وكالة حماية البيئة الأمريكيّة تفتح ملف “السّموم الخفية” في مياه الشّرب
في تحركٍ لافت، أعلنت وكالة حماية البيئة الأمريكية عن مقترحٍ لإدراج الميكروبلاستيك والمستحضرات الصيدلانية ضمن قائمة الملوثات المحتملة في مياه الشرب، في إجراء قد يمهّد لوضع حدود تنظيمية مستقبلية لهذه المواد.
ويأتي هذا الإعلان استجابةً لمخاوف متزايدة لدى الأمريكيين بشأن وجود جزيئات البلاستيك وبقايا الأدوية في مصادر المياه، إلى جانب ضغوط سياسية وبيئية تطالب بتشديد الرقابة على جودة مياه الشرب.
وقال مدير الوكالة، لي زيلدين، إن سلامة مياه الشرب تمثل قضية تمس مباشرة حياة العائلات الأمريكية، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز فهم المخاطر المرتبطة بهذه الملوثات والعمل على تنظيمها مستقبلاً.
وتعتمد الوكالة في هذا الإطار على ما يُعرف بـ”قائمة الملوثات المرشحة”، وهي أداة قانونية بموجب قانون مياه الشرب الآمنة، تُستخدم لتحديد المواد غير المنظمة حالياً والتي قد تتطلب مراقبة وتنظيمًا في المستقبل.
وقد نشرت الوكالة مسودة النسخة السادسة من هذه القائمة، مع فتح باب التعليقات العامة لمدة 60 يوماً، على أن يتم اعتمادها بشكل نهائي بحلول منتصف نوفمبر المقبل.
في المقابل، أظهرت دراسات علمية حديثة انتشار جزيئات الميكروبلاستيك ليس فقط في مياه الشرب، بل داخل جسم الإنسان، حيث تم رصدها في القلب والدماغ والخصيتين. ورغم استمرار الجدل العلمي حول تأثيراتها الصحية الدقيقة، يحذر خبراء من مخاطر محتملة تستدعي مزيداً من البحث والرقابة.
كما تتزايد المخاوف بشأن تسرب المستحضرات الصيدلانية إلى المياه نتيجة إفرازها من جسم الإنسان، في ظل محدودية قدرة محطات المعالجة التقليدية على التخلص منها بشكل كامل.

مخاوف صحية وضغوط سياسية
ورغم أهمية الخطوة، يشكك بعض المنتقدين في قدرتها على إحداث تغيير فعلي، إذ يرى إريك أولسون، محامٍ في مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية، أن هذه الإجراءات غالباً ما تستغرق وقتاً طويلاً وقد لا تسفر عن نتائج ملموسة، في ظل تردد الوكالة في الانتقال من مرحلة الدراسة إلى فرض حدود تنظيمية.
وكانت الوكالة قد أعلنت في مارس الماضي أنها لن تضع لوائح لأي من الملوثات التسعة التي درستها في آخر مراجعة، ما يعزز من حالة الجدل حول فاعلية الإجراءات التنظيمية.
في المقابل، يرى ناشطون بيئيون أن إدراج هذه المواد يمثل خطوة أولى ضرورية نحو تنظيمها، معربين عن أملهم في أن تتبعها إجراءات أكثر صرامة.
كما حذّر خبراء من أن استمرار النمو المتسارع في إنتاج البلاستيك قد يقوض أي جهود تنظيمية مستقبلية، حتى في حال التقدم في هذا الملف.
وفي سياق متصل، أعرب المجلس الأمريكي للكيمياء، الذي يمثل قطاع الصناعة، عن دعمه لعمليات مراقبة موحدة للملوثات، في حين تطالب منظمات بيئية بفرض رقابة أشمل على جودة المياه.
وتأتي هذه التطورات ضمن سياق سياسي معقد، حيث تتقاطع سياسات البيئة مع مصالح اقتصادية وضغوط صناعية، إضافة إلى تحركات سياسية تقودها بعض الجهات الداعمة لتشديد الرقابة البيئية.

تشريعات متعثرة ومستقبل غامض
ويُلزم قانون مياه الشرب الآمنة وكالة حماية البيئة بمراجعة قائمة الملوثات بشكل دوري واتخاذ إجراءات تنظيمية عند الحاجة، إلا أن التجارب السابقة تشير إلى بطء في الانتقال من مرحلة الدراسة إلى التطبيق الفعلي.
كما شهدت السياسات البيئية تبايناً واضحاً بين الإدارات الأمريكية، حيث سعت بعض الإدارات إلى تشديد المعايير، بينما اتجهت إدارات أخرى إلى تقليص القيود التنظيمية.
وتضم المسودة الجديدة للقائمة أربع فئات رئيسية من الملوثات، تشمل الميكروبلاستيك والمستحضرات الصيدلانية والمواد الكيميائية الدائمة ونواتج التطهير، إضافة إلى عشرات المواد الكيميائية والكائنات الدقيقة التي قد تكون موجودة في مياه الشرب.
ورغم أهمية هذه الخطوة، يرى مراقبون أنها تبقى ضمن مسار تنظيمي طويل ومعقد، يتداخل فيه العلمي بالسياسي والاقتصادي، وسط تساؤلات حول مدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في المدى القريب.



