جُنُود كنديُّون يتآمرُون لتَشكيل ميليشيَا مسلَّحة مُناهِضة لمُؤسَّساتِ الدَّولة وسلامتِها التُّرابِيّة
تفكيك خلِيَّة مُسلَّحة في مونتريال مكوَّنة من أربعة مُتَّهِمين بينهم جُندِيَّان في الخدمة، وضبط 83 سلاحًا ناريًّا و16 عُبوة ناسفة وأكثر من 11,000 طلقَة ذخيرة خلال مداهمات أمنيَّة موسَّعة
في حادثة وُصفت بأنها الأخطر في تاريخ الأمن الداخلي الكندي، أعلنت السلطات الفيدرالية تفكيك خلية مسلّحة تضم أربعة أفراد، بينهم جنديان يخدمان حاليًا في الجيش الكندي، كانوا يخططون للاستيلاء على أراضٍ قرب مدينة كيبيك بهدف تأسيس كيان مستقل خارج سلطة الدولة. الإعلان جاء في الثامن من تموز الجاري بعد تحقيقات مطولة أفضت إلى الكشف عن ترسانة ضخمة من الأسلحة، وخطط تجنيد، وتدريبات شبه عسكرية تهدد استقرار البلاد.
وبحسب ما أوردته صحيفة “تورونتو ستار”، فإن المشتبه بهم هم العريف مارك أوريلي شابو (24 عامًا)، والعريف ماثيو فوربس (33 عامًا)، وكلاهما يعمل في قاعدة فال كارتييه العسكرية، بالإضافة إلى رافاييل لاغاسي (25 عامًا) وسيمون أنجير أودييه (24 عامًا)، أحدهما عنصر سابق في القوات المسلحة الكندية، والآخر مدرب سابق في برنامج الكشافة الجوية التابع لسلاح الجو الملكي الكندي.

الشرطة الفيدرالية الكندية أوضحت أن المتهمين نفذوا تدريبات عسكرية غير قانونية بين عامي 2021 و2024، شملت الرماية الحيّة، وضع الكمائن، تدريبات على البقاء في الظروف القاسية، مهارات الملاحة البرية، والاستطلاع، وذلك في مناطق متفرقة من مقاطعتي كيبيك وأونتاريو. وكشفت التحريات أن أحد المتهمين أنشأ حسابًا خاصًا على شبكة التواصل الاجتماعي، استخدمه لاستقطاب أفراد يملكون خبرة في استخدام السلاح، بهدف توسيع تشكيل الميليشيا الوليدة.
العملية الأمنية التي نفّذتها وحدة الأمن القومي المتكاملة، انطلقت عقب تلقي بلاغ في آذار 2023، ما أعقبه مراقبة سرية امتدت عدة أشهر، وتُوجت بحملة مداهمات في كانون الثاني 2024. وأسفرت العملية عن ضبط 83 قطعة سلاح ناري متنوعة، 16 عبوة متفجرة، أكثر من 11 ألف طلقة ذخيرة من عيارات مختلفة، أجهزة للرؤية الليلية، وملابس وتجهيزات عسكرية.

وفي تصريح لـ “ذا كنديـان بـرس”، وصفت الباحثة في قضايا الأمن القومي ومديرة مؤسسة تحليل المخاطر الاستخباراتية، السيدة جيسيكا ديفيس، كمية المضبوطات بأنها “الأضخم في تاريخ العمليات المرتبطة بالإرهاب الداخلي في كندا”، مشيرة إلى أن ما جرى يمثل تطورًا نوعيًا في التهديدات الداخلية التي تواجه البلاد.
من جهته، صرّح الرقيب كاميل هابل، المتحدث باسم الشرطة الملكية، أن المتهمين مدفوعون بأيديولوجية معادية للدولة تهدف إلى إقامة مجتمع مستقل يتحدى مؤسسات الحكم. وقال: “بعض هذه الجماعات تعتقد أن إنشاء كيان جديد لا يتم إلا من خلال تفكيك المجتمع الحالي، وفرض واقع بديل بالقوة”.
الخطر الأكبر في هذه القضية، كما أشار إليه تحقيق نشرته “ذا كنديـان بـرس”، يكمن في أن عناصر التهديد ليسوا من خارج المنظومة الأمنية، بل من داخل الجيش الكندي ذاته. وعلّق الأستاذ آندي نايت، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ألبرتا، بالقول: “إن تسلل عناصر متطرفة إلى صفوف الجيش يفضح خللاً خطيرًا في أنظمة الفرز والتدقيق الأمني خلال مراحل التجنيد”. وأضاف: “لا يمكن السماح لأشخاص يتبنون فكرًا متطرفًا بالحصول على تدريبات عسكرية تمكنهم من استخدام السلاح ضد الدولة نفسها”.

وفي السياق ذاته، أكدت المفوضة العامة للشرطة العسكرية الكندية، العميدة فانيسا هانهراهن، أن المؤسسة العسكرية تعاونت بشكل كامل مع التحقيقات الأمنية، وأشارت إلى أن توجيه التهم جاء بعد جمع أدلة قوية وتقييم شامل للمخاطر، مؤكدة أن الجيش اتخذ كافة الإجراءات لضمان عدم تهديد الأمن العام.
أما الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، جون لويس، فصرّح في تقرير سابق نُشر في موقع إعلامي دولي بأن “الميليشيات الصغيرة المتطرفة التي تنشط في الخفاء تشكل تهديدًا غير مرئي يتغذى على مشاعر التهميش والسخط السياسي، وتستبدل فكرة الإصلاح السياسي بمخططات انفصالية مسلّحة”.
وتُصنّف الأجهزة الأمنية الكندية هذه المجموعة ضمن فئة “التطرف العنيف المدفوع بالأيديولوجيا”، وهي فئة لا ترتبط بأيديولوجية يمينية أو يسارية بالضرورة، بل تُبنى على رفض شامل لسلطة الدولة، والسعي لإقامة مجتمع بديل باستخدام القوة.
الحدث، على خطورته، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة أجهزة الدولة على كشف التهديدات الكامنة داخل مؤسساتها، وعلى رأسها القوات المسلحة. كما يسلّط الضوء على ثغرات خطيرة في آليات التدقيق الأمني التي باتت بحاجة إلى مراجعة شاملة. فهل ستتمكن كندا من سد هذه الثغرات قبل أن تتجذر الميليشيات المسلحة في عمق مؤسساتها؟ أم أن البلاد على أعتاب مرحلة جديدة تُعاد فيها كتابة معادلات الأمن الداخلي والهوية الوطنية؟




