كندا تكسرُ النّسق الغربيّ بالاعتراف بفلسطين وسط رهانات السّياسة الخارجيّة
بعد إعلان كندا اعترافها الرسمي بدولة فلسطين على حدود الرابع من يونيو 1967، فاجأ القرار كثيرين في الأوساط الدبلوماسية. لم يكن القرار وليد اللحظة ولا مجرد تعبير عن تعاطف إنساني، بل جاء نتيجة تحولات داخلية وخارجية معقدة شهدتها كندا على مدى سنوات.
تزايد الضغط الشعبي والبرلماني في الداخل، خصوصًا من الجاليات العربية والمسلمة، ومن تيارات يسارية وليبرالية تنتقد ازدواجية المعايير الغربية في قضايا حقوق الإنسان. من جهة أخرى، تسعى أوتاوا إلى إعادة تعريف دورها الدولي في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، حيث لم تعد تكتفي بدور التابع للولايات المتحدة، بل تحاول رسم مسافة محسوبة تحفظ لها استقلالية القرار وصدقيتها الأخلاقية.
وفي خلفية هذا القرار الجريء، تتقاطع الاعتبارات الأخلاقية مع الحسابات الاستراتيجية. كيف توفق كندا بين تحالفها التاريخي مع واشنطن وموقفها الجديد الذي يتحدى الخطاب الأميركي التقليدي الداعم لإسرائيل؟ وهل يعكس هذا الاعتراف تحولًا جذريًا في السياسة الخارجية الكندية، أم مجرد مناورة ظرفية تهدف إلى تحسين صورتها الدولية؟
تقريرنا يستقصي كواليس النقاشات داخل أروقة الحكومة الكندية، ويحلل المواقف المتباينة بين مؤسسات القرار. كما يوضح الرهانات السياسية والرمزية التي تقف وراء هذا التحول، وما إذا كان سيعيد رسم علاقة كندا بالعالم العربي وبالتحالف الغربي على السواء.
من الصمت إلى الفعل
تاريخيًا، كانت كندا أقرب إلى الموقف الأميركي في الشرق الأوسط، إذ اتسمت سياستها الخارجية بانحياز شبه كامل لإسرائيل. لكن وصول مارك كارني إلى رئاسة الوزراء نقل الدبلوماسية الكندية إلى نهج جديد يقوم على ما يسميه “الاستقلال المتوازن”، أي الحفاظ على الشراكة مع واشنطن دون الارتهان لمواقفها.
وقال الكاتب والباحث في الشؤون الدولية خالد الحديدي لـ “هنا كندا”: “التحوّل بدأ فعليًا منذ الأشهر الأولى من حكومة كارني، حين رُفع التجميد عن مساهمات كندا في وكالة الأونروا، وأُعيد التواصل غير المباشر مع السلطة الفلسطينية عبر الأمم المتحدة”. وأضاف: “الاعتراف لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة نقاشات داخلية طويلة حول دور كندا في النظام الدولي الجديد، بعد الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط”.
في الكواليس: ضغوط الرأي العام أم رؤية استراتيجية؟
الوثائق الداخلية التي تم تسريب جزء منها إلى وسائل إعلام كندية كشفت أن الحكومة استندت إلى تقرير استراتيجي أعده “معهد السياسات العالمية” في أوتاوا، أوصى بضرورة “تحسين صورة كندا الدولية عبر تبني مواقف مبدئية في القضايا الحقوقية الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية”.
وفي السياق ذاته، أفادت أستاذة العلاقات الدولية ابتسام الصمادي بأن كندا “خسرت مكانتها كصوت ضمير العالم” خلال العقد الماضي، وأن الاعتراف بفلسطين قد يكون بوابة لاستعادة هذا الدور. وأضافت أن القرار جاء أيضًا استجابة لتصاعد الغضب الشعبي بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث شهدت المدن الكندية مظاهرات غير مسبوقة تطالب بوقف الدعم العسكري لإسرائيل والاعتراف بفلسطين.
وقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها معهد “أنغوس ريد” أن 68٪ من الكنديين يؤيدون الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مقابل 21٪ فقط يعارضونه.

الملف الحساس: واشنطن واللوبي الإسرائيلي
القرار الكندي أثار انزعاجًا واضحًا في واشنطن، حيث عبّرت الإدارة الأميركية عن “خيبة أمل عميقة” من الخطوة، ووصفتها بأنها “تسرّع في توقيت دبلوماسي حساس”.
أما في الداخل الكندي، فيؤكد الدكتور غسان الطالب، الباحث في السياسة الدولية، لـمنصة “هنا كندا”: أن هناك تحركًا من منظمات مؤيدة لإسرائيل لإدانة القرار. وقال المدير التنفيذي للمجلس اليهودي الكندي، دانيال كوهين، إن الحكومة “خانت القيم المشتركة مع إسرائيل”، مهددًا بتجميد التعاون الاقتصادي بين الجانبين.
لكن مسؤولًا في وزارة التجارة الكندية صرح لموقعنا أن “الضغوط لن تغيّر الموقف، وأن كندا تتعامل مع جميع الأطراف على أساس القانون الدولي، لا المصالح الانتخابية”.
وتضيف المصادر أن الاعتراف بفلسطين يأتي أيضًا في سياق حملة إعادة تموضع انتخابية لرئيس الوزراء مارك كارني، الذي يستعد لانتخابات محتملة العام المقبل، وسط تراجع ثقة الشارع في النخبة الليبرالية. ويحاول كارني استعادة ثقة الناخبين التقدميين، ولا سيما الجاليات العربية والإسلامية التي تمثل ثقلًا انتخابيًا متزايدًا في أونتاريو وكيبيك، لكنه في الوقت نفسه يقدم نفسه كرجل دولة يعيد تعريف استقلال القرار الكندي.
ردود الفعل: فلسطين ترحّب.. وإسرائيل تحتج
في رام الله، وصف الرئيس الفلسطيني القرار بأنه “خطوة شجاعة نحو تصحيح الظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني”. وأعلنت السلطة الفلسطينية أنها ستفتح قريبًا سفارة رسمية في أوتاوا، معتبرة أن كندا “انضمت إلى ركب العدالة”.
أما في غزة، فقد قالت حركة حماس في بيان إن القرار “تعبير عن وعي عالمي متزايد بعدالة القضية الفلسطينية، ويجب أن يتبعه ضغط لإنهاء الاحتلال”. وبذلك أصبح الموقف الكندي موضع إجماع نادر بين القوى الفلسطينية.
أمّا إسرائيل، فقد استدعت سفير كندا واعتبرت القرار “طعنة في الظهر”. وقال مسؤول في مكتب نتنياهو إن كندا “تخلّت عن موقعها الأخلاقي وانحازت إلى الإرهاب”. لكن في أوساط الصحافة الإسرائيلية ظهرت أصوات أكثر اعتدالًا، فقد كتبت صحيفة “هآرتس” أن “كندا أعادت تذكير العالم بأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية”.
ردود أوروبا والعالم: كندا تفتح الباب
في العواصم الأوروبية تباينت المواقف. فقد سارعت إسبانيا وإيرلندا والنرويج إلى الترحيب بالقرار واعتبرته “بادرة جريئة قد تحدث تحولًا في مواقف الغرب من القضية الفلسطينية”، بينما فضّلت فرنسا وألمانيا التريث، مبررتين موقفهما بـ“ضرورة تنسيق الخطوات داخل الاتحاد الأوروبي”.
وترى الصمادي أن الخطوة الكندية قد تشكّل نقطة انعطاف داخل الغرب، إذ أثبتت أن الاعتراف بفلسطين لم يعد خطًا أحمر سياسيًا. أما الخبير في العلاقات الدولية فرانسوا شارون فيقول إن “كندا كسرت حاجز الصمت، وأعادت للغرب صورته الأخلاقية التي تآكلت بسبب ازدواجية المعايير في قضايا الشرق الأوسط”.
الأمم المتحدة وحلف الناتو: بين الطموح والمخاطر
على الصعيد الأممي، يُتوقع أن يعزز القرار الكندي فرصها في الحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن خلال الدورة المقبلة. فبعد فشلها مرتين متتاليتين (2010 و2020)، تسعى أوتاوا إلى إعادة بناء رصيدها الدبلوماسي بين دول الجنوب.
في المقابل، يخشى بعض المسؤولين من انعكاسات محتملة داخل حلف الناتو، حيث قد تعتبر واشنطن الخطوة تحديًا غير مباشر. لكن الطالب قلّل من هذه المخاوف قائلًا: “الناتو تحالف عسكري، لا سياسي. وكندا لم تخرج عن التزاماتها الدفاعية”.
وأضاف أن في ذاكرة الأمم المتحدة كان اسم كندا دائمًا مرتبطًا بالدبلوماسية الأخلاقية، فمن ليستر بيرسون، الذي أسس فكرة قوات حفظ السلام، إلى دورها في مكافحة الألغام الأرضية، ظل صوتها مرادفًا للضمير العالمي، لكن هذه الصورة تراجعت خلال العقدين الأخيرين لصالح براغماتية سياسية مفرطة.

الأسئلة الكبرى: ما بعد الاعتراف
الإجابة على أسئلة ما بعد الاعتراف تتطلّب قراءة متأنية لطبيعة السياسة الكندية وموقعها داخل المنظومة الغربية. فحتى الآن، لا يبدو أن الاعتراف الكندي سيتحوّل سريعًا إلى خطوات عملية كحظر بيع السلاح لإسرائيل، إذ إن المصالح الأمنية والعسكرية المشتركة بين البلدين ما زالت قائمة.
ويرى الحديدي أن كندا تُعد جزءًا من التحالف الغربي الذي يوازن بين خطاب “حقوق الإنسان” والمصالح الاستراتيجية. أما بشأن قدرة كندا على تحمّل ضغط اللوبي الإسرائيلي والولايات المتحدة، فالأمر نسبي؛ فبينما تمتلك أوتاوا هامشًا من الاستقلالية في القضايا القيمية والرمزية، إلا أنها تظل مرتبطة سياسيًا واقتصاديًا بواشنطن، ما يجعلها تميل غالبًا إلى التوازن لا المواجهة.
وفيما يتعلّق بما إذا كان الموقف الكندي بداية لتحوّل أوسع في الغرب، يمكن القول إنه مؤشّر مبكر على اهتزاز الإجماع الغربي التقليدي حول إسرائيل، خاصّة في ظل تنامي الضغوط الشعبية والحقوقية داخل أوروبا وأمريكا الشمالية. ومع ذلك، يبقى الاعتراف الكندي خطوة محدودة التأثير في المدى القريب، لكنه قد يفتح الباب أمام إعادة التفكير في السياسات الغربية تجاه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إذا تكرّرت مبادرات مماثلة من دول أخرى.
تقاطع السياسة مع القيم
يمكن القول إن الموقف الكندي الأخير لا يمكن قراءته كمجرّد حدث دبلوماسي عابر أو خطوة رمزية في سجلات الأمم المتحدة، بل هو تحوّل يحمل في طيّاته رسائل متعددة تتجاوز الجغرافيا والسياسة إلى عمق الوعي الغربي ذاته.
فاختيار كندا الاعتراف بفلسطين، في لحظة عالمية تتراجع فيها القيم أمام المصالح، يشكّل عودة نادرة لروح السياسة الأخلاقية التي تربط بين المبادئ والقرارات. لقد أعادت أوتاوا بهذا الموقف تعريف معنى الحياد والنزاهة في العلاقات الدولية، وأرسلت إشارة ضمنية إلى حلفائها الغربيين بأن العدالة لا تُجزّأ، وأن الوقوف إلى جانب الحق الإنساني لا يعني بالضرورة الخروج عن الإجماع الغربي، بل تصحيح بوصلته.
كما فتح القرار الكندي نقاشًا أوسع حول موقع كندا في النظام الدولي: هل هي تابع في المنظومة الأطلسية أم فاعل مستقل يمتلك إرادته الخاصة؟ ومن الواضح أن أوتاوا أرادت وضع مسافة بين سياساتها الخارجية ونهج الانصياع الكامل للولايات المتحدة، لتقول إن التبعية ليست قدرًا، وأن القيم يمكن أن تكون أساسًا لتوازن جديد في السياسة الدولية.
وعلى الرغم من أن هذا الموقف لا يغيّر وحده موازين القوى في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، إلا أنه يحمل أثرًا رمزيًا عميقًا. فاعتراف دولة غربية راسخة بالديمقراطية وملتزمة بالقانون الدولي يعطي دفعة معنوية هائلة للقضية الفلسطينية ويعيد بعض التوازن إلى الخطاب العالمي. كما يضع بقية العواصم الغربية أمام مرآة ضميرها: هل تملك الشجاعة لتقول “نعم” مثل كندا؟
بهذا المعنى، لم يكن القرار الكندي مجرّد فعل سياسي، بل عودة إلى وعي إنساني افتقده العالم الغربي في تعامله مع قضايا الشعوب المستضعفة. كندا لم تغيّر معادلات الأرض بعد، لكنها أعادت التذكير بأن السياسة يمكن أن تكون وجهًا آخر للضمير، وأن المواقف المبدئية قادرة على إعادة رسم الحدود بين الأخلاق والمصلحة. إنها لحظة استثنائية في تاريخ العلاقات الدولية تؤكد أن الرهان على القيم لا يزال ممكنًا، وأن عودة الوعي السياسي بدأت من الشمال البارد.




