الرُّسوم الجمركيَّة لترامب تُفجِّر أَسعار السيَّارات في الوِلايات المُتَّحدة
أَسعارُ بعضِ السيَّاراتِ تَرتفع بِنِسبة %24 وسط انخفاضٍ في المخزون، وتهديد 45 أَلف وظيفة في قطاعِ التَّصنيعِ
شهدت أسعار السيارات الجديدة في الولايات المتحدة موجة ارتفاعات غير مسبوقة، حيث سجلت زيادة بنسبة 2.5% خلال شهر أبريل الماضي مقارنة بشهر مارس، وذلك عقب فرض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوماً جمركية بنسبة 25% على واردات السيارات وقطع الغيار، لا سيما تلك القادمة من الصين.
وكشف تقرير حديث صادر عن شركة “كيلي بلو بوك” التابعة لشركة “كوكس أوتوموتيف” أن الارتفاع الشهري في الأسعار تجاوز ضعف المعدل المعتاد في السنوات الماضية، الذي كان يبلغ نحو 1.1% خلال نفس الفترة. ووفقاً لتحليل أجرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، فقد أدت هذه الرسوم إلى ارتفاع أسعار السيارات الجديدة بنسبة تراوحت بين 16% لسيارات “فورد” و24% لطرازات “هوندا” الشعبية، ما دفع العديد من المستهلكين إلى اللجوء إلى سوق السيارات المستعملة.

أرقام صادمة في قطاع السيارات والمواطنون تحت وطأة الأسعار الملتهبة
رغم العروض الترويجية والخصومات المقدَّمة من الوكلاء، لم تنجح هذه الجهود في كبح جماح الارتفاع الحاد في الأسعار. فقد تصدرت “فورد” المشهد بزيادة أسعار بعض موديلاتها المُنتَجة في المكسيك، مثل” فورد موستانج ماك-إي”، “فورد برونكو سبورت” و “فورد مافريك”، بما يصل إلى 2000 دولار للسيارة الواحدة.
في المقابل، لجأت شركات مثل “هيونداي” و”ستيلانتيس” إلى تقديم عروض خاصة بهدف طمأنة العملاء والحفاظ على استقرار المبيعات، بينما تجنبت شركات أخرى رفع الأسعار الرسمية بشكل مباشر. يأتي ذلك في وقت تسجل فيه السوق الأمريكية انخفاضًا حادًا في مبيعات السيارات الجديدة بنسبة 13% منذ عام 2022، مقابل ارتفاع في مبيعات السيارات المستعملة بنسبة 22%، وفقًا لرابطة السيارات الأمريكية.
تأثيرات كارثية على سوق السيارات وتهديد بـ 45 ألف وظيفة
لا شك أن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب تشكل تحديًا كبيرًا لصناعة السيارات الأمريكية، إذ تُنذر بعواقب أوسع نطاقًا قد تمس السوق برمتها. ويُحتّم هذا الوضع على الشركات المصنّعة تبني خطط طارئة واستراتيجيات مبتكرة لضمان استدامة نموها، خصوصًا في ظل الحاجة الماسة إلى المرونة والتكيّف مع التغيرات المتسارعة لضمان التنافسية وتحقيق الأرباح على المدى الطويل.

وامتدت تداعيات الرسوم لتشمل الواردات من دول أخرى ككندا والمكسيك، مما دفع الشركات إلى تعديل استراتيجيات التسعير. وقد أدى تهافت المستهلكين على شراء السيارات الجديدة تحسبًا لمزيد من الارتفاع إلى زيادة ملموسة في الإنفاق. ورغم أن بعض المصانع المحلية مثل مصنع “تسلا” في تكساس استفادت من ذلك، حيث ارتفعت طاقته الإنتاجية بنسبة 16%، إلا أن صادرات السيارات الأمريكية تراجعت بنسبة 17% بسبب فرض رسوم انتقامية من دول أخرى، ما يهدد قرابة 45 ألف وظيفة في قطاع التصنيع داخل الولايات المتحدة.
خبراء يحذرون من تداعيات خطيرة
حذّر جيف شوستر، نائب رئيس أبحاث السيارات العالمية في شركة “جلوبالداتا”، من أن التكاليف الإضافية الناتجة عن الرسوم الجمركية لن تتحملها الشركات المصنعة، بل ستُنقل بالكامل إلى المستهلكين. وهذا قد يؤدي إلى تراجع في الطلب على السيارات، والتي تُعد ثاني أكبر عملية شراء للأسرة الأمريكية بعد السكن. ورغم أن السوق الأمريكي شهد مبيعات بملايين الوحدات خلال عام 2024، إلا أن استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع المخزون إلى أقل من 2.6 مليون سيارة يُنذر بانخفاض في حجم المبيعات مستقبلاً.
الحلم الأمريكي بسيارة جديدة يتبخر… ولا بديل عن “المستعمل“
لم يَسلَم سوق السيارات المستعملة من الموجة التصاعدية، إذ سجّل مؤشر “مانهايم” ارتفاعاً بنسبة 4.9% في أبريل على أساس سنوي، و2.7% مقارنة بشهر مارس، وفقاً لبيانات “كوكس أوتوموتيف”. ويجد المستهلكون أنفسهم أمام خيارين صعبين: شراء سيارة جديدة بأسعار قد تصل إلى 50 ألف دولار، أو الاتجاه نحو سوق السيارات المستعملة التي تعاني من تضخم غير مسبوق.
شركات السيارات تحت وطأة التكاليف الباهظة
في خضم الحرب التجارية، لم تشمل الرسوم الجمركية واردات السيارات فحسب، بل طالت أيضًا قطع الغيار، بزعم دعم الصناعة المحلية. غير أن التقارير الحديثة تكشف عن نتائج عكسية، حيث باتت شركات التصنيع تتأرجح بين الصمود والانهيار، وأُجبرت الأسر على تأجيل أحلامها باقتناء سيارة جديدة.
تُظهر الأرقام تفاوتًا واضحًا في تأثير الرسوم بين الشركات:
“سوبارو”: 37% زيادة في تكاليف الاستيراد، “جنرال موتورز”: 35%، “فورد”: 33%، و”هوندا”: 28%
وتعكس هذه النسب الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج، خاصةً لدى الشركات التي تعتمد على مكونات مستوردة كالبطاريات والإلكترونيات.
تداعيات طويلة المدى وأفق غامض لسوق السيارات
أثّرت الرسوم الجمركية الأمريكية بشكل مباشر على السوق المحلي، حيث ارتفعت أسعار السيارات المستوردة والمحلية بنسب تراوحت بين 10% و15% مع دخول الرسوم حيز التنفيذ. وبينما كانت هذه الرسوم تهدف إلى حماية الصناعة المحلية، فإن آثارها امتدت لتُثقل كاهل المستهلكين، لا سيما الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل.
هذا الوضع دفع جمعيات المستهلكين إلى مطالبة الحكومة بمراجعة السياسات الجمركية، في حين تطالب الشركات الكبرى بتدخل حكومي لتعويض خسائرها. ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحقيق توازن بين دعم الصناعة المحلية والحفاظ على القدرة الشرائية للأمريكيين؟
قد تكون إجابة هذا السؤال حاسمة في تحديد مصير سوق تُقدَّر قيمته بـ1.5 تريليون دولار، وتؤثر بشكل مباشر في حياة ملايين الأمريكيين.




