مجتمع

جِـيلٌ مُـعطَّل: بطالةُ الطلاَّب في كندَا تصِلُ لأَعلَى مُستوياتِها منذُ 2009

معدّلُ بطالة الشَّباب في كندا يرتفِعُ إلى 17.4٪ في يونيو 2025، مع تسجيل 914,000 شابٍّ عاطلٍ، في ظلِّ تراجعِ فُرص العملِ الصَّيفِية بنسبةِ 22٪، ما يزِيد منْ حِدَّةِ الأَزمَة

تشهد كندا ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات بطالة الطلاب، حيث وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2009، وفق بيانات رسمية صادرة عن هيئة إحصاءات كندا لشهري مايو ويونيو 2025. وتعكس هذه الأرقام قلقاً متزايداً حول قدرة سوق العمل على استيعاب الشباب، خاصة في ظل تراجع فرص العمل الصيفية بنسبة تجاوزت 22%، مما يفاقم من التحديات الاقتصادية التي يواجهها الجيل القادم. وتحذر الجهات الرسمية والخبراء من أن استمرار هذه الأزمة قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق، تستدعي تدخلات عاجلة وسياسات فعالة لمعالجة الفجوات القائمة بين التعليم ومتطلبات سوق العمل.

وكشفت أحدث البيانات الرسمية التي نشرتها هيئة إحصاءات كندا في تقاريرها لشهري مايو ويونيو 2025 عن أن معدل بطالة الشباب ما بين 15 و24 عامًا بلغ في يونيو وحده 17.4٪، فيما تجاوز 20.1٪ في مايو، وهي أعلى نسب لم تُسجل منذ الأزمة المالية العالمية عام 2009. هذه الأرقام تعكس أزمة هيكلية تفرض تساؤلات عميقة حول مستقبل جيل كامل في سوق العمل، وتؤكد وجود أزمة حقيقية تهدد السلامة الاقتصادية والاجتماعية، مع تراجع قياسي بنسبة 22٪ في فرص العمل الصيفية، وفقًا لتقارير موقع “إنديد كندا” وموقع “ذا هب”.

وتُظهر البيانات التفصيلية تباينًا خطيرًا في معدلات البطالة، حيث بلغت 27.8٪ بين الفئة العمرية 15-16 عامًا، و19.0٪ بين 17-19 عامًا، بينما سجلت 12.3٪ بين 20-24 عامًا. وتؤكد هذه المؤشرات وجود فجوة متسعة في دمج الشباب في سوق العمل، حيث بلغ عدد الشباب الكنديين الذين يصنفون ضمن فئة “غير الملتحقين بالتعليم أو العمل أو التدريب” نحو 914,000 شاب، ما يمثل أكثر من 11.5٪ من هذه الفئة العمرية، ما يعكس خطورة الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي يواجهه جيل الشباب في كندا.

تتجلى هذه الأزمة في شهادات الواقع الميداني، حيث يعبر العديد من الطلاب عن الإحباط العميق. يقول أليكس، طالب جامعي من تورنتو: “تقدمت بأكثر من 200 طلب وظيفة ولم أتلقَ حتى ردًا واحدًا. النظام الحالي لا يمنحنا فرصة للانطلاق.” وفي مونتريال، تصف ليلى، طالبة تصميم، تجربتها: “على الرغم من خبرتي السابقة، لم أتمكن من العثور على وظيفة، وكثير من أصدقائي اضطروا للقبول بأجور زهيدة لتغطية مصاريفهم.”

بهدف توفير فرص عمل للطلاب، نظمت كلية آلجوين كين كوليج في أوتاوا معرض توظيف بتاريخ 4 فبراير 2025 – الصورة لـ هنـا كنـدا

تتطابق هذه الأصوات مع تحذيرات الخبراء الاقتصاديين والسياسيين، حيث صرحت المحللة الاقتصادية في إحصاءات كندا، إيكاترينا فان، لـ “سيتي نيوز إدمونتون”: “نحن أمام أزمة بطالة طلابية غير مسبوقة، مع تسجيل 20٪ من الطلاب العائدين من الدراسة دون فرص عمل، وهو رقم لم نشهده منذ الأزمة المالية العالمية.” من جانبه، أكد ناثان يانتسن، نائب كبير الاقتصاديين في البنك الملكي الكندي، خلال مقابلة مع “فاينانشال بوست”، أن “السياسات النقدية الصارمة وارتفاع أسعار الفائدة أضعفا الطلب على العمالة الصيفية، ليكون الشباب هم الضحية الأولى.” أما أستاذ السياسات العامة بجامعة ماكماستر، فاس بدنار، فقد نبه إلى الأثر النفسي والاجتماعي القاتل لهذه الظاهرة، حيث قال في تصريح لـ “ذا هب”: “عندما يرسل الطالب مئات الطلبات دون حتى تلقي رفض رسمي، يبدأ الشعور بالإحباط وفقدان الثقة بالنفس، وهذه أزمة أعمق من مجرد أرقام.”

وتتعدد العوامل التي أدت إلى تفاقم هذه الأزمة، على رأسها تباطؤ النمو الاقتصادي، وتقليص الوظائف التقليدية الصيفية مثل الإرشاد والمبيعات والخدمات، فضلاً عن فجوة كبيرة بين المهارات التي يكتسبها الطلاب في المؤسسات التعليمية ومتطلبات سوق العمل الفعلية. كما تعاني الوظائف المتاحة من تدني الأجور ومتطلبات خبرات تفوق قدرات الشباب، مما يجعل فرص الاندماج صعبة.

وفي محاولة للاستجابة لهذه الأزمة المتفاقمة، أعلنت الحكومة الفيدرالية عن تخصيص 558.8 مليون دولار في ميزانية 2025–2026، بهدف توفير حوالي 130,000 فرصة عمل صيفية من خلال برامج حكومية مثل: برنامج وظائف الشباب الصيفية، والتدريب العملي المدمج، واستراتيجية مهارات الشباب، وسلك شباب المناخ. ورغم هذه المبادرات التي تم توثيقها في بوابة الحكومة الكندية الرسمية، يشير مراقبون إلى أنها لا تلبي الحاجة الحقيقية، ولا تعالج السبب الجذري لأزمة البطالة الطلابية، بسبب غياب تنسيق فعال بين الجامعات وأرباب العمل والجهات الحكومية.

تؤكد التوصيات الإعلامية والخبراء ضرورة تعزيز الروابط العملية بين التعليم وسوق العمل، وتوسيع برامج التدريب المهني داخل المناهج الدراسية، وتقديم حوافز ضريبية للشركات التي توظف الطلاب، إلى جانب وضع آليات صارمة لحماية حقوقهم المالية والوظيفية. كما يشددون على أهمية توفير إرشاد مهني متكامل، مع تحديث مستمر لبيانات سوق العمل لضمان توجيه الطلاب إلى فرص مناسبة.

تُظهر الإحصائيات الرسمية والتقارير الميدانية حجم التحدي الذي تواجهه كندا في مجال بطالة الطلاب، والتي بلغت مستويات قياسية غير مسبوقة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2009. ورغم الإجراءات الحكومية المعلنة، يشير الخبراء إلى ضرورة تعزيز التنسيق بين الجهات التعليمية وسوق العمل، وتحسين برامج التدريب والتوظيف الصيفي، لتجنب تفاقم الأزمة وتأثيراتها السلبية على الاقتصاد والمجتمع. يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة السياسات الحالية على مواجهة هذا التحدي المستمر وضمان مستقبل مهني مستقر لجيل الشباب.

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل