إضرابُ الممرّضات يشلّ مستشفيات نيويورك ويكشفُ تصدّعاتٍ عميقة في النظام الصّحي
دخل إضراب الممرضات في مدينة نيويورك يومه الثالث من دون أي اختراق تفاوضي، في واحدة من أكبر التحركات العمالية التي يشهدها القطاع الصحي الأميركي منذ عقود، وسط تبادل اتهامات علنية بين إدارات المستشفيات ونقابة ممرضات ولاية نيويورك، في وقت تتصاعد فيه المخاوف بشأن استدامة الرعاية الصحية خلال موسم إنفلونزا استثنائي.
ويشارك في الإضراب نحو 15 ألف ممرضة يعملن في ثلاث شبكات صحية خاصة غير ربحية، هي نيويورك–بريسبتيريان، ماونت سايناي، ومونتيفيوري. وتقول النقابة إن المفاوضات التي سبقت الإضراب لم تحقق تقدماً ملموساً، خصوصاً في ما يتعلق بمستويات التوظيف الآمن، وضمان ظروف العمل، والحفاظ على المزايا الصحية، بينما تؤكد إدارات المستشفيات أنها قدمت عروضاً تصفها بـ”العادلة والمعقولة”، لكنها تواجه مطالب تعتبرها مكلفة وتهدد استقرار الميزانيات.
وقالت شبكة نيويورك – بريسبتيريان في بيان: ” إن هذا الإضراب صُمم لإحداث اضطراب، لكن مرضانا ما زالوا يتلقون الرعاية التي يثقون بنا لتقديمها”.

تصعيد نقابي واتهامات متبادلة تعمق فجوة الثقة
تصاعد الخلاف مع اتهام النقابة إدارة ماونت سايناي بفصل ثلاث ممرضات عشية الإضراب، في خطوة وصفتها بأنها انتقام من منظمات نقابية، وأعلنت نقابة ممرضات ولاية نيويورك أنها قدمت شكوى رسمية تتهم المستشفى بارتكاب ممارسات عمل غير عادلة.
وقالت ليليانا بريستيا، إحدى الممرضات المفصولات، خلال تجمع احتجاجي في مانهاتن: “لن نتعرض للتخويف. كان ذلك محاولة لإسكاتنا ومنعنا من الوقوف مع زملائنا”.
في المقابل، رفضت إدارة ماونت سايناي هذه الاتهامات، مؤكدة أن الفصل جاء بسبب ما وصفته بـ”سلوك غير مقبول” خلال تدريبات الطوارئ، وقالت في بيان: “هذا السلوك غير المقبول تم توثيقه عبر تسجيلات أمنية، ولا يمكن التغاضي عنه تحت أي ظرف”.
في سياق متصل، سعت إدارات المستشفيات إلى التقليل من تأثير الإضراب، إذ قالت مونتيفيوري إنها “لم تلغ حتى الآن أي وصول للمرضى إلى الرعاية”، فيما أفادت ماونت سايناي بأن نحو 20 في المئة من ممرضيها اختاروا البقاء في مواقع عملهم.
موسم إنفلونزا وضغوط تشغيلية تختبر قدرة النظام الصحي
يتزامن الإضراب مع موسم إنفلونزا نشط بشكل استثنائي، حيث سجلت نيويورك أكثر من 32 ألف إصابة في أسبوع واحد في ديسمبر الماضي، وهو أعلى رقم أسبوعي منذ أكثر من 20 عاماً، ما زاد من حساسية المشهد الصحي.
ودفع هذا الواقع المستشفيات إلى اتخاذ إجراءات استباقية شملت إلغاء عمليات جراحية مجدولة، ونقل مرضى من أقسام تخصصية، وزيادة حالات الخروج المبكر لتخفيف الضغط. وقالت إدارة الطوارئ في مدينة نيويورك في بيان إنها “لم تر حتى الآن تأثيرات كبيرة على مستوى رعاية المرضى، لكنها تراقب الوضع عن كثب”.
ولمواجهة النقص في الطواقم، لجأت المستشفيات إلى توظيف أعداد كبيرة من الممرضات المؤقتات، إذ أعلنت ماونت سايناي أنها تعاقدت مع نحو 1400 ممرضة مؤقتة، في خطوة تعكس اعتماداً متزايداً على حلول قصيرة الأمد.
وعلى مستوى المطالب، تؤكد النقابة أن القضية الأساسية تتعلق بسلامة المرضى وإدارة الأحمال الوظيفية، وليس فقط بالأجور، إذ قالت دانيا مونيوز، ممرضة ممارِسة في ماونت سايناي: “نستحق أجوراً عادلة، لكن هذه المعركة تتعلق بسلامة المرضى وسلامتنا نحن ومستقبل مهنتنا”.
في المقابل، تصر إدارات المستشفيات على أن المطالب المالية المقترحة غير مستدامة، وقال متحدث باسم مونتيفيوري إن “المطالب المطروحة تصل كلفتها إلى 3.6 مليارات دولار، وهو رقم لا يمكن تحمله دون الإضرار بالخدمات”. وتشير المستشفيات إلى أن متوسط رواتب الممرضين يتجاوز 160 ألف دولار سنوياً من دون احتساب المزايا، وأن تلبية المطالب قد ترفع هذه الأرقام إلى مستويات تعتبرها غير قابلة للاستمرار.

اختبار سياسي مبكر ورسائل تتجاوز نيويورك
سياسياً، بات الإضراب اختباراً مبكراً لإدارة عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي أعلن دعمه العلني للممرضات خلال زيارته خطوط الاعتصام، قائلاً إن “هؤلاء الممرضين لا يطالبون بالمستحيل، بل بالكرامة والاحترام والأجر العادل الذي يستحقونه”.
كما دعت حاكمة الولاية كاثي هوكول الطرفين إلى العودة للمفاوضات، مؤكدة في بيان أن “التوصل إلى حل يجب أن يعترف بالدور الأساسي الذي تقوم به الممرضات ويحمي المرضى في آن واحد”.
ويعيد هذا الإضراب إلى الواجهة أزمة أوسع في قطاع التمريض تمتد إلى خارج الولايات المتحدة، إذ تواجه أنظمة صحية أخرى، بينها كندا، تحديات مشابهة تتعلق بنقص الكوادر، وارتفاع معدلات الإرهاق، وتأجيل العمليات، ما يجعل من تطورات نيويورك مؤشراً تحذيرياً لصناع القرار في أميركا الشمالية.
ومع دخول الإضراب يومه الثالث من دون مؤشرات واضحة على استئناف الحوار، يبقى مستقبل النزاع مفتوحاً على احتمالات متعددة، من تسوية تفاوضية متأخرة إلى تصعيد قد يترك آثاراً طويلة الأمد على أحد أكثر القطاعات حساسية في المجتمع.




