المناخُ المتغيّر يضرب المحاصيلَ الزراعيّة الكنديّة ويُهدد أمنها الغِذائيّ
تواجه كندا، واحدة من أكبر الدول المنتجة للغذاء في العالم، أزمة بيئية غير مسبوقة تهدد قطاعها الزراعي الحيوي واقتصادها الوطني. في عام 2025، أصبح التغير المناخي ليس مجرد تهديد بعيد، بل واقع يومي ملموس يؤثر على المحاصيل والمزارعين والأسواق والأمن الغذائي للمواطنين.
وفق تقرير المخاطر المناخية الوطنية للزراعة الصادر عن وزارة الزراعة الكندية في يوليو 2025، فإن أكثر من 71% من الأراضي الزراعية في البلاد تعاني من ظروف جفاف متفاوتة الشدة، خاصة في مقاطعات ألبرتا وساسكاتشوان ومانيتوبا، مما يزيد من تكاليف الري ويقلل من جودة المحاصيل ويؤثر مباشرة على دخل المزارعين وقدرتهم على تلبية الطلب المحلي والدولي. وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات الإنتاجية الزراعية في كندا أن الإنتاجية الزراعية انخفضت بنسبة تصل إلى 15% بين عامي 2011 و2021 نتيجة لارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار، وهو ما يعكس هشاشة القطاع الزراعي أمام هذه التغيرات المناخية المتسارعة.
تتفاقم الأزمة بسبب زيادة انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن الزراعة نفسها، حيث تشير التقارير الحكومية إلى أن هذا القطاع مسؤول عن حوالي 10% من إجمالي الانبعاثات في كندا، مع زيادة بلغت 39% بين عامي 1990 و2021 نتيجة استخدام الأسمدة والمبيدات وتربية الحيوانات، مما يخلق حلقة مفرغة تزيد من تفاقم التغير المناخي الذي يهدد الإنتاج الزراعي نفسه. كما أن التنوع البيولوجي في الأراضي الزراعية يتعرض لضغوط متزايدة، حيث يشير تقرير الزراعة والتغير المناخي للمحاصيل الكندية إلى أن المحاصيل أصبحت أكثر عرضة للأمراض والآفات نتيجة التغيرات المناخية، مما يزيد الحاجة لاستخدام المبيدات الكيميائية ويهدد استدامة الإنتاج الزراعي على المدى الطويل.

الجفاف لا يأتي بمفرده، فبعض المناطق الأخرى في كندا تواجه فيضانات متزايدة نتيجة الأمطار الغزيرة، ما يؤدي إلى تلف المحاصيل وتآكل التربة ويضيف بعدًا آخر للتحديات التي تواجه المزارعين. وفي هذا السياق، كانت مقاطعة ألبرتا قد شهدت في عام 2024 رابع عام متتالي من الجفاف الشديد، مما اضطر السلطات والمزارعين إلى اتخاذ إجراءات طارئة لتأمين إمدادات المياه. هذه التحديات المتنوعة تضع الزراعة الكندية تحت ضغط هائل، حيث تتطلب إدارة المخاطر من مزارعين يعتمدون على التكنولوجيا التقليدية في الغالب، وهو ما يجعلهم عرضة بشكل كبير لتقلبات الطقس المتطرفة.
استجابة لهذه الأزمة، أعلنت الحكومة الكندية في التقرير الوطني للانبعاثات لعام 2025 عن التزامها بخفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 40-45% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2005، مع إطلاق برامج لدعم المزارعين لتبني أساليب الزراعة المستدامة وتقنيات التكيف مع التغير المناخي، بالإضافة إلى تخصيص 223 مليون دولار كندي لدعم البحث والابتكار في مجال الزراعة المستدامة. كما تعمل الحكومة على تطوير أنظمة تنبؤ مناخية دقيقة تساعد المزارعين في اتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن توقيت الزراعة، واختيار المحاصيل، وإدارة الموارد المائية.
ومع ذلك، فإن واقع الأرض يكشف عن الصورة الحقيقية للتحديات. المزارعون الكنديون يشهدون تغيرات غير مسبوقة في موسم الزراعة، حيث أصبحت موجات الحر والجفاف والفيضانات أكثر تواترًا وشدة. القمح وفول الصويا والعدس من بين المحاصيل الأكثر تضررًا، فقد انخفض إنتاج الكانولا بنسبة 2.5% في بعض المناطق بينما زادت زراعة القمح بنسبة 1% كاستجابة مباشرة لمحاولة التكيف مع الظروف المناخية الجديدة، وفق بيانات الإحصاءات الكندية لعام 2025.
هذا التكيف الجزئي لا يلغي الخطر، إذ أن فقدان الغلال يؤثر على الأمن الغذائي الوطني، ويزيد من الاعتماد على واردات الأغذية، ما قد يرفع الأسعار ويضغط على الأسر الكندية.
الأمن الغذائي ليس البعد الوحيد المتأثر، فالاقتصاد الوطني برمته يواجه ضغوطًا هائلة نتيجة انخفاض الإنتاجية الزراعية، حيث يشكل القطاع الزراعي جزءًا أساسيًا من الناتج المحلي الإجمالي، ومصدر عمل لمئات الآلاف من الكنديين. فقدان المحاصيل ليس مجرد خسارة مالية فحسب، بل ينعكس على سلسلة التوريد بأكملها، بما في ذلك الصناعات الغذائية والنقل والتصدير. دراسة حديثة توقعت أن يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تقليل إنتاجية المحاصيل بنسبة تصل إلى 11.2% بحلول نهاية القرن إذا لم تُتخذ إجراءات تكيفية فعّالة، وهو مؤشر صارخ على حجم المخاطر التي تواجه البلاد.
الزراعة الكندية اليوم على مفترق طرق؛ يمكن أن تتحول الأزمة إلى فرصة إذا ما استثمرت الحكومة والقطاع الخاص في تقنيات جديدة، أنظمة ري ذكية، محاصيل مقاومة للجفاف والحرارة، ونظم مراقبة مناخية دقيقة، أو يمكن أن تستمر الهزات المناخية في تفاقم الخسائر، مع آثار مباشرة على الأسعار والأمن الغذائي والتوازن الاقتصادي والاجتماعي.




