مواقـع التـواصل

جائحةٌ رقميّة: المراهقُونَ الكنديُّونَ في مواجهةِ اضطراباتِ الأكل

في الوسط الكندي، برزت أزمة صحية ونفسية صامتة لكنها متنامية، تتمثل في ارتفاع معدلات اضطرابات الأكل لدى المراهقين، ويبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا مركزيًا في هذه الظاهرة. وبين المقارنات المستمرة حول الجسد، والمحتوى غير المراقَب، وخوارزميات التوصية التي تعرض على المراهقين محتوى محفزًا للسلوكيات الضارة، تحولت هذه المنصات من أدوات للتواصل والترفيه إلى بيئات تزيد من المخاطر الصحية والنفسية لدى فئات الشباب المراهق.

ووفق دراسة حديثة أجرتها جامعة سيمون فريزر في مقاطعة كولومبيا البريطانية عام 2025، أفاد 23٪ من المراهقين الكنديين بسلوكيات مرتبطة باضطرابات الأكل أو بقلق مفرط حول أجسامهم، فيما بلغت النسبة 40٪ بين الشباب المتحولين جنسيًا، وهي فئات أكثر هشاشة وتأثرًا بالمحتوى الرقمي. وأكدت الدكتورة حسينة سامجي، أستاذة العلوم الصحية والمشاركة في إعداد الدراسة، أن: “وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تضخّم شعور المراهقين بانعدام الأمان وتزيد من المقارنات القائمة على الصورة، وقد تستخدم الفئات المتحولة جنسيًا هذه الضغوط لتقييد السعرات الحرارية أو تبنّي سلوكيات غذائية خطرة”.

وتُظهر الدراسة أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمدة ساعة أو ساعتين يوميًا فقط قد يزيد من احتمالية ظهور سلوكيات غذائية مضطربة لدى المراهقين. كما أظهرت أبحاث سابقة نُشرت في المجلة الدولية لاضطرابات الأكل عام 2019 أن أكثر من نصف الفتيات و45٪ من الأولاد أبلغوا عن سلوكيات غذائية غير صحية، مثل تقييد السعرات الحرارية أو ممارسة التمارين بشكل مفرط، ما يعكس التأثير المستمر للبيئة الرقمية في الصحة النفسية والجسدية للشباب.

المقارنات الاجتماعية والضغط النفسي

وأكدت الدكتورة هايلي هاميلتون، الباحثة في مركز الإدمان والصحة العقلية في تورونتو، أن الدراسات تُظهر ارتباطًا مباشرًا بين زيادة وقت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وسلوكيات الأكل غير الصحية، بما في ذلك تفويت الوجبات وتناول مشروبات الطاقة غير الصحية. وأضافت: “البيئة الرقمية تتغير بسرعة، والمراهقون غالبًا لا يدركون مدى تأثير المحتوى الذي يشاهدونه في سلوكياتهم الصحية والنفسية”.

وفي تحليلات شملت أكثر من 9,000 طالب، وجدت الدكتورة هاميلتون وزملاؤها أن المراهقين الذين يقضون ساعتين يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي لديهم معدلات أعلى لسلوكيات مثل تخطي وجبة الإفطار مقارنة بمن يقضون وقتًا أقل، ما يوضح دور الاستخدام المكثف في تفاقم المشكلات الغذائية.

دراسة جامعة سيمون فريزر تكشف أن واحدًا من كل أربعة مراهقين في كولومبيا البريطانية يعاني من سلوكيات غذائية مضطربة، وأن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يزيد من هذه المخاطر بشكل ملحوظ – الصورة لـ سي تي في نيوز

خوارزميات التوصية والمحتوى الضار

ولا يقتصر الخطر على الوقت الذي يقضيه المراهق على هذه المنصات، بل يمتد إلى خوارزميات التوصية التي تعرض محتوى محفزًا لسلوكيات خطرة. فقد أظهرت بيانات أن المراهقين الذين يشعرون بعدم الرضا عن أجسامهم يتعرضون لمحتوى متعلق باضطرابات الأكل بشكل أكبر مقارنة بزملائهم.

كما كشفت تقارير عن منصة تيك توك انتشار محتوى تحت وسم “سكيني توك”، الذي يمجّد فقدان الوزن بشكل مفرط ويشجع على سلوكيات غير صحية، ما دفع المنصة إلى حظر هذا الوسم رسميًا. غير أن الخبراء يشيرون إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار انتشار المحتوى الضار على نطاق أوسع ضمن النظام الرقمي، مؤكدين أن المعلومات المضللة حول التغذية قد تجعل المراهقين يعتقدون أنها صحية، بينما هي في الواقع قد تؤدي إلى سلوكيات غذائية مضرة.

العواقب الصحية والنفسية والاجتماعية

تشير الأبحاث إلى أن هذه الاضطرابات لا تقتصر على فقدان الوزن أو سوء التغذية، بل تشمل مشكلات صحية خطيرة، مثل هشاشة العظام، واضطرابات القلب، وضعف المناعة، إضافة إلى اضطرابات نفسية تشمل الاكتئاب والقلق وفقدان الثقة بالنفس. وأكدت الدكتورة هاميلتون أن الاستخدام غير المراقَب لوسائل التواصل الاجتماعي يزيد من الضيق النفسي ويحفّز سلوكيات خاطئة مرتبطة بالجسد والطعام.

كما أظهرت مسوح شاملة في أونتاريو أن أكثر من نصف الطلاب يعانون من مستويات متوسطة إلى شديدة من الضيق النفسي، فيما لا يطلب ثلثهم الدعم النفسي حتى عند الحاجة.

وتؤكد الدكتورة حسينة سامجي أن الاستجابة لهذه الأزمة يجب أن تكون متعددة المستويات، وتشمل تعليمًا رقميًا أفضل، واستخدامًا واعيًا لوسائل التواصل الاجتماعي، وتوفير مساحات تفاعلية حقيقية للشباب، إلى جانب سياسات صحية قوية داخل المدارس. ويضيف الباحث أندريس ديلغادو-رون أن إدارة وصول المراهقين إلى المنصات الرقمية ووقت استخدامهم لها تتطلب تعاونًا بين المدارس والسلطات الصحية العامة، مع تحميل شركات التكنولوجيا مسؤولية محتوى خوارزمياتها.

وتُظهر البيانات أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات ترفيهية، بل أصبحت عاملًا مهمًا في تعزيز خطر اضطرابات الأكل والسلوكيات الغذائية غير الصحية لدى المراهقين. وما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه مشكلة فردية، بات اليوم اتجاهًا مجتمعيًا واسع النطاق، يتطلب استجابات عاجلة على مستوى الأسرة، والمدرسة، والسياسات العامة. وتشمل التوصيات الأساسية توعية الأسر، وإدراج برامج للتثقيف الرقمي، ووضع سياسات تحد من المحتوى الضار، إلى جانب توفير دعم نفسي مدرسي ومجتمعي للمراهقين المعرّضين للخطر.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل