جائحةُ كورونا تُغيِّر ملامح سوق السيَّارات الكندي
أَسعارُ السيَّارات المُستعملة في كندا تتجاوز 35,000 دولارٍ كنديّ مع إِنخفاض إِنتاجِ السيَّارات الجديدة بِنسبة 15% في 2024 بِسببِ كُورونا
شهدت كندا في السنوات الثلاث الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار السيارات المستعملة مقارنة بالسيارات الجديدة، وهو أمر غير مسبوق في سوق السيارات. هذا الارتفاع الكبير لم يكن مجرد نتيجة لتقلبات في سياسات العرض والطلب التقليدي، بل كان نتاجًا لمجموعة من العوامل المعقدة التي تأثرت بشكل مباشر بتداعيات جائحة كوفيد-19.
من أبرز الأسباب التي أدت إلى زيادة أسعار السيارات المستعملة في كندا هو النقص الكبير في العرض. خلال فترة الجائحة، تعرضت مصانع السيارات العالمية لإغلاقات مؤقتة، مما تسبب في تأخير الإنتاج وتراكم الطلبيات. في الوقت نفسه، شهد سوق السيارات المستعملة انخفاضًا في عدد السيارات التي تُعاد إلى السوق، خاصةً السيارات التي تنتهي عقود إيجارها.
كما تعرضت سلاسل التوريد العالمية لاضطرابات واسعة خلال الجائحة، حيث تسببت قيود السفر وإغلاق المصانع في تعطيل عملية الإنتاج. إضافة إلى ذلك، تسبب النقص في أشباه الموصلات، التي تُعد ضرورية لتصنيع السيارات الجديدة، في تقليص إنتاج السيارات الجديدة، مما أثر بشكل غير مباشر على سوق السيارات المستعملة. نتيجة لذلك، زاد الطلب على السيارات المستعملة في وقتٍ كان فيه العرض من السيارات الجديدة محدودًا.

استنادًا إلى المعطيات الحالية، كشف جهاد عبادي، صاحب معرض لبيع السيارات المستعملة في جنوب مدينة أوتاوا، في تصريح لموقع “هنا كندا”، أن سوق السيارات في كندا شهد تأثيرًا كبيرًا بعد جائحة كوفيد-19، حيث عانى من نقص في الإمدادات بسبب توقف مصانع السيارات الجديدة عن تسويق منتجاتها. وقال عبادي: “لم تكن هناك كمية كافية من السيارات الجديدة في السوق، وبعض الزبائن لم يكن لديهم القدرة على شراء سيارات جديدة، مما جعل سوق السيارات المستعملة البديل الوحيد، خصوصًا مع فترات الانتظار الطويلة التي قد تتجاوز الثلاث أو أربع سنوات لاستلام سيارة جديدة”.
وأضاف عبادي أن هذا الوضع أثر بشكل كبير على أسعار السيارات المستعملة، حيث ارتفعت بعضها بشكل غير مسبوق، حتى وصلت إلى الضعف مقارنة بالفترة التي سبقت الجائحة.
وفقًا لتقرير صادر عن “بلومبرغ” في أكتوبر 2024، يعاني سوق السيارات المستعملة الكندي من نقص حاد في السيارات المستردة من شركات التأجير بعد انتهاء عقودها، وتوقعات التقرير تشير إلى أن هذا النقص سيتفاقم في السنوات المقبلة. وفي عام 2024، تجاوز متوسط سعر السيارة المستعملة في كندا 35,000 دولار كندي، وهو ما يعكس ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالفترة التي سبقت الجائحة.
دراسة أجرتها “هيئة الإحصاء الكندية” في ديسمبر 2024 أكدت أن نقص الرقائق الإلكترونية تسبب في انخفاض إنتاج السيارات الجديدة بنسبة 15% في عام 2024، مما زاد من الطلب على السيارات المستعملة.
من جهة أخرى، يرى العديد من الخبراء، وفقًا لدراسة نشرتها صحيفة “جلوب آند ميل”، أن العديد من الكنديين يفضلون شراء السيارات الجديدة رغم ارتفاع أسعارها، وذلك بسبب الميزات التقنية المتطورة وأنظمة الأمان الحديثة التي توفرها.
وفي هذا السياق، قال مهدي صالح، المدير المالي في إحدى شركات بيع السيارات الجديدة في ضواحي نيبين جنوب أوتاوا، في تصريح لموقع “هنا كندا”: “أسعار السيارات المستعملة أصبحت قريبة جدًا من أسعار السيارات الجديدة، مما جعل العديد من الناس يقررون الانتظار للحصول على سيارة جديدة، خصوصًا مع انخفاض أسعار الفائدة على السيارات الجديدة مقارنة بالمستعملة”.
وفي تعليق على الوضع الاقتصادي الراهن في كندا، عبر صالح عن أسفه من الارتفاع غير المبرر في أسعار السيارات المستعملة، وأشار إلى أن جائحة كوفيد-19 كان لها تأثير كبير على الاقتصاد، خاصة في سوق السيارات الجديدة والمستعملة على حد سواء.

زيادة الطلب على السيارات المستعملة في كندا
من بين العوامل التي ساهمت في زيادة أسعار السيارات المستعملة، هو التحول الكبير في تفضيلات المستهلكين، حيث بدأ العديد من المشترين في التوجه نحو سوق السيارات المستعملة بسبب الارتفاع الكبير في أسعار السيارات الجديدة. وفقًا لتقرير صادر عن “سي بي سي” في يناير 2025، فقد أدت زيادة أسعار السيارات الجديدة بنسبة 10% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق إلى دفع المزيد من المستهلكين للبحث عن بدائل، مما زاد الطلب بشكل كبير على السيارات المستعملة.
وفي السياق نفسه، يعود ارتفاع أسعار السيارات المستعملة أيضًا إلى غلاء قطع الغيار. هذا ما أكده الميكانيكي جورج كاستيغليا، صاحب محل لتصليح السيارات، في تصريح لموقع “هنا كندا”. حيث أشار إلى أن أسعار السيارات وقطع الغيار تأثرت بشكل كبير بجائحة كورونا، إذ فُرضت قيود على تصنيع قطع الغيار، كما أن السيارات الجديدة لم تكن متوفرة بشكل كبير خلال الجائحة. كل هذه العوامل أدت إلى ارتفاع جنوني في أسعار السيارات المستعملة، مما أحدث ارتباكًا في السوق بسبب الإقبال الكبير من قبل الزبائن على هذه السيارات.

إجراءات الحكومة الكندية لمواجهة أزمة ارتفاع أسعار السيارات
لمواجهة أزمة ارتفاع أسعار السيارات المستعملة والجديدة، بدأت الحكومة الكندية في اتخاذ مجموعة من الإجراءات الاقتصادية التي تهدف إلى تقليل تأثير هذه الارتفاعات على المواطنين وضمان استقرار السوق.
في أكتوبر 2024، قررت الحكومة الكندية فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية المستوردة من الصين، في خطوة تهدف إلى حماية الصناعة المحلية من المنافسة الأجنبية. تأتي هذه الخطوة في إطار تعزيز الإنتاج المحلي ودعمه، خاصة في قطاع السيارات الكهربائية الذي يشهد نموًا متزايدًا في كندا.
إلى جانب الرسوم الجمركية، أعلنت الحكومة عن برنامج دعم لتشجيع شراء السيارات الجديدة محليًا وتقليل الاعتماد على السوق العالمية. تهدف هذه البرامج إلى خفض الأسعار في المستقبل من خلال تقديم حوافز مالية للمصنعين المحليين، مما يسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.
من جهة أخرى، تسعى الحكومة إلى تخفيف بعض القيود المفروضة على سوق السيارات المستعملة، عبر تحسين الإجراءات الإدارية التي قد تسهم في تسريع عملية إعادة السيارات المستعملة إلى السوق. ووفقًا لتقارير إعلامية محلية، يُتوقع أن تؤدي هذه الإجراءات إلى توافر أكبر من السيارات المستعملة في المستقبل، مما قد يساعد في خفض الأسعار تدريجيًا.
من المتوقع أن تظل أسعار السيارات المستعملة في كندا مرتفعة على المدى القريب، إلا أن تحسن سلاسل التوريد وزيادة الإنتاج المحلي قد يسهمان في استقرار الأسعار مع مرور الوقت. هذا التطور مرهون بتأثير التدابير الحكومية الجديدة واستجابة السوق لهذه التحديات.
ويعكس سوق السيارات الكندي بشكل واضح التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19، مع تأثيرات واسعة على أسعار السيارات المستعملة والجديدة على حد سواء. الحكومة الكندية تتخذ خطوات تدريجية لمواجهة هذه الظاهرة، ورغم التحديات، يبقى هناك أمل في عودة الاستقرار إلى السوق في السنوات القادمة.




