفالات التي صادفت الذكرى الـ 158 لتأسيس الدولة هذا العام لم تكن مجرد مراسم بروتوكولية، بل لحظة لإظهار ما راكمته البلاد من ثقة، ورسوخ، واستقرار. في العاصمة أوتاوا، احتشدت الجماهير منذ ساعات الصباح في ساحة ليبرتون فلاتس. عُزفت الأناشيد الرسمية، وألقيت الكلمات التي استحضرت تاريخ هذه الدولة وما صمدت من أجله. في المساء، أُطلقت الألعاب النارية في عرض بصري منضبط رعته جهات وطنية كبرى، في إشارة رمزية إلى أن الدولة تحتفل بتماسكها عبر مؤسساتها، لا عبر مظاهرها فقط.

مشهد ساحر للألعاب النارية تنعكس ألوانها في بحيرة أونتاريو قرب شاطئ أشبريدجز باي في تورونتو، مؤكدة عرض الألعاب النارية في المدينة، والذي أقامته بلدية تورونتو في مختلف المتنزهات والشوارع – الصورة لـ آنفو بوتيت ناسيون

في مدن أخرى كـتورونتو وسارنيا، شارك المواطنون في مسيرات هادئة وفعاليات مجتمعية تعكس الروح العامة ليوم كندا، حيث لا يُحتفى بالترفيه، بل بالمكتسبات، وبالحقوق التي تضمنها دولة القانون. كان الجو مشبعًا بالإحساس بالمشاركة في سردية وطنية عمرها أكثر من قرن ونصف، قائمة على التفاهم السياسي والتدرج في السيادة.

ثمة ما يميّز هذا اليوم عن سواه من المناسبات؛ إذ يتحول من لحظة فرح إلى مساحة تأمل في معنى الدولة. وقد عبّر عدد من المسؤولين عن هذا المعنى في تصريحات ذات بعد استراتيجي. قال وزير الثقافة ستيفن غيلبو: “دعونا نكرّم ما يجعل كندا صامدة: دستورنا، مؤسساتنا، قوانيننا العادلة، ونظامنا القائم على الشفافية والمساءلة”. أما وزير الدفاع، فقال في بيان رسمي إن هذا اليوم ليس مجرد ذكرى، بل تأكيد على الاعتراف بكل من أسهم في صنع هذا الكيان، من الشعوب الأصلية، إلى الجنود، إلى الموظفين المدنيين الذين يصونون هيبة القانون.

ستيفن غيلبو وهو يلقي خطابًا قبل عيد كندا، ما يعكس الدور المؤسسي الواضح للدولة في إيصال رسالة وطنية محكمة مبنية على القوانين والمبادئ الديمقراطية. تستند إطلالته الرسمية إلى تعزيز فكرة أن الاحتفال ليس مجرد طقوس رمزية، بل تأكيد على سيادة المؤسسات وانتظام الدولة – الصورة لـ سي كـوم

وفي وقتٍ تواجه فيه كندا مراجعة صريحة لتاريخها، خصوصًا في علاقتها بالشعوب الأصلية، يُسجَّل أن الاعتراف بالماضي المؤلم لم يُهمَّش. فقد أُقيمت في عدد من المدن فعاليات رمزية بعنوان “احتفل… ولكن لا تنسَ”، في محاولة لموازنة الفخر الوطني مع مسؤولية الدولة في المصالحة التاريخية، بعد عقود من السياسات التي تسببت بأضرار نفسية وثقافية عميقة لمجتمعات الإنويت والأمم الأولى والميتيس.

وفي خضم كل هذه المحطات، لا تزال كندا تؤكد حضورها الدولي من خلال علاقات خارجية متينة، وتحالفات اقتصادية وأمنية تمتد عبر المحيط الأطلسي والهادئ. هذا العمق في السياسة الخارجية لم يُبنَ على المصالح العارضة، بل على احترام الاتفاقات، والعمل المؤسساتي، والتمسك بثوابت دبلوماسية جعلت من كندا شريكًا استراتيجيًا يُحسب له وزنه في كل طاولة تفاوض.

هذا اليوم، بكل رمزيته، لم يكن مجرد مهرجان. بل كان محطة وطنية تُعاد فيها كتابة سردية الدولة: لا صخب فيها، بل تنظيم. لا شعارات، بل ممارسة. دولة تأسست على الإصلاح التدريجي، وصمدت بقوة القانون، وتقدّمت بتراكم الجهد الوطني لا القفزات المفاجئة. إنها قصة دولة تُعيد تعريف قوتها كل عام، بهدوء، وصرامة، وبيدٍ ممدودة نحو المستقبل… ومفتوحة على التاريخ.

‏مارك كارني في أوتاوا للاحتفال بعيد كندا الوطني. خلال خطابه ، قال إنه “فخور بالكنديين” – الصورة لـ راديو كندا عبر ذا كنديان برس

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل