رياضة

براءةُ لاعبي الهُوكي تهُزّ كندا: إسقاط تُهم الاعتداءِ الجنسيّ وسط انقسامٍ شعبيّ واسع

في مشهد قانوني طال انتظاره، وتحت أنظار الإعلام واهتمام شارع كندي منقسم، أسدلت المحكمة الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الرياضة الكندية، بقرار قضائي يقضي بإسقاط جميع التهم الجنائية المتعلقة بالاعتداء الجنسي الموجهة ضد خمسة من لاعبي منتخب كندا للهوكي تحت 20 عامًا، على خلفية حادثة وقعت في فندق بمدينة لندن، أونتاريو، خلال ليلة احتفالية عام 2018.

القاضية ماريا كاروتشيا، التي ترأست جلسات المحكمة العليا، أعلنت قرارها بعد جلسة مطوّلة، مؤكدة أن “الشاكية لم تكن ذات مصداقية ولا يُعتدّ بشهادتها”، وأن النيابة العامة أخفقت في تقديم أدلة كافية ترقى لمعيار الإثبات الجنائي المعروف بـ”ما لا يدع مجالًا للشك”. وأضافت القاضية، في جلسة تخللتها لحظات من التوتر والصمت الثقيل: “هذا ليس قرارًا أخلاقيًا، إنه قانوني بحت”.

الحكم لم يمنح اللاعبين تبرئة أخلاقية أو اجتماعية، بل استند إلى منظومة الإثبات الجنائي التي تشترط درجة يقين عالية لإدانة أي متهم. وجاء في حيثيات الحكم أن تسجيلات الفيديو، التي وُصفت بأنها محورية في القضية، لم تُثبت بوضوح غياب الموافقة، بل عكست مشاهد ما بعد الواقعة دون أن تقدم أدلة دامغة على وقوع جريمة.

النيابة العامة، التي واجهت ضغوطًا هائلة من الرأي العام لإعادة فتح التحقيق في 2022، بنت ملفها على رواية الشاكية التي تحدثت عن حالة من السُكر وعدم القدرة على الموافقة، إضافة إلى شهاداتها لاحقًا في المحكمة، لكنها لم تُقنع القاضية التي وصفت أقوالها بأنها “متضاربة وغير متسقة”.

في المقابل، قدمت فرق الدفاع تسجيلات صوتية ورسائل نصية بين اللاعبين، من بينها رسالة تقول: “من يريد مشاركة ثلاثية؟ الغرفة 209″، سعى الدفاع من خلالها لإثبات وجود تخطيط مسبق وموافقة ضمنية من جميع الأطراف. النيابة، من جهتها، اعتبرت هذه الرسائل “دعوة منظمة لاغتصاب جماعي”.

وسائل إعلام كندية نقلت تفاصيل دقيقة عمّا دار في قاعة المحكمة، حيث تمحورت المرافعات حول مفاهيم الموافقة، والتخدير، والاستغلال. كما قُدمت أدلة تتعلق بسلوك اللاعبين في تلك الليلة، شملت دخولًا جماعيًا إلى الغرفة، والتقاط صور ومقاطع فيديو، وسلوكًا اعتُبر مؤشّرًا على اعتياد هذه الممارسات.

رسم تخطيطي من داخل محكمة لندن – محاكمة لاعبي الهوكي – الصورة لـ سي بي سي نيوز عبر تي آس آن

المحكمة اضطرت مرتين إلى استبعاد هيئة المحلفين، الأولى نتيجة سلوك غير مهني من أحد المحامين، والثانية بسبب تعليقات ساخرة من بعض المحلفين داخل القاعة، ما دفع القاضية إلى استكمال المحاكمة دون هيئة محلفين.

تفاصيل القضية تعود إلى يونيو 2018، حين اجتمع لاعبو المنتخب بعد انتهاء بطولة العالم للاحتفال في لندن، أونتاريو. التقى عدد منهم بامرأة في حانة محلية، قبل أن يتوجهوا لاحقًا إلى فندق قريب، حيث قالت الشاكية إنها تعرضت لاعتداء جنسي جماعي، فيما أصر اللاعبون على أن ما حدث كان رضائيًا.

التحقيق الأول أغلق في 2019 دون توجيه تهم، لكن أعيد فتحه عام 2022 بعد الكشف عن تسوية مالية سرية دفعتها منظمة “هوكي كندا” للشاكية، من صندوق مخصص لحماية سمعة المؤسسة. لاحقًا، تبيّن أن الصندوق استُخدم في تسويات أخرى تتعلق بقضايا اعتداء جنسي، ما فجّر موجة غضب واسعة وأدى إلى استقالات جماعية داخل إدارة المنظمة وتجميد تمويلها الحكومي.

داخل قاعة المحكمة، قدمت الشاكية إفادات تفصيلية عن “غياب الوعي” و”شلل جسدي تام” ليلة الواقعة، مؤكدة أنها لم تكن قادرة على إعطاء الموافقة. لكن الدفاع طعن في هذه الرواية بالإشارة إلى أنها بدت “نشطة ومتجاوبة” خلال الحادثة، واستشهد برسائلها في اليوم التالي، والتي وصفت فيها الليلة بأنها “مجنونة”.

خارج المحكمة، تصاعدت التوترات. رفعت مجموعات نسوية لافتات كتب عليها “نصدق الناجيات”، في حين تجمع أفراد عائلات اللاعبين في الداخل، وانفجروا بالبكاء عند النطق بالحكم. وسائل إعلام محلية نقلت لحظة انهيار إحدى الأمهات، التي عانقت ابنها قائلة: “أخيرًا، انتهى الكابوس”.

وبينما اعتبر البعض الحكم انتصارًا للعدالة الجنائية، رأى فيه آخرون نكسة خطيرة في مسار محاربة الاعتداءات الجنسية، التي غالبًا ما تصطدم بغياب أدلة مباشرة، وصعوبات متأصلة في إثبات الوقائع التي تحدث في الخفاء.

الحكومة الكندية لم تصدر تعليقًا رسميًا على الحكم حتى الآن، لكن عددًا من النواب الفيدراليين طالبوا بإعادة النظر في سياسات التحقيق بقضايا الاعتداء الجنسي، ودعوا إلى محاسبة المنظومات الرياضية التي غضّت الطرف عن ثقافة التستر.

قرار المحكمة اليوم لم يطوِ صفحة قضية اهتزّت لها أركان الرياضة والمؤسسات القضائية والسياسية في كندا فحسب، بل فتح ملفات أعمق تتعلق بكيفية تعامل المجتمع مع قضايا العنف الجنسي، وموقع السلطة والنفوذ داخل الأطر الرياضية. فالقضية لم تعد محصورة في وقائع ليلة واحدة، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لبنية كاملة من العلاقات والسكوت والتسويات والتواطؤات المؤسساتية.

هذا الحكم، وإن أسدل الستار على أطول فصول التحقيقات الجنائية في قطاع الرياضة، ترك خلفه سلسلة من التداعيات الأخلاقية والقانونية والاجتماعية، التي ستستمر في تشكيل الرأي العام وإعادة رسم العلاقة بين الرياضة، القضاء، والعدالة الاجتماعية في البلاد.

الشارع الكندي لن يطوي هذه الصفحة بسهولة، والمؤسسات المعنية لم تعد قادرة على العودة إلى ما قبلها، بعد أن انكشفت الحقائق، وتعرت الثقافة التي سمحت بحدوث ما حدث ثم أخفت ما كان ينبغي كشفه منذ البداية.

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل