بيـئة

هل يستطيعُ مشروع “وِيند ويست” تحويل رياح الملياراتِ إلى نجاح في نُوفا سكوشا؟

تخطو مقاطعة نوفا سكوشا خطوة حاسمة نحو أكبر رهان بيئي واقتصادي في تاريخها الحديث، مع شروع الهيئة الكندية–النوفاسكوشية لتنظيم الطاقة البحرية في التحضير لدراسات أولية تمهّد لإقامة أول مزارع رياح بحرية ضمن مشروع “ويند ويست” الذي تتبناه حكومة رئيس الوزراء تيم هييوستن.

وبحسب ما أوردته وكالة ذا كنديان برس، تسعى الهيئة إلى تكليف شركة متخصصة لإجراء تقييم إقليمي شامل لأربع مناطق بحرية مرشحة لاحتضان التوربينات الأولى، في خطوة تهدف إلى توحيد الدراسات التقنية والبيئية وتقليل تكرار العمل عند انتقال المشروع إلى مرحلة التنافس بين المطورين.

وتوضح وثائق طلب العروض أن هذا التقييم سيُعتمد عليه من قبل الشركات المطوِّرة في إعداد خطط تقييم المواقع وطلبات التراخيص التنظيمية، كما سيُستخدم من قبل الجهة المنظمة لاتخاذ قرارات الأثر البيئي. وترى الهيئة، وفق ما نقلته سيتي نيوز هاليفاكس، أن هذه المقاربة ستساعد كذلك مجتمعات السكان الأصليين، والصيادين التجاريين، والرأي العام على فهم طبيعة المشروع، بما في ذلك السفن والمعدات الثقيلة التي سيتطلبها.

من جانبها، تُقدِّم حكومة نوفا سكوشا المشروع بوصفه فرصة تاريخية. وقد شدد رئيس الوزراء تيم هييوستن، في تصريحات نقلتها الحكومة الإقليمية، على أن المقاطعة تمتلك “بعضًا من أعلى سرعات الرياح في العالم”، ما يؤهلها لأن تصبح “قوة نظيفة للطاقة” على المستوى الإقليمي، بل ومصدّرًا للطاقة النظيفة خارج حدودها.

اقتصاد الرياح… أرقام ضخمة وأسئلة معلّقة

غير أن الطموح البيئي يصطدم سريعًا بأرقام ثقيلة. فالمرحلة الأولى من مشروع “ويند ويست” تُقدَّر كلفتها بنحو 60 مليار دولار كندي، تشمل قرابة 40 مليار دولار للبنية التحتية للتوربينات البحرية، ونحو 20 مليار دولار لإنشاء خطوط نقل كهرباء جديدة.

وتشير ذا كنديان برس إلى أن الحكومة الإقليمية لم توضّح حتى الآن من سيتحمل هذه التكاليف أو كيفية توزيعها بين القطاعين العام والخاص، مكتفية بالإعلان عن توقعها تحصيل إتاوة بنسبة أربعة في المئة من المشروع. ويُعد هذا الغموض المالي، بحسب مراقبين، أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة، لا سيما في ظل سعيها للحصول على دعم فدرالي عبر ائتمانات ضريبية للاستثمار وتمويل منخفض الفائدة من بنك البنية التحتية الكندي.

الحكومة الفدرالية، من جهتها، أبدت اهتمامًا بتسريع الإجراءات التنظيمية للمشروع، معتبرة، وفق تصريحات نقلتها حكومة نوفا سكوشا، أن تحديد مناطق الرياح البحرية خطوة مهمة لإطلاق إمكانات الطاقة المتجددة في شرق كندا. إلا أن هذا الدعم بقي حتى الآن سياسيًا أكثر منه عمليًا، إذ لم يُدرج المشروع ضمن الدفعة الأولى من المشاريع التي حظيت بآلية “التسريع” الفدرالية، ما يعكس ترددًا واضحًا في الالتزام المالي الكامل.

وفي موازاة ذلك، تراهن نوفا سكوشا على أن نجاح المراحل اللاحقة قد يرفع القدرة الإنتاجية إلى أكثر من 62 غيغاواط، أي ما يعادل نحو ربع القدرة الإجمالية لتوليد الطاقة في كندا. غير أن هذا السيناريو يبقى مشروطًا بحل معضلات التمويل والبنية التحتية العابرة للمقاطعات والحدود.

تيم هييوستن يؤكد أن مشروع ويند ويست سيشكل تحولًا اقتصاديًا تاريخيًا لنوفا سكوشا ويضاعف فرص الطاقة النظيفة – الصورة لـ صالت وايـر

البيئة، الصيادون، وحدود السياسة الخضراء

بعيدًا عن الأرقام، يواجه مشروع “ويند ويست” اختبارات بيئية وتنظيمية دقيقة. فالمناطق الأربع قيد الدراسة، من خليج سيدني شمال شرق كيب بريتون إلى ثلاث رقع قبالة الساحل الشرقي، تقع في مساحات بحرية حساسة بيئيًا ونشطة اقتصاديًا.

وتشمل الدراسات المطلوبة، كما توضح الهيئة التنظيمية، تقييم تأثير التوربينات على الحياة البحرية، ومسارات الثدييات المهاجرة، والمواقع الأثرية المغمورة، إضافة إلى فحوصات جيولوجية دقيقة لقاع البحر والبحث عن ذخائر غير منفجرة تعود إلى فترات عسكرية سابقة. وهذه المتطلبات، وإن كانت ضرورية بيئيًا، قد تُبطئ الجدول الزمني الطموح الذي تسعى إليه الحكومة.

كما يبرز قطاع الصيد التجاري كأحد أكثر الأطراف قلقًا، إذ يخشى الصيادون من تقلص مناطق الصيد أو تغيّر النظم البيئية البحرية التي يعتمدون عليها. ورغم تأكيد الهيئة، بحسب سيتي نيوز هاليفاكس، أن التقييم الإقليمي سيساعد على إشراك الصيادين والسكان الأصليين في فهم المشروع والتأثير فيه، فإن هذا الوعد يضع الحكومة أمام اختبار الثقة والقدرة على تقديم ضمانات وتعويضات ملموسة.

وعلى المستوى الاستراتيجي، تدرس نوفا سكوشا خيارين رئيسيين لتصدير الطاقة: مسارًا بريًا عبر نيوبرونزويك، أو كابلًا بحريًا مباشرًا نحو كيبيك أو أسواق نيو إنغلاند الأميركية. غير أن كلا الخيارين يفتح ملفات سياسية وتنظيمية عابرة للحدود، ما يزيد من تعقيد المشروع ويحد من قدرة المقاطعة على التحكم الكامل بمصيره.

ويكشف مشروع “ويند ويست” عن مفارقة عميقة في سياسات التحول الطاقي الكندية: طموح بيئي هائل يقابله واقع إداري ومالي شديد التعقيد. فبين خطاب التحول الأخضر، وضغوط التمويل، وحساسية البيئة البحرية، ومخاوف الصيادين، تجد حكومة نوفا سكوشا نفسها أمام امتحان صعب: هل هي قادرة فعلًا على الانتقال من رؤية سياسية جذابة إلى مشروع مستدام وقابل للتنفيذ، أم أن “ويند ويست” سيظل مثالًا صارخًا على الفجوة بين وعود الطاقة الخضراء وحدود الواقع؟

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل