الحربُ الروسيّة – الأوكرانيّة تتصاعد: تكتيكاتٌ مبتكرة وتحوّلاتٌ مفصليّة في موازين القوى
تجاوزت الحرب الروسية الأوكرانية كل الاحتمالات وتوقعات الخبراء، مع تسارع مستجدات المعارك باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى، ما أحدث انقلابًا في موازين القوى ومسار الصراع.
واستهدفت العمليات العسكرية البنية التحتية المدنية الحيوية، مستغلة المتغيرات المناخية كوسيلة ضغط على الجانب الأوكراني ودفعه نحو الاستسلام، عبر أساليب تكتيكية واستراتيجية مبتكرة تهدف إلى قلب المواقف السياسية والشعبية الداخلية. وأسفرت الحرب عن خسائر فادحة في الأرواح وأضرار اقتصادية واجتماعية عميقة تجاوزت الحدود الأوكرانية.
في ظل مزيج من التفاؤل والقلق، ركز منتدى دافوس في دورته الـ 65 بسويسرا على معالجة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، مع استثناء النزاع الأوكراني، بحضور بارز للرئيس ترامب وعدد من كبار المسؤولين العالميين، ما أعطى المنتدى بعدًا سياسيًا واقتصاديًا عالميًا حاسمًا.

التطورات الميدانية واستراتيجيات الحرب
تشير التحليلات العسكرية إلى تحول الصراع من النموذج الكلاسيكي إلى نموذج الاستنزاف الشامل، حيث يعتمد على إطالة أمد الحرب واستنزاف القدرات البشرية والعسكرية والاقتصادية. ويقول د. سعيد سلام، مدير مركز فيجن للدراسات الإستراتيجية لـ “هنا كندا” : “روسيا تخلت عن فكرة النصر السريع واعتمدت تكتيكات الأرض المحروقة، مستفيدة من تفوقها البشري والصناعي لتدمير الدفاعات الأوكرانية، فيما تواجه أوكرانيا نقصًا حادًا في الذخيرة وصعوبة في تعبئة وحداتها القتالية المتمرسة.”
وأضاف د. سلام أن الحرب أنتجت مفهوم حرب العمق متعددة النطاقات، حيث تكثف روسيا الضربات الصاروخية لاستهداف البنية التحتية المدنية، خصوصًا قطاع الطاقة الكهربائية، للضغط على كييف وسط برد قارس. وأكد أن التسوية التفاوضية شبه مستحيلة، فروسيا مرتبطة بالنصر والسيطرة على الأراضي المحتلة، بينما يرى المجتمع الأوكراني أي تنازل خيانة لتضحياته.
من الناحية الاقتصادية، أجبرت الحرب أوروبا على التكيف مع غياب الغاز الروسي عبر الغاز المسال، بتكاليف مرتفعة نسبيًا، بينما يعتمد الاقتصاد الأوكراني بشكل كبير على المساعدات الغربية، فيما يعاني الاقتصاد الروسي من تدهور عميق في القطاعات المدنية الحيوية واستنزاف لرأس المال البشري.
أشار إيغور سيميفلوس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في أوكرانيا، في تصريح لـ”هنا كندا”، إلى أن الحرب كشفت عن تفاوت واضح في القدرات التكنولوجية، وزيادة ملحوظة في دائرة الانتهاكات. وأفادت تقارير استخباراتية بتدمير نحو 11,500 دبابة روسية ومقتل عدد كبير من الجنود خلال الشهر الماضي، مقابل تجنيد أوكرانيا أكثر من 30 ألف جندي، مع قدرتها على توجيه ضربات دقيقة للمواقع الحيوية. وأضاف سيميفلوس أن هذه المعطيات تحول الصراع أحيانًا إلى حرب لوجستية واقتصادية بامتياز، تتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية.

منتدى دافوس والخيارات الاقتصادية والسياسية
في منتدى دافوس، شدد المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف على أن السلاح الاقتصادي يمكن أن يمهّد الطريق للتسوية السياسية، مقترحًا إنشاء منطقة اقتصادية معفاة من الرسوم الجمركية في شرق أوكرانيا لجذب الاستثمارات بعد وقف إطلاق النار، مع التركيز على قضية واحدة لضمان قابليتها للحل.
وأشار ترامب بعد عودته من دافوس إلى ضرورة إنهاء الحرب لإنقاذ الأرواح، منتقدًا إدارة بايدن لإنفاقها نحو 350 مليار دولار، ومؤكدًا أن السلام في أوكرانيا يصب في مصلحة أوروبا والولايات المتحدة. وأضاف دبلوماسي أوروبي أن ترامب يعتمد على نفوذه الشخصي أكثر من الجوانب الرسمية.
أوضح إيغور سيميفلوس أن المناخ الشتوي استُغل كسلاح تكتيكي، مع تدمير أكثر من 50% من محطات توليد الطاقة، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي وحرمان السكان من التدفئة، مسببا موجة نزوح جديدة. واعتبر زيلينسكي أن الضربات الروسية على المنشآت المدنية مؤثرة جدًا، بينما وصف ترامب الوضع بأنه “ليس طريقة للعيش”، مؤكدًا أن المشكلة أوروبية لوجستية أكثر من كونها أيديولوجية.

الحوار السياسي ومستقبل النزاع
يرى مراقبون أن الحوار يمثل الحل الممكن لتقريب وجهات النظر، شريطة وجود وسيط مؤثر وفهم طبيعة النزاع وقدرته على تحقيق أهدافه بأقصر الطرق. ويقول زيلينسكي إن المحادثات المرتقبة بدعم أمريكي في الإمارات تمثل المرحلة الأخيرة والصعبة من الصراع، بهدف حماية مصالح أوكرانيا، فيما أكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن إنهاء النزاع يخدم المصالح الأمريكية، غير أن الوصول لتسوية يبقى صعبًا.
وأضاف إيغور أن أي مفاوضات بدون توافق القوى الكبرى “أمريكا، الصين، الاتحاد الأوروبي” ستكون مجرد استراحة لإعادة التسليح، مشيرًا إلى أن العالم يشهد إعادة تشكيل تعددية القطبية الجديدة، وسط ترقب الاجتماع الثلاثي في الإمارات لإنهاء صراع دام أكثر من أربع سنوات، وما خلفه من تأثيرات على الأمن، والسياسة، والاقتصاد الإقليمي، والدولي.
اللقاءات التي جرت في موسكو بين بوتين والممثلين الأمريكيين ركزت على تبادل المعلومات حول كييف والدول الأوروبية، بالإضافة إلى مناقشة نتائج اجتماع دافوس، خصوصًا المحادثة بين ترامب وزيلينسكي. وأكد يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، أن موسكو تسعى لإنهاء الصراع عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، محذرًا من استمرار العمليات العسكرية، ومؤكدًا أن الجيش الروسي يمتلك زمام المبادرة الاستراتيجية.





