رياضة

أزمةُ تمويلٍ تُخنِق الرِياضة الكنـديَّة قُبيل أولمبِياد ميلانـو 2026

تموِيلٌ رِياضيٌّ مُجمَّد منذ 2005 وعجزٌ مُتراكِمٌ قد يتجاوز 329 مليون دُولارٍ خلال 5 سنواتٍ، وسط تحذيراتِ اللَّجنةِ الأَولمبِيَّة من "اِنهِيارٍ وَشِيك" واتِّهاماتٍ بِإِقصاءِ المواهب غيرِ القادرة على الدَّفع

قبل أقل من عام على انطلاق دورة الألعاب الأولمبية الشتوية “ميلان–كورتينا 2026″، تجد الرياضة الكندية نفسها محاصرة بأزمة تمويل غير مسبوقة تهدد جاهزية منتخباتها الوطنية وتضع علامات استفهام حقيقية حول قدرة البلاد على الحفاظ على مكانتها الدولية. فبعد نحو عقدين من التمويل المجمد، باتت المنظومة الرياضية تعاني من عجز مزمن، وسط تحذيرات متصاعدة من قيادات رياضية ومسؤولين أولمبيين بشأن انهيار وشيك، قد لا تقتصر تداعياته على الأداء التنافسي فحسب، بل تمتد لتضرب عمق المشروع الرياضي الكندي بأكمله.

التمويل الأساسي الذي تتلقاه المنظمات الرياضية الوطنية لم يشهد أي زيادة تُذكر منذ عام 2005، رغم التضخم الذي التهم فعليًا أكثر من ثلث قيمته الواقعية. وفيما ترتفع التكاليف التشغيلية والمعسكرات والسفر والمعدات الطبية، تجد الاتحادات نفسها في سباق مرهق مع العجز، مجبرة على تقليص البرامج، والاستغناء عن الموظفين، وحتى فرض رسوم باهظة على الرياضيين. منظمة “سبيد سكايتينغ كندا” أعلنت عن عجز فاق 600 ألف دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يتكرر هذا العجز العام المقبل، مما قد يؤدي إلى تسريح فنيين ومدربين، وتقليص الاستعدادات لأولمبياد الشتاء.

شعار الحلقات الأولمبية خارج مقر اللجنة الأولمبية الكندية في مونتريال – رمز التفوق يعلو مؤسسة تُكافح للحفاظ على مستوى التنافس الدولي، وسط أزمة تمويل تُهدد استعدادات كندا لأولمبياد ميلانو 2026 وتُقيد إمكانات الرياضيين – الصورة لـ رويتـرز

الأزمة تجاوزت الأرقام لتصل إلى جوهر فلسفة الرياضة الكندية. كيِن تران، المدير التنفيذي لاتحاد الزلاجات الكندي، قالها بوضوح: “الرياضة في كندا أصبحت لمن يستطيع أن يدفع فقط. لم نعد نحصل على أفضل الرياضيين، بل على أولئك القادرين ماليًا على خوض المنافسة”. هذه العبارة، التي تحمل ما يشبه شهادة وفاة للعدالة الرياضية، تعكس الواقع المتفاقم: رسوم الاشتراك في بعض الرياضات تجاوزت 45 ألف دولار سنويًا، ما يعني إقصاء المواهب من الأسر محدودة الدخل، وضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل.

ديفيد شومايكر، الرئيس التنفيذي للجنة الأولمبية الكندية، لم يُخفِ قلقه من خطورة الموقف، مؤكدًا أن “المنظمات الرياضية لم تعد قادرة على الاستمرار بهذا الشكل. نحن على حافة أزمة وجودية”. من جانبه، أشار بيتر جادج، المدير التنفيذي لاتحاد التزلج الحر، إلى أن “ما تبقى لنا هو الجلد على العظم”، في تعبير يُلخّص حجم الانكماش الذي تعيشه الاتحادات. أما إيفاني بلوندين، البطلة الأولمبية في التزلج السريع، فقد شددت على أن “العديد من الرياضيين الشباب يفقدون الدافع لأن اتحاداتهم لا تملك القدرة المالية على إرسالهم للمسابقات الدولية”.

البيانات الصادرة عن اللجنة الأولمبية الكندية والبارالمبية تشير إلى حاجة فورية لما لا يقل عن 144 مليون دولار سنويًا لإنقاذ القطاع، مقابل تمويل فعلي لا يتجاوز 104 ملايين دولار، وهو رقم لم يشهد أي تعديل منذ عشرين عامًا. المفارقة أن كندا، التي تألقت في أولمبياد باريس 2024 بحصدها 9 ذهبيات و27 ميدالية، تواجه اليوم احتمالًا واقعيًا بتراجع تمثيلها وأدائها في أولمبياد ميلان 2026 إذا لم يتم اتخاذ قرارات حاسمة لتدارك الأزمة.

ديفيد شومايكر، الرئيس التنفيذي للجنة الأولمبية الكندية، يتحدث خلال فعالية إطلاق الشراكة الأولمبية… صوته بات من أبرز الأصوات المحذّرة من تأثيرات التمويل المجمد على التحضيرات لأولمبياد ميلانو 2026، مؤكداً أن الدعم الحالي “لا يواكب متطلبات المنافسة الدولية – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر سبورتس نت

عدد من المسؤولين الرياضيين دعوا إلى حلول مبتكرة، أبرزها توجيه جزء من عائدات المراهنات الرياضية – التي تخطت 380 مليون دولار في أونتاريو وحدها عام 2023 – لدعم الاتحادات. وقال شومايكر بهذا الصدد: “لدينا نموذج تمويلي جديد قابل للتنفيذ، لكنه يحتاج إلى قرار سياسي شجاع”. لكن حتى الآن، لم يظهر تحرك ملموس من الحكومة الفيدرالية، ما يُبقي الأزمة في دائرة الخطر.

الانعكاسات لا تتوقف عند الأداء الرياضي. الأزمة تهدد صورة كندا كمثال عالمي في التعددية والعدالة الرياضية، كما تؤثر سلبًا على فرص البلاد في استضافة بطولات كبرى، وعلى الصحة النفسية والجسدية لجيل من الرياضيين الناشئين. الوضع الحالي أفرز مؤشرات خطيرة: تقليص برامج “الجيل القادم”، خفض في عدد المعسكرات، تقليص فرق الدعم الطبي، وتدهور بيئة المنافسة الداخلية.

في ظل هذه المؤشرات، تحذر قيادات بارزة من أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يُفقد كندا قدرتها التنافسية على المدى المتوسط والبعيد. تيريز بريسون، المديرة التنفيذية لاتحاد التزلج الألبي، صرّحت بأن “الرسوم الباهظة تعني أن فقط أبناء العائلات الميسورة يمكنهم الوصول إلى النخبة. هذا يُبقي الكثير من المواهب خارج الحلبة”. بينما يؤكد نولان ثيسين من اتحاد الكيرلنغ: “الرياضة غير الممولة هي رياضة غير آمنة. لا يمكن الحديث عن حماية الرياضيين في ظل غياب الموارد”.

ومع اقتراب العد التنازلي لأولمبياد 2026، تبدو كندا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استثمار فعلي وعاجل يعيد الثقة إلى البنية التحتية الرياضية، أو مواجهة انهيار تدريجي يفقد البلاد قدرتها التنافسية ويقوّض سمعتها كقوة رياضية عالمية. فالرياضة ليست ترفًا، بل مكوّن أساسي في الهوية الوطنية، وجزء لا يتجزأ من الصحة العامة، والتعليم، والعدالة الاجتماعية. إنقاذ الرياضة الكندية اليوم لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية عاجلة.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل