هيمنةٌ متصدّعةٌ: فرنسا تتشبَّثُ بِما تبقَّى من نُفُوذها في إِفريقيا
7 دُوَلٍ أفرِيقيَّة تقطعُ الحبل الأخير: طرد القوَّات الفرنسيَّة من أراضيها، تأْمِيمُ مناجم الذَّهب واليُورانيوم، وكسر قيد اللّغة، والإِعلامُ الفرنسيُّ يقرُّ بانهِيار سيطرة باريس في القارَّة
لم تعد فرنسا في إفريقيا سوى ظلٍّ من هيمنة استعمارية بائدة تتآكل مع كل قرار إفريقي جديد يقضي بطردها، في تحوّل غير مسبوق يشبه انهيار إمبراطورية لم تستفق بعد من سُكر جبروتها. سبع دول أفريقية، بينها مالي، النيجر، بوركينا فاسو، تشاد، السنغال، ساحل العاج، وجمهورية إفريقيا الوسطى، أنهت علاقاتها العسكرية والأمنية مع باريس، التي تحولت من كونها “الجار” لمصير الشعوب إلى “المجروح” المطرود خارج حدود القارة، بعدما لفظتها إفريقيا التي ظنتها “حديقتها الخلفية”. مع تصاعد موجات الوعي السياسي والشعبي، والانقلابات المناهضة للنفوذ الفرنسي، والتغييرات الانتخابية التي زعزعت استقرار النظام الغربي، أصبحت فرنسا من وجهة نظر شعوب كثيرة “علّة إفريقيا” لا شريكها، ورجل أوروبا المريض لا قاطرتها السياسية.
بدأ الانفصال العلني عام 2020 مع الانقلاب العسكري في مالي، حيث شرعت الحكومة الجديدة في تفكيك الهيمنة الفرنسية تدريجيًا بطرد القوات الفرنسية، وإلغاء الاتفاقيات العسكرية، وتأميم مناجم الذهب، وفرض ضرائب على شركات الطاقة الفرنسية التي كانت معفاة لعقود. تلقت النيجر العدوى سريعًا، تلتها بوركينا فاسو، ثم تشاد والسنغال وساحل العاج. ففي خطاب رأس السنة 2025، أعلن الرئيس الإيفواري الحسن وتارا طرد آخر جندي فرنسي واستعادة القواعد العسكرية وتأميمها لصالح بلاده. أما السنغال، التي تحكمها الإدارة الجديدة برئاسة باشير ديوماي فاي، فقد أنهت في ديسمبر 2024 ثلاثة قرون من الوجود الفرنسي على أراضيها، معلنة فتح صفحة من السيادة التامة.

وفي تشاد، وصف الرئيس محمد إدريس ديبي الاتفاقية العسكرية مع باريس بأنها “عفا عليها الزمن” ولا تعكس احتياجات بلاده الأمنية، مشيرًا إلى أن تشاد ستبني جيشًا وطنيًا يعتمد على قدراته الذاتية، وفق تصريح نقلته وكالة رويترز في ديسمبر 2024. أما النيجر، فقد تأممت منجم “إيمورارين”، أحد أكبر مناجم اليورانيوم في العالم، وسحبت رخصة الاستغلال من شركة “أورانو” الفرنسية، ما اعتُبر ضربة اقتصادية موجعة لمصالح باريس الحيوية. مالي بدورها أبرمت في 2024 اتفاقًا مع شركة كندية لتطوير منجم “فيكولا”، فيما ارتفع إنتاج البلاد من الذهب إلى 72.2 طنًا، ليشكل 25% من ميزانيتها الوطنية، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية. أما بوركينا فاسو، فقد قررت تعليق تصدير الذهب إلى فرنسا، وتأميم عدة مناجم، وشرعت في إنشاء أول مصفاة وطنية للذهب، في خطوة فُسرت بأنها إعلان سيادة اقتصادية واضحة.
أما الجزائر، التي لطالما كانت لاعبًا إقليميًا مهمًا وأحد أكبر منتجي الغاز في القارة، فقد عززت موقفها المناهض للنفوذ الفرنسي بتصريحات حادة من كبار المسؤولين، وسط توتر دبلوماسي تصاعد في 2025 بعد طردها 15 دبلوماسيًا فرنسيًا على خلفية اتهامات بمحاولات التجسس والتدخل في شؤونها الداخلية. وأكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في عدة تصريحات أن “الاستعمار الفرنسي لا يزال يحمل سمومه، وأن الجزائر لن تسمح لأي طرف بالتدخل في سيادتها”، معتبرًا أن “الخلاف مع فرنسا يعكس تاريخًا من الألم والمقاومة”. وشدد على أن أي حوار مع باريس يجب أن يكون مباشرًا وباحترام تام للسيادة الجزائرية، بحسب وكالة الأنباء الجزائرية.

اقتصاديًا، تقلصت الجزائر بشكل واضح من اعتمادها على فرنسا، فقد تراجع استيراد القمح الفرنسي من 5.4 ملايين طن عام 2018 إلى 608 آلاف طن نهاية 2023، مع توقعات بوصوله إلى الصفر بنهاية 2025، وفق ما نشرته صحيفة “لوبيسيون” الفرنسية. كما أعلنت الجزائر عن توجهات لتعزيز صناعاتها الوطنية وتقليل الواردات المرتبطة بباريس، في مسعى لدعم استقلالها الاقتصادي، مما يعكس رغبة واضحة في قطع شوط أعمق بعيدًا عن النفوذ الفرنسي القديم.
بعد الطرد المتتابع لقواتها من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، لم تغادر فرنسا بهدوء، بل تركت فراغًا أمنيًا وتصدعات اجتماعية تنذر بالانفجار، خاصة في شمال مالي ومنطقة أزواد. تزامن انسحابها المفاجئ وغير المنسق مع عودة التوترات بين الحركات الأزوادية والحكومة المركزية، وعرقلة غير معلنة لمسار اتفاق الجزائر للسلام الذي كانت تدعمه بقوة، في محاولة للحفاظ على وحدة مالي واستقرار المنطقة. الجزائر، التي لعبت دور الوسيط النزيه والضامن السياسي لاتفاق السلام، تمسكت بخيار الحوار والمصالحة، في مقابل تحركات فرنسية وصفها مراقبون بـ”الاستخباراتية” و”العبثية”، غذّت الفوضى والانقسامات، وسط مؤشرات على دعم غير مباشر لفصائل انفصالية والتلاعب بالتوازنات المحلية الحساسة. تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي هاجم فيها الأنظمة الجديدة واصفًا إياها بـ”الإنكار” و”قلة الامتنان”، تكشف عن نبرة استعلائية تخفي خيبة أمل جيوسياسية.

في المقابل، دخلت قوات “فاغنر” الروسية على الخط بطلب من بعض العواصم الإفريقية، ما فتح بابًا جديدًا للتنافس الدولي في منطقة كانت تُعتبر “حديقة فرنسا الخلفية”. وبينما تواصل الجزائر جهودها للحفاظ على تماسك اتفاق السلام رغم الضغوط والتعقيدات، يبدو أن فرنسا قررت ألا تغادر كليًا، بل تعود من بوابة الفوضى. في خضم هذا الانحدار، أطلق ماكرون تصريحات مثيرة خلال مؤتمر السفراء في يناير 2025، معبرًا عن خيبة أمله من قادة إفريقيا: “كنا على حق عندما تدخلنا عسكريًا في الساحل منذ 2013، لكنهم نسوا أن يقولوا شكراً”، مضيفًا بسخرية: “لا بأس، سيأتي الوقت لذلك”، بحسب قناة “فرانس 24”. أثار هذا الخطاب حفيظة قادة أفارقة، مثل الرئيس الانتقالي في بوركينا فاسو إبراهيم تراوري، الذي رد علنًا بأن “فرنسا لم تكن يومًا جزءًا من الحل، بل كانت أصل المشكلة”. أما عثمان سونكو في السنغال، فقال في مقابلة مع قناة “آر تي إس”: “لا يمكن لدولة تحترف الاستعلاء أن تدّعي حماية أمننا وهي التي ساهمت في تفكيك ليبيا وصناعة الفوضى في الساحل”.
نقلت صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية في ديسمبر 2024 اعترافات نادرة لمسؤولين عسكريين فرنسيين، من بينهم قائد قوة “سيرفال” في مالي، الذي قال: “الجيش الأجنبي دائمًا ما يتحول في نظر الشعوب إلى جيش احتلال”. وأشار التقرير إلى أن قادة باماكو، وخاصة العقيد أسيمي غويتا، شعروا بالإهانة عندما استدعاهم ماكرون إلى قمة طارئة عام 2019 لمناقشة مستقبل عملية “برخان”، قائلاً لهم بلغة فوقية: “وضحوا هل تريدون وجودنا؟”، وهي اللحظة التي اعتبرها كثيرون بداية النهاية.

خلص تقرير معهد “أبعاد” للدراسات الاستراتيجية في إسطنبول إلى تسع أخطاء ارتكبتها باريس، منها التبعية السياسية عبر أنظمة موالية، الفشل الأمني، الهيمنة الاقتصادية المجحفة، سوء الإدارة داخل الأنظمة المدعومة فرنسيًا، فرض قيم ثقافية مرفوضة، انتشار وعي سيادي جماعي، دخول منافسين جدد كروسيا والصين وتركيا، تأثير عدوى القطيعة، والحضور الإعلامي المضاد للنفوذ الفرنسي بدعم روسي وقطري وتركي. ربطت صحيفة “لوبينيون” ما يجري بـ”الفشل المركب” في فهم التحولات السياسية في المجتمعات الإفريقية، معتبرة أن باريس أغمضت عينيها عن موجة الانقلابات القادمة. وفق تقارير من موقع “بيزنس إنسايدر”، ما زالت فرنسا تطبع عملة 14 دولة إفريقية، وهو ما يعتبره محللون مظاهر استغلال اقتصادي، في انتظار كسر هذا القيد الأخير.
فرنسا، التي خسرت نحو 70% من تواجدها العسكري في إفريقيا، ولم يبق لها سوى حوالي 1500 جندي في قاعدة جيبوتي، أصبحت في نظر معظم الأفارقة عبئًا غير مرغوب فيه. رغم تراجع نفوذها العسكري، لم يتحقق الاستقلال الكامل، ولا استُعيدت السيادة الثقافية في منطقة الساحل وشمال وغرب إفريقيا، حيث لا تزال فرنسا تفرض هيمنتها الثقافية عبر لغة استعمارية تجهل أجيالًا كاملة وتقيد حرياتها الفكرية. تسعى الجزائر، على سبيل المثال، ودول أخرى في هذه المناطق إلى التحرر من هذا القيد اللغوي، بالتحول إلى اللغة العربية واستخدامها في الخطابات والمراسلات الرسمية للحكومة، بالإضافة إلى تعزيز اللغة الإنجليزية، في محاولة جادة لاستعادة السيادة الثقافية والسياسية. ومع أهمية هذه الخطوات، فإنها تواجه عقبات جسيمة ناشئة من إرث استعماري عميق الجذور، متغلغل في منظومة التعليم والهوية الوطنية. فرنسا لم تغادر المشهد الثقافي بعد، بل تواصل استغلال اللغة كسلاح فعال للحفاظ على تبعيتها، وهو دليل قاطع على أن الاستعمار لا يموت بسهولة، بل يتجدد بأوجه أكثر تعقيدًا وصعوبة.





