اتّصالاتُ واشنطن مع انفصاليّي مقاطعة ألبرتا تفجّر أزمة سيادة بين كندا والولايات المتّحدة
في تصعيد غير مألوف للعلاقات مع الولايات المتحدة، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الخميس، أن كندا تتوقع من الإدارة الأمريكية احترام سيادتها بالكامل، وذلك بعد تسريبات كشفت أن مسؤولين مرتبطين بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التقاهم قادة انفصاليون من مقاطعة ألبرتا في سلسلة اجتماعات جرت “بشكل سري” خلال هذا الأسبوع.
خبراء سياسيون كنديون يرون أن هذه التطورات تتجاوز مجرد الجدل حول الانفصال في ألبرتا، لتصل إلى مستوى يقترب من تجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية بين دولتين شقيقتين. وتضع هذه التطورات وحدة الدولة الكندية وسيادتها في قلب النقاش السياسي الوطني، وسط انقسامات داخلية حول الطريقة الأمثل للتعامل مع الاتصالات الأمريكية المثيرة للجدل، والتي رفضها سياسيون كنديون معتبرين أنها تتجاوز المسار الرسمي المعتمد في إدارة العلاقات الخارجية.

تسريب الاجتماعات يعيد الخلاف إلى الصدارة
بدءًا من أبريل 2025، أفادت مصادر بأن قيادات من حركة “مشروع ازدهار ألبرتا”، وهي حركة تعمل على جمع توقيعات لإجراء استفتاء حول انفصال المقاطعة عن كندا، عقدت ثلاث اجتماعات سرية على الأقل مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن.
وذكرت المصادر نفسها أن الاجتماعات تناولت إمكانية مناقشة طلب تسهيل ائتماني بقيمة 500 مليار دولار لدعم المقاطعة في حال نجاح الاستفتاء، وهو رقم هائل يثير تساؤلات حول تأثير مثل هذه الاتصالات على السياسات المالية والاقتصادية داخل كندا.
أحد ممثلي المشروع صرح بأن الولايات المتحدة “متفائلة جدًا بألبرتا الحرة والمستقلة”، وأن العلاقة التي تربطهم ببعض مسؤولي الإدارة الأمريكية “أقوى من العلاقات الطبيعية بين أوتاوا وواشنطن”.
ردًا على ذلك، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن الوزارة “تلتقي بانتظام بممثلين عن المجتمع المدني”، موضحًا أن الاجتماعات كانت “روتينية” ولم تتضمن أي التزامات أو دعم رسمي.
كما صرح سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، بأن ألبرتا تُعد “شريكًا طبيعيًا للولايات المتحدة” نظرًا لثرواتها ونفوذها الاقتصادي، وهو ما أعاد إشعال الجدل حول دور واشنطن في هذا الملف.

أوتاوا وحلفاؤها يردّون: خط أحمر على التدخل الخارجي
جاء رد الحكومة الفيدرالية الكندية سريعًا وحاسمًا. في مؤتمر صحفي، قال مارك كارني إنه يتوقع من الإدارة الأمريكية احترام السيادة الكندية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مؤكدًا أن الرئيس ترامب لم يطرح مسألة انفصال ألبرتا في أي من محادثاته المباشرة معه.
وأشار كارني إلى أن التطورات الأخيرة تتجاوز نقاشًا إقليميًا داخليًا، وأن طلب أي قوة أجنبية التدخل في مسألة وحدة الدولة هو أمر “لا يُقبل بأي حال من الأحوال”.
على مستوى المقاطعات، كانت المواقف أكثر حدة. وصف ديفيد إيبي، رئيس وزراء بريتيش كولومبيا، الاتصالات التي جرت بأنها “خيانة”، مضيفًا: “أن تذهب إلى دولة أجنبية وتطلب المساعدة في تفكيك كندا… هذا ما يُسمّى الخيانة”.
وأكد إيبي أن هذه الاتصالات “غير مناسبة وتمسّ جوهر السيادة الكندية”، مشددًا على أن نقاش القضايا الوطنية يجب أن يبقى ضمن الإطار الرسمي دون تدخل خارجي.
كما وصف دوغ فورد، رئيس وزراء أونتاريو، ما حدث بأنه “غير مقبول وغير أخلاقي”، مؤكدًا أن “كندا دولة واحدة” وأن أي جهات خارجية لا ينبغي لها الالتفاف حول حكومة أوتاوا للتفاوض بشأن وحدة الدولة.
من جهتها، أعربت سوزان هولت، رئيسة وزراء نيو برونزويك، عن تفاؤلها بأن غالبية سكان ألبرتا سيختارون البقاء جزءًا من كندا، معتبرة أن ما تقوم به الحركة الانفصالية لا يمثل رأي الأغلبية في المقاطعة.

تطور داخلي: الاستفتاء والتحرك الشعبي
تشهد المقاطعة جهودًا حقيقية لجمع توقيعات على عريضة تطالب بإجراء استفتاء شعبي حول الانفصال عن كندا. وقد أكدت مصادر محلية أن الحملة تستهدف جمع نحو 178,000 توقيع بحلول مايو 2026، وهو العدد الذي قد يمهّد لإجراء الاستفتاء إذا تحقق.
الحملة ليست جديدة، لكنها اكتسبت زخمًا مع تزايد الاستياء من سياسات الحكومة الفيدرالية، التي يرى بعض سكان المقاطعة أنها ضرّت باقتصاد ألبرتا وحقوقها الضريبية، خصوصًا في قطاع النفط والغاز.
مع ذلك، يظل الاستفتاء موضوعًا للجدل الدستوري والقانوني، إذ يشير خبراء إلى أن الانفصال لا يمكن أن يتم عبر استفتاء محلي وحده، بل يتطلب مفاوضات واسعة مع الحكومة الفيدرالية وتعديلات دستورية تشمل حقوق الأقليات والمصالح الوطنية.
وفي هذا السياق، اعتبر مراقبون تصريحات سكوت بيسنت تشجيعًا ضمنيًا لفكرة السيادة لدى بعض السكان، وهو ما قد يشكل مؤشرًا على انحياز الحديث الأمريكي في هذا الصراع.
تصاعد التوتر في العلاقات الكندية – الأمريكية
الخلاف حول ألبرتا لا ينفصل عن سياق أوسع من التوترات بين كندا والولايات المتحدة في الأشهر الماضية، والتي شملت نزاعات تجارية، اختلافات حول اتفاقيات التجارة، وتعليقات أمريكية مثيرة للجدل بشأن وضع كندا في المنطقة.
التوترات التجارية المتبادلة، بما في ذلك الرسوم والقيود على الصادرات، وضعت العلاقة بين أوتاوا وواشنطن تحت ضغط كبير، وعكست خلافات هيكلية في السياسات الاقتصادية لكلا البلدين.
وفي هذا الإطار، أثارت تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين حول دور ألبرتا كموقع “استراتيجي حيوي” وشريك طبيعي للحلفاء الخارجيين مخاوف في أوتاوا من أن تستخدم واشنطن قضية الانفصال كأداة ضغط سياسي على كندا، بما يتجاوز الصداقة التقليدية بين الجارين.

الانقسامات الداخلية في كندا حول الخطاب الانفصالي
على الرغم من الجدل الدائر، لم تتحول دعوات الاستفتاء في ألبرتا إلى موقف ديمقراطي جامع داخل المقاطعة أو على مستوى كندا. بحسب استطلاعات رأي مستقلة، يظل دعم فكرة الانفصال محدودًا، وترى الشريحة الأوسع داخل المقاطعة هذه الدعوات كوسيلة ضغط سياسي ضمن الإطار الوطني، بدلًا من مشروع انفصال حقيقي.
وأشارت بعض التحليلات إلى أن الحركة الانفصالية تستفيد من الغضب الاقتصادي والإحباط من السياسات الفيدرالية، لكنها لم تُظهر قدرة على جمع دعم شعبي كافٍ لتحويل مسار سياسي فعلي نحو الانفصال.
أزمة وحدة أم تحدّ سياسي؟
التطورات الأخيرة أظهرت أن ما كان يُنظر إليه كحركة هامشية في مقاطعة محددة تحوّل إلى قضية سيادية وطنية على مستوى العلاقات بين كندا والولايات المتحدة، مع تركيز الحكومة الكندية على أن احترام السيادة ليس موضوعًا يمكن تجاوزه أو التهاون فيه.
هناك إجماع سياسي في أوتاوا على رفض أي تدخل خارجي في المسارات الدستورية الكندية، بينما تستمر الأصوات داخل ألبرتا في الترويج لفكرة الانفصال أو الاستفتاء المحتمل في خريف 2026.
يطرح مراقبون تساؤلات حول ما إذا كانت كندا ستنجح في احتواء هذا التوتر واستعادة تركيز النقاش نحو الداخل وعلى أساس دستورها، أم أن الخلاف مع الولايات المتحدة حول انفصال ألبرتا سيتحول إلى أزمة طويلة الأمد في العلاقات الثنائية.
الإجابة قد تتضح خلال الأسابيع والأشهر القادمة، فيما يراقب العالم عن كثب تحولات سياسية قد تشكّل محطة مفصلية في تاريخ الجارين الكندي – الأمريكي.




