المركز الكندي - العربي للدراسات

كندا والعالم العربي: مصالح متداخلة ودور الجاليات بين شراكة استراتيجية محتملة وتفاعل غير مكتمل

لطالما شغلت العلاقات بين كندا والعالم العربي حيّزًا هامشيًا في النقاشات العامة، سواء داخل كندا أو في الفضاء العربي، رغم امتدادها التاريخي وتعدّد أبعادها السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية. فعلى عكس العلاقات الكندية – الأمريكية أو الكندية – الأوروبية، نادرًا ما تُستحضر الروابط الكندية – العربية بوصفها علاقات استراتيجية، وغالبًا ما تُختزل في ملفات متفرقة: الهجرة، أو سياسات الشرق الأوسط، أو مواقف كندا من النزاعات الإقليمية. غير أن هذا الاختزال يُغفل حقيقة أساسية مفادها أن العلاقة بين الطرفين ليست طارئة ولا سطحية، بل هي نتاج تفاعل تاريخي طويل تشكّل عبر موجات هجرة، وشبكات اقتصادية، وتحولات سياسية داخل كندا وخارجها.

ينقسم النقاش العام في كندا حول الشرق الأوسط، والعالم العربي تحديدًا، إلى رؤيتين متقابلتين ظاهريًا، لكنهـما تلتقيان في محدودية التحليل. فمن جهة، يروّج بعض الفاعلين السياسيين والمحللين، خاصة في التيارات الليبرالية والتقدمية، لصورة كندا بوصفها “قوة أخلاقية” أو “وسيطًا نزيهًا” في النزاعات الدولية، مستندين إلى خطاب القيم، وحقوق الإنسان، والتعددية. ومن جهة أخرى، يدافع التيار المحافظ عن سياسة خارجية “قائمة على المبادئ”، غير أن تطبيق هذه المبادئ غالبًا ما يتسم بالانتقائية والبراغماتية، خصوصًا عندما تتقاطع المصالح الاقتصادية أو التحالفات الدولية مع الخطاب القيمي. في الحالتين، يظل العالم العربي حاضرًا بوصفه مسرحًا للأزمات أكثر من كونه فضاءً لعلاقات متبادلة ومتعددة المستويات. غير أن فهم العلاقات الكندية – العربية لا يكتمل من خلال السياسة الخارجية وحدها، بل يقتضي النظر أيضًا إلى الداخل الكندي، حيث تشكّل الجاليات العربية عنصرًا فاعلًا ومتناميًا في النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فالهجرة العربية إلى كندا، التي بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن مجرد حركة انتقال سكاني، بل ساهمت في إعادة تشكيل المجتمع الكندي نفسه، من خلال العمل التجاري، وبناء المؤسسات، والانخراط في الحياة العامة. ومع تعاقب موجات الهجرة من الموجة الأولى ذات الغالبية المسيحية القادمة من بلاد الشام، إلى موجات ما بعد ستينيات القرن العشرين التي شملت مختلف أنحاء العالم العربي تنوّعت الخلفيات الدينية والثقافية والاجتماعية للكنديين العرب، ما جعلهم جماعة غير متجانسة، لكنها متجذّرة بعمق في الواقع الكندي المعاصر.

تكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية في ضوء التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة. فالعالم العربي، رغم ما يمر به من أزمات وصراعات، لا يزال يحتل موقعًا محوريًا في الاقتصاد السياسي العالمي، سواء من حيث الطاقة، أو الأمن الإقليمي، أو الهجرة واللجوء. وفي المقابل، تتمتع كندا بهامش واسع من المناورة في سياساتها تجاه المنطقة، نظرًا لغياب تهديدات أمنية مباشرة لأراضيها، وهو ما يتيح لها نظريًا على الأقل تبنّي سياسات أكثر استقلالية وتوازنًا. غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا: إلى أي مدى استطاعت كندا تحويل هذا الهامش إلى سياسة فاعلة تجاه الدول العربية، تتجاوز ردود الفعل الظرفية أو الاعتبارات الداخلية الضيقة؟ من هنا، يسعى هذا المقال إلى تفكيك العلاقات التاريخية بين كندا والعالم العربي، ليس فقط من زاوية الدبلوماسية الرسمية، بل من خلال تتبّع تداخل الهجرة، والاقتصاد، والتنظيم الاجتماعي، والمشاركة السياسية للكنديين العرب. كما يطرح المقال تساؤلًا مركزيًا حول مستوى تطوّر هذه العلاقات: هل نحن أمام علاقة ناضجة قائمة على المصالح المتبادلة، أم أمام تفاعل غير مكتمل تحكمه الصور النمطية، والاعتبارات الظرفية، وتوازنات السياسة الدولية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تفتح المجال لفهم أعمق لدور كندا في الشرق الأوسط، ولمكانة العرب داخل المجتمع الكندي، في لحظة تتزايد فيها أهمية الهويات العابرة للحدود، وتتقاطع فيها السياسات الخارجية مع الديناميات الداخلية بشكل غير مسبوق.

تتسم العلاقات الكندية العربية بتعدد جوانبها، إذ تركز على الروابط الاقتصادية (لا سيما الطاقة والتجارة مع دول الخليج كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ومؤخر ا قطر)، والتعاون الأمني (مكافحة الإرهاب وحفظ السلام)، والجهود الدبلوماسية المعقدة التي توازن بين الاستقرار الإقليمي وحقوق الإنسان، والتي تزداد أهميتها نظرًا لوجود جالية عربية كبيرة في كندا وتطور السياسة الخارجية السعودية تجاه الاستثمار. وتشمل الجوانب الرئيسية شراكات قوية في الخليج، والمشاركة في إعادة إعمار العراق وسوريا، وإدارة قضايا حساسة كالصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال المساعدات والجهود الدبلوماسية. على مدار تاريخها الممتد لما يقارب 50 عامًا مع الدول العربية، نظرت كندا إلى المنطقة كسوق محتملة، لا أكثر. وقد أضافت الأحداث والأزمات الإقليمية على مر السنين أبعادًا سياسية وأمنية إلى علاقات كندا الإقليمية، وساهمت في تنويع علاقات كندا مع الدول العربية. لكن إضافة هذه العناصر الجديدة إلى علاقات كندا مع الدول العربية عكست إلى حد كبير قوة دعم كندا للمبادرات متعددة الأطراف التي دفعتها، وليس أي إعادة ترتيب لأولويات كندا في الدول العربية. وظلت التجارة المحرك الرئيسي، حيث كانت المملكة العربية السعودية هي الهدف والشريك الإقليمي الرئيسي لكندا. وقد أدى تركيز حكومة هاربر على الشرق الأوسط عمومًا إلى انخراط أعمق وأكثر تنوعًا وشمولًا مع الخليج. إلا أن هذا النهج تجاه المنطقة لم يدم طويلًا. إن التزام حكومة ترودو بسياسة خارجية قائمة على القيم، إلى جانب بروز السعودية كقضية حساسة سياسيًا في كندا، أدى إلى تقليص واسع النطاق وإعادة توجيه تركيز كندا الإقليمي بشكل أكثر حدة بعيدًا عن السعودية.

وأعتقد أن في المستقبل، سيستمر موقف كندا في الخليج بالتطور. هناك تحديات أمنية ناشئة، تركز بشكل أساسي في فترة ما بعد عام 2023 مع انفجار أزمات متتالية في المنطقة مثل الهجمات الهمجية التي تقوم بها الكيان الصهيوني على كثير من دول المنطقة كما الحال في فلسطين، إيران، لبنان، قطر، لبنان، وغيرها. ولكن من غير المرجح أن يُولد ذلك النوع من الإجماع الدولي الواسع الذي أثار الانخراط السياسي والعسكري الكندي في الماضي. على الرغم من تقلص حجم الاقتصاد، ستظل التجارة هي الأولوية الأساسية. ولكن سيكون هناك حاجة إلى التزام أكبر بالانخراط السياسي المستدام في بيئة تنافسية متزايدة لكي تتمكن كندا من تحقيق حتى أهدافها الإقليمية المحدودة. بالنسبة لدولة كانت لا تزال تُرسّخ وجودها الدولي وتُوطّد شبكتها الدبلوماسية في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، فليس من المستغرب أن منطقة الخليج الهادئة والمسالمة والمتأخرة نسبيًا في بعض المجالات لم تحظَ باهتمام يُذكر من جانب كندا في نظرتها الخارجية. بالنسبة لكندا، كان الشرق الأوسط يعني بلاد العرب، وكان الصراع العربي الإسرائيلي هو المحرك الرئيسي.

الاقــتصاد

جاء انخراط كندا في منطقة الخليج العربي في سياق إعادة توجيه سياستها الخارجية عقب المراجعة الشاملة التي أجرتها حكومة بيير ترودو المنتخبة حديثًا بين عامي 1968 و1970. فعلى الرغم من أن الكتاب الأبيض الصادر عن هذه المراجعة، والمعنون “السياسة الخارجية للكنديين”، لم يمنح الشرق الأوسط سوى حيز محدود، ولم يتناول منطقة الخليج العربي بشكل مباشر، إلا أنه أسّس لتحول بنيوي في السياسة الخارجية الكندية من خلال جعل تعزيز النمو الاقتصادي وتوسيع آفاق التجارة الدولية هدفًا محوريًا. وقد تعزز هذا التوجه بوضوح مع إعلان سياسة “الخيار الثالث” عام 1972، التي أكدت ضرورة تنويع الشركاء التجاريين من أجل الحد من الاعتماد الهيكلي على السوق الأميركية. في هذا الإطار، برز الشرق الأوسط، ولا سيما دول الخليج، بوصفه فضاءً واعدًا لتحقيق أهداف النمو والتنويع الاقتصاديين. فقد شهدت الصادرات الكندية إلى العالم العربي نموًا استثنائيًا في مطلع السبعينيات، إذ تضاعفت قيمتها نحو عشر مرات خلال فترة وجيزة، من 24 مليون دولار أميركي عام 1970 إلى أكثر من 240 مليون دولار عام 1973، بالتوازي مع ارتفاع ملحوظ في حجم الواردات. وشجّعت هذه الدينامية الاقتصادية زيارات متكررة قام بها مسؤولون حكوميون ورجال أعمال كنديون إلى المنطقة، من بينهم وزير المالية آنذاك جون تيرنر، الذين لفتوا الانتباه إلى الفرص الاقتصادية التي لم تكن كندا تستثمر فيها على النحو الكافي. وقد ازدادت أهمية الخليج العربي في الحسابات الكندية بصورة جلية مع اندلاع حرب أكتوبر عام 1973 وفرض منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) حظرًا نفطيًا استهدف عددًا من الدول الداعمة لإسرائيل، من بينها كندا، وذلك بضغط من مصر وموافقة متحفظة من المملكة العربية السعودية. مثّل هذا الحظر في آنٍ واحد مصدر تهديد وفرصة استراتيجية طويلة الأمد لكندا، خاصة وأنها كانت تعتمد على النفط السعودي لتلبية نحو 10% من احتياجاتها، في حين كان النفط العربي عمومًا يشكّل ما يقارب ربع الإمدادات النفطية الكندية، الأمر الذي جعل التأثير المحتمل للحظر ذا أبعاد اقتصادية وسياسية ملموسة.

حجم التبادل التجاري بين كندا والدول العربية يتزايد، مع تركيز خاص على دول الخليج، حيث بلغ إجمالي التجارة بين كندا ودول مجلس التعاون الخليجي 8.5 مليار دولار في عام 2023، مع هيمنة الإمارات والسعودية كشركاء رئيسيين، على الرغم من وجود أرقام متفاوتة لشركاء آخرين مثل قطر والكويت، وفقًا للبيانات الحديثة الصادرة عن المركز الإحصائي لمجلس التعاون الخليجي. يمثل هذه الأرقام انخفاضًا بنسبة 14.1% في التجارة في عام 2023 مقارنة بإجمالي عام 2022 البالغ 9.9 مليار دولار. وهناك أهداف طموحة لزيادة التبادل، مثل هدف 2 مليار دولار بين مصر وكندا في عام 2026.

أي دور تلعبه الجاليات العربية في توطيد العلاقات؟

في إطار الدبلوماسية الشعبية، تُعدّ الجاليات العربية أحد أهم الفاعلين غير الحكوميين في تحسين صورة كندا وتعزيز حضورها في المنطقة العربية. فالمبادرات الثقافية، والروابط الأكاديمية، ومنظمات المجتمع المدني التي تقودها الجاليات، تُسهم في بناء الثقة وتعميق الفهم المتبادل، وهو عنصر أساسي في سياسة كندا الخارجية التي تؤكد تقليديًا على التعددية، وحقوق الإنسان، وبناء السلام. وفي المقابل، تؤدي الجاليات دورًا مكمّلًا داخل كندا من خلال نقل قضايا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الفضاء العام الكندي، والمساهمة في صياغة النقاشات المتعلقة بالمساعدات التنموية، واستقبال اللاجئين، وتسوية النزاعات. ويظهر هذا بوضوح في تفاعل الجاليات العربية مع سياسات كندا تجاه فلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، حيث تتقاطع الدبلوماسية الشعبية مع آليات الضغط السياسي المشروع (advocacy) داخل النظام الديمقراطي الكندي.

وفق مقاربة القوة الناعمة، لا تعتمد كندا في علاقتها مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على النفوذ العسكري أو الإكراه، بل على الجاذبية المعيارية والثقافية، مثل نموذج التعددية الثقافية، وسياسات الهجرة الإنسانية، ودورها في الوساطة وحفظ السلام. وتُعدّ الجاليات العربية أحد روافد هذه القوة الناعمة، إذ تُجسّد عمليًا نجاح النموذج الكندي في استيعاب التنوع، وتُعيد تصدير هذا النموذج إلى بلدان المنشأ من خلال شبكاتها العابرة للحدود. كما تُسهم الجاليات في تعزيز المصداقية الكندية في المنطقة، لا سيما عندما تتبنى أو تدعم مبادرات في مجالات التعليم، وتمكين المرأة، وبناء القدرات المؤسسية، وهي أولويات معلنة في سياسة كندا تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن خلال هذه الأدوار، تتحول الجاليات من مجرد موضوع للسياسة الخارجية إلى شريك غير مباشر في تنفيذها. تؤكد السياسة الخارجية الكندية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مقاربات متعددة الأطراف، والتنمية المستدامة، ودعم الاستقرار الإقليمي. وفي هذا الإطار، تكتسب الجاليات العربية أهمية استراتيجية باعتبارها قناة لتقليل فجوة الفهم الثقافي والسياسي بين كندا والمنطقة. فخبراتها اللغوية والثقافية، ومعرفتها بالسياقات المحلية، تُعزّز فعالية المبادرات الكندية، سواء في العمل الدبلوماسي أو الإنساني أو التنموي. وعليه، يمكن النظر إلى الجاليات العربية كأحد أركان “السياسة الخارجية المجتمعية” لكندا، حيث تتقاطع الأبعاد الداخلية والخارجية في إنتاج علاقة أكثر مرونة واستدامة مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولا يقتصر هذا الدور على الأزمات، مثل استقبال اللاجئين السوريين، بل يمتد ليشمل بناء شراكات طويلة الأمد في مجالات الاقتصاد المعرفي، والتعليم، والحوار بين الثقافات.

شكّلت الجاليات العربية في كندا فاعلًا اجتماعيًا واقتصاديًا مهمًا في مسار تشكّل العلاقات الداخلية، إذ ارتبطت نشأة حضورها أساسًا بدوافع اقتصادية واضحة. فقد هاجر العرب الأوائل إلى كندا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين سعيًا لتحسين أوضاعهم المعيشية وتكوين مدخرات مالية، غالبًا مع نية العودة إلى أوطانهم الأصلية لشراء الأراضي أو بناء المساكن. وقد انعكست هذه الدوافع على أنماط اندماجهم الأولي، حيث اضطر معظمهم، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، إلى الانخراط في قطاعات العمل غير الماهرة والأنشطة التجارية البسيطة. ومع ذلك، سرعان ما تحوّلت هذه الأنشطة إلى قاعدة لبناء شبكات اقتصادية واجتماعية أوسع. فقد توزّع المهاجرون العرب الأوائل جغرافيًا وفق الفرص المتاحة، فعمل بعضهم في الزراعة بمقاطعة ساسكاتشوان، بينما اتجه آخرون إلى البيع المتجول في مجتمعات التعدين شمالي كيبيك وأونتاريو. وبحلول مطلع القرن العشرين، بدأ هذا النمط الاقتصادي يشهد تحولًا نوعيًا، إذ انتقل العديد من العرب من البيع المتجول إلى امتلاك المتاجر والعمل في تجارة الجملة، ما أسهم في إدماجهم بشكل أعمق في الاقتصاد المحلي الكندي. وقد برزت مدن كبرى مثل مونتريال وتورنتو كمراكز رئيسية لنشاطهم التجاري، ومنها امتدت شبكات التوزيع لتشمل مناطق واسعة من البلاد.

هذا الاستقرار الاقتصادي النسبي لم يقتصر أثره على تحسين أوضاع الجاليات العربية فحسب، بل ساهم أيضًا في تعزيز الروابط الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع الكندي الأوسع. فقد أدت قدرة المهاجرين العرب على تحويل الأموال إلى بلدانهم الأصلية إلى تشجيع موجات جديدة من الهجرة، قائمة على روابط القرابة والثقة، ما عزز منطق “الهجرة الشبكية” وربط المجتمعات المحلية الكندية بفضاءات عابرة للحدود. ومع ترسّخ الوجود العربي، شهد الجيل الثاني من الكنديين العرب مستويات أعلى من الاندماج الاقتصادي والاجتماعي. إذ انخرطوا في قطاعات متنوعة شملت التجارة والصناعة والعقارات والتأمين، إضافة إلى المهن الحرة والقضاء والسياسة والتعليم والخدمة الحكومية، والإعلام والفنون والإدارة. ويعكس هذا التنوع المهني انتقال الجاليات العربية من موقع الهامش الاقتصادي إلى موقع المشاركة الفاعلة في بنية المجتمع الكندي. أما المهاجرون الذين قدموا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أظهروا أنماطًا مختلفة من الاندماج، حيث دخل نحو 30% منهم كندا وهم يحملون شهادات جامعية، في حين توزّع الباقون بين الوظائف المكتبية والأعمال اليدوية وفقًا للبيانات الصادرة عن المركز الإحصائي الكندي وكذلك معهد الشؤون العالمية الكندي. وتشير البيانات إلى أن ما يقارب 69% من هؤلاء تمكنوا لاحقًا من الالتحاق بالمجالات المهنية التي سعوا إليها، بما يدل على مسار تدريجي لكنه ملموس للاندماج الاقتصادي.

التعريـف والانتشار الاجتماعـي

يُقصد بمصطلح “الكنديين العرب” الجيل الأول من المهاجرين الناطقين بالعربية، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، إضافة إلى أحفادهم، المنحدرين من دول العالم العربي الأعضاء في جامعة الدول العربية. وعلى الرغم من غياب سمة موحّدة تحدد هوية هذه الفئة، نظرًا لاختلاف أصولها الوطنية والدينية واللغوية، فإنها تتشارك عناصر ثقافية رمزية، مثل الفلكلور والموسيقى والمأكولات والعادات والقيم الاجتماعية. وينتشر الكنديون العرب في مختلف أنحاء كندا، مع تمركز واضح في المدن الكبرى مثل مونتريال وتورنتو، حيث تتيح البيئة الحضرية فرصًا أوسع للتفاعل الاجتماعي وبناء الشبكات.

المسـار التاريخـي والعلاقـات الثقـافية

يمكن تقسيم الهجرة العربية إلى كندا إلى موجتين رئيسيتين: الأولى بدأت في ثمانينيات القرن التاسع عشر وضمت في معظمها مهاجرين مسيحيين من لبنان وسوريا التاريخية، والثانية انطلقت في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين وشملت مهاجرين من بلدان عربية متعددة، من بينها مصر والمغرب والعراق، والأردن، وتونس والجزائر. وقد أسهمت السياسات الكندية التمييزية في مطلع القرن العشرين، مثل اشتراط الرحلات المتصلة وفرض متطلبات مالية مرتفعة على المهاجرين “الآسيويين”، في الحد من الهجرة العربية حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية. غير أن التغييرات الجوهرية في قوانين الهجرة الكندية خلال ستينيات القرن الماضي، ولا سيما اعتماد نظام النقاط القائم على التعليم والمهارات، فتحت المجال أمام موجات جديدة من الهجرة العربية الأكثر تعليمًا ومهنية. ومنذ تسعينيات القرن العشرين، ازداد تنوع الخلفيات الدينية والاجتماعية للمهاجرين العرب، مع حضور متنامٍ للمسلمين، خاصة من شمال أفريقيا إلى مقاطعة كيبيك. ويُعد استقبال اللاجئين السوريين بين عامي 2016 و2019 محطة مفصلية حديثة، جسّدت دور الجاليات العربية في تسهيل الاندماج الاجتماعي، وتعزيز التضامن المجتمعي، وتوطيد العلاقات الداخلية في كندا.

التنظيم الاجتماعـي السياسـي للجاليات العربية داخـليًا

تُعزز الجاليات العربية في كندا العلاقات الكندية العربية ليس فقط من خلال دورها كجسور ثقافية واقتصادية، وتيسير التجارة والاستثمار، وتعزيز التفاهم المتبادل عبر شبكاتها الاجتماعية، وحضورها التجاري، ومساهماتها الأكاديمية، ومشاركتها المدنية، بل من خلال التنظيم الاجتماعي السياسي كدور محوري في خلق واقع استراتيجي مختلف عن المسار التقليدي. وتُشكل هذه الجاليات حلقة وصل إنسانية ومنصة للدبلوماسية غير الرسمية، كما أكدت وزارة الشؤون العالمية الكندية والمجلس الوطني للعلاقات الكندية العربية. وتُعد الجاليات العربية رصيدًا استراتيجيًا لكندا، إذ تُضفي عمقًا وأصالة على العلاقات الثنائية تتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية، كما يتضح من جهود وزارة الشؤون العالمية الكندية لتعزيز العلاقات مع دول مثل الأردن والمملكة العربية السعودية.

يتسم التنظيم الاجتماعي والسياسي للجاليات العربية في كندا بالتنوع واللامركزية، ويتسم بوجود جمعيات ثقافية ودينية (مثل الاتحاد العربي الكندي، والمجلس الوطني للثقافة والإعلام) تعمل على تعزيز الحقوق المدنية، والنهوض بالثقافة، ومكافحة الإسلاموفوبيا. وعلى الصعيد السياسي، لا تشكل هذه الجاليات كتلة متجانسة، بل تنخرط على مستويات مختلفة (بلدية، اتحادية) للدفاع عن مصالحها، لا سيما في قضايا السياسة الخارجية والهجرة، مع مساهمتها الفعالة في المجتمع الكندي من خلال مبادرات مجتمعية وخيرية.

في كندا، تؤدي الجمعيات التطوعية القائمة على الدين والعرق الدور نفسه الذي كانت تؤديه الجماعات العائلية الكبيرة في العالم العربي. تنظم هذه الجمعيات حفلات (حفلات) ومهرجانات (مهرجانات)، وهي تعبيرات عامة عن ثقافة وهوية مشتركة، فضلاً عن كونها منبراً للأفراد والعائلات للتنافس على المكانة الاجتماعية. تأسست منظمات مثل الجمعية الكندية اللبنانية في هاليفاكس، ونادي سيدرز في سيدني، نوفا سكوتيا، والجمعية الوطنية السورية الكندية في مونتريال، في أوائل هذا القرن. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، تشكلت منظمات شبابية ونسائية، منها الجمعية السورية الكندية، ونادي الشبان السوريين، ونادي الفتيات السوريات، ونادي الشباب اللبناني الكندي، وجمعية مساعدة السيدات السوريات. وكان هدف جميع هذه المنظمات هو تعزيز رفاهية أفراد الجالية المهاجرة.

سعت رابطة الصداقة العربية الكندية، التي تأسست عام 1943، إلى مواجهة الصورة السلبية التي تلقاها العالم العربي في وسائل الإعلام الكندية. وفي عام 1967، ردًا على حرب الأيام الستة (حرب العرب وإسرائيل)، تأسس الاتحاد العربي الكندي، وهو منظمة جامعة، لتعزيز حقوق ومصالح الفلسطينيين، إلى جانب قضايا أخرى. وفي الآونة الأخيرة، تم إنشاء مجموعات مهنية وفنية عربية. ويقدم المركز العربي في تورنتو معلومات للمهاجرين الجدد، كما يروج للثقافة العربية والتعليم العربي. ومن بين الجمعيات الأخرى: الجمعية العربية الكندية، وجمعية كندا وفلسطين، وجمعية الطلاب العرب، وجمعية الطلاب اللبنانيين، وجمعية الطلاب المسلمين، وجمعية القديس يوسف.

التنظيم السياسـي

تُعدّ بعض النوادي الاجتماعية المذكورة أعلاه مراكز لجماعات سياسية منخرطة في النظام السياسي الكندي. وتُمثّل المناصب القيادية في الجمعيات العربية الكندية بيئةً خصبةً لتطوير القيادات العربية الكندية، وفي بعض الحالات، تُشكّل نقطة انطلاق نحو المناصب السياسية. ويسعى السياسيون إلى كسب أصوات الكنديين العرب من خلال حضور فعاليات الجمعيات وبناء علاقات مع قادتها. وقد شغل الكنديون العرب من الأجيال اللاحقة مناصب في مختلف مستويات الحكومة، على المستويات البلدية والإقليمية والفيدرالية، في المناصب التنفيذية والتشريعية والإدارية. وقد أيّد الكنديون اللبنانيون الحزب الليبرالي بدلاً من المحافظين، نظراً لسياسات الهجرة الأكثر انفتاحًا التي يتبناها الحزب الليبرالي وموقفه الإيجابي تجاه الدول العربية. وقد تبنّى المهاجرون الجدد من العالم العربي بعد عهد ناصر هويةً عربيةً جامعةً تنعكس في تكوين جمعياتهم وبرنامجها. وبغض النظر عن الانتماءات السياسية، فإن الكنديين العرب يتوقون إلى الحصول على الجنسية الكندية والتمتع بالحقوق والامتيازات التي تمنحها هذه الجنسية، سواء في كندا أو في العالم.

في أوائل أربعينيات القرن العشرين، بدأت أنشطة الضغط العربي تبرز في كندا. ففي عام 1944، أسس محمد سعيد مسعود، وهو مهاجر درزي من لبنان، رابطة الصداقة العربية الكندية في مونتريال. وسرعان ما أصبحت الرابطة رأس الحربة في أنشطة الضغط العربي في كندا، بهدف معلن هو تحسين علاقات كندا مع العالم العربي. وكانت مجلة “العربي الكندي”، التي نشرها مسعود بين مايو 1945 وديسمبر 1947، أهم مشاريع الرابطة. وباعتبارها الأولى من نوعها في كندا، هدفت المجلة إلى دحض الحجج الصهيونية بشأن فلسطين ومنع الرأي العام الكندي من التعاطف مع إقامة دولة يهودية. وُزعت المجلة، باللغة الإنجليزية مع ترجمة افتتاحيتها إلى العربية، مجانًا على رجال الدولة، والزعماء الدينيين، وأساتذة الجامعات، والمعلمين، والمحامين، ورجال الأعمال، والمكتبات. وإلى جانب افتتاحية مسعود، تضمنت المجلة أخبارًا، ومقالات سياسية، واحتجاجات، ومراسلات، ومراجعات تاريخية.

في الختام، يتضح أن العلاقات التاريخية بين كندا والعالم العربي تتجاوز كونها علاقات ظرفية أو هامشية، لتشكّل مسارًا تراكميًا معقّدًا تداخلت فيه الأبعاد الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، على نحو يعكس تحولات النظام الدولي من جهة، وديناميات الداخل الكندي من جهة أخرى. فعلى الرغم من أن الاعتبارات التجارية، ولا سيما في مجال الطاقة والتبادل مع دول الخليج، ظلّت المحرّك الأساسي للسياسة الكندية تجاه العالم العربي، فإن هذه العلاقات لم تكن يومًا محصورة في منطق السوق وحده، بل تشكّلت أيضًا عبر الهجرة، وبناء الشبكات الاجتماعية، وتنامي دور الجاليات العربية داخل كندا.

يُظهر التحليل أن كندا لم تنجح بشكل كامل في بلورة سياسة متماسكة وطويلة الأمد تجاه العالم العربي، إذ ظلّ هذا الفضاء في كثير من الأحيان تابعًا لأولويات أوسع تتعلق بالتحالفات الغربية، أو بالسياسات متعددة الأطراف، أو بالاعتبارات القيمية المعلنة التي كثيرًا ما اتسم تطبيقها بالانتقائية. ومع ذلك، فإن هامش الاستقلال النسبي الذي تتمتع به كندا، وغياب التهديدات الأمنية المباشرة، يمنحانها إمكانات غير مستثمرة لتطوير علاقة أكثر توازنًا وعمقًا مع الدول العربية، تتجاوز ردود الفعل على الأزمات أو الضغوط الداخلية.

في هذا السياق، تبرز الجاليات العربية في كندا كأحد أهم عناصر إعادة تشكيل هذه العلاقة. فهي لم تعد مجرد امتداد ديموغرافي للهجرة، بل أصبحت فاعلًا اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا يربط بين الداخل الكندي والعالم العربي، ويسهم في إنتاج شكل من أشكال “الدبلوماسية المجتمعية” القائمة على القوة الناعمة، ونقل الخبرات، وبناء الثقة، والدفاع عن قضايا المنطقة ضمن الأطر الديمقراطية الكندية. ومن خلال التنظيم الاجتماعي والسياسي، والمشاركة المدنية، والحضور المتزايد في مؤسسات الدولة والمجتمع، تساهم هذه الجاليات في دفع العلاقات الكندية العربية نحو مستويات أكثر نضجًا واستدامة.

وعليه، يمكن القول إن العلاقات الكندية العربية لا تزال في طور التشكّل، تتأرجح بين منطق المصالح الاقتصادية المحدودة وإمكانات الشراكة الأوسع. إن مستقبل هذه العلاقات سيعتمد إلى حد كبير على قدرة كندا على دمج أبعادها القيمية مع مصالحها الاستراتيجية، وعلى الاعتراف بالدور المحوري للجاليات العربية كشريك داخلي وخارجي في آن واحد. ففهم هذه العلاقة بوصفها تفاعلًا تاريخيًا متعدد المستويات، لا مجرد سياسة خارجية تقليدية، يفتح المجال أمام مقاربة أكثر شمولًا، تعكس واقع الترابط المتزايد بين المجتمعات والدول في عالم متغيّر.

كاتب

د. فـؤاد إبراهيم شوشة

باحـث في العلوم السياسية | جامعة أوتاوا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل