كارني يتجنّبُ انتقاد ترامب بعد اعتقال مـادورو: تحليلُ مواقف كندا إزاءَ التوغّل الأَمريكيّ في فنزويلا
في فجر الثالث من يناير/كانون الثاني 2026، شنّت القوات الأميركية عملية عسكرية في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، في خطوة فجّرت موجة متباينة من الاحتجاجات والاحتفالات داخل أوساط الجاليات الفنزويلية في كندا. فبينما احتفل بعض المهاجرين الفنزويليين بالعملية، نظّم آخرون مسيرات احتجاجية أمام السفارات الأميركية في مدن كندية عدة، من بينها أوتاوا وهاليفاكس ووينيبيغ، للتعبير عن رفضهم لما وصفوه بالإمبريالية الغربية وانتهاك القانون الدولي.
وسط هذه الانقسامات، اختارت حكومة رئيس الوزراء مارك كارني اعتماد لغة دبلوماسية شديدة الحذر. فقد دعا كارني، في بيان نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى احترام القانون الدولي وحق الشعب الفنزويلي في تقرير مصيره، من دون الإشارة صراحة إلى الولايات المتحدة. وكرّرت وزيرة الخارجية أنيتا أناند الموقف نفسه، مؤكدة أن كندا لم تعترف بشرعية حكومة مادورو منذ عام 2018، وأنها تدعم عملية انتقالية سلمية يقودها الفنزويليون أنفسهم.
وصف محللون سياسيون هذا الموقف بأنه “حذر إلى حد الإفراط”. وقال سكوت ريد، المعلق السياسي في قناة سي تي في نيوز، إن كارني بدا وكأنه يحمل “بيضة فابرجيه على الجليد”، في إشارة إلى سعيه لتجنب إغضاب واشنطن. ويرى بعض الخبراء أن هذا الصمت يعكس مخاوف كندية من تأثير الموقف على مفاوضات تجارية حساسة مع الولايات المتحدة، ما يجعل السياسة الكندية تبدو مترددة وغير حاسمة على الساحة الدولية.

الانقسام الداخلي: بين الاحتفاء والتحذير
داخليًا، كشفت الأزمة عن انقسام حاد في مواقف الأحزاب الكندية. فقد رحّب زعيم حزب المحافظين، بيير بوليفر، باعتقال مادورو، واصفًا إياه بــ “الديكتاتور المخدراتي”، ودعا إلى تسليم السلطة للمعارضة التي سبق أن حظيت بدعم كندي، مثل إدمنودو غونزاليس أوروتيا، معتبرًا الخطوة انتصارًا للحرية والديمقراطية.
في المقابل، عبّرت أحزاب المعارضة اليسارية عن قلق بالغ من العملية الأميركية. ووصف دون ديفيز، النائب المؤقت لزعيم الحزب الديمقراطي الجديد، العملية بأنها “غير قانونية تمامًا” وتنتهك ميثاق الأمم المتحدة. أما زعيم حزب البلوك الكيبيكي، إيف-فرانسوا بلانشيت، فأقرّ بأن مادورو يواجه اتهامات خطيرة بانتهاك الحريات الأساسية والتورط في جرائم مخدرات، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن التدخل العسكري الأميركي يشكل تهديدًا خطيرًا للمدنيين ولسيادة الدولة الفنزويلية.
وعلى المستوى الشعبي، شهدت المدن الكندية تحركات متباينة، تراوحت بين مسيرات احتفالية نظمها بعض المهاجرين الفنزويليين، وأخرى احتجاجية قادها نشطاء يدافعون عن القانون الدولي وحقوق الإنسان. وتعكس هذه الانقسامات تعقيد الموقف الكندي، في ظل محاولات السياسيين الموازنة بين المبادئ المعلنة والقرب من الحليف الأميركي القوي.

القانون الدولي والضغوط الدبلوماسية: كندا بين المبادئ والحياد
يرى خبراء في القانون الدولي أن العملية الأميركية تمثل خرقًا صريحًا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر استخدام القوة ضد دولة أخرى إلا في حالات الدفاع المشروع أو بموافقة مجلس الأمن. واعتبرت سايبين نولكه، المستشارة القانونية السابقة في وزارة الخارجية الكندية، أن موقف كارني وأناند يعكس “السير على حبل رفيع”، عبر الإقرار بأهمية القانون الدولي من دون توصيف التدخل الأميركي كخرق واضح، تفاديًا لاستفزاز واشنطن.
وأوضح البروفيسور مارك كيرستن، من جامعة وادي فريزر، أن البيان الكندي، رغم تأكيده احترام القانون الدولي، لم يحدد بوضوح أن العملية الأميركية “صريحة وغير قابلة للتبرير”، ما يفتح الباب أمام تكرار مثل هذه العمليات مستقبلاً. وحذّر لويد أكسوورثي، وزير الخارجية الكندي الأسبق، من أن هذا التردد قد يضعف قدرة كندا على قيادة تحالفات دولية داعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان، ويجعلها في موقع ضعيف أمام انتهاكات القوى الكبرى.
كما شدد خبراء في السياسة الكندية، من بينهم ماكسويل كاميرون، على أن صمت أوتاوا يقوّض قدرتها على الدفاع عن سيادة الدول، ويحدّ من نفوذها في الضغط على الأطراف المتورطة في الأزمات الإقليمية. وعلى الصعيد الإنساني، يتوقع أن تؤدي محاولات الولايات المتحدة لإدارة الحكومة الفنزويلية إلى زيادة تدفق اللاجئين نحو كندا، وهو عامل إضافي يعزز الحاجة إلى سياسة كندية واضحة وفعالة.

مستقبل كندا: خيارات القيادة وسط الأزمة
يشير دبلوماسيون وخبراء كنديون سابقون إلى أن اعتقال مادورو خلّف فراغًا سياسيًا حساسًا في فنزويلا، لا يمكن لأوتاوا التعامل معه عبر البيانات العامة وحدها. وأكد بن روزويل، السفير الكندي السابق في فنزويلا، أن إعادة فتح السفارة الكندية في كاراكاس باتت ضرورية لضمان حضور دبلوماسي فعلي، يمكّن كندا من ممارسة نفوذ مباشر، خاصة في ظل غياب خطة أميركية واضحة لإدارة المرحلة اللاحقة للاعتقال.
ويرى خبراء القانون الدولي، مثل سايبين نولكه ومارك كيرستن، أن الموقف الكندي الحالي يعكس حذرًا مفرطًا من استفزاز الولايات المتحدة، من دون توصيف صريح للانتهاكات الأميركية لمبادئ الأمم المتحدة. ويؤكد لويد أكسوورثي أن هذا النهج قد يقلّص قدرة كندا على لعب دور قيادي في دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في نصف الكرة الغربي.
بدوره، شدد البروفيسور ماكسويل كاميرون على أن كندا بحاجة إلى موقف أكثر وضوحًا وحزمًا في دعم سيادة الدول واحترام القانون الدولي، بما يعكس التزامها التاريخي بالمبادئ التي ميّزت سياستها الخارجية، ويؤكد أهمية الحضور الدبلوماسي الفاعل في كاراكاس لمواكبة التطورات ومواجهة أي محاولة أميركية لفرض مستقبل فنزويلا بشكل أحادي.
المبادئ أم المصالح؟ رؤية خبراء السياسة الخارجية
تمثل الأزمة الفنزويلية اختبارًا حقيقيًا لمصداقية كندا الدولية وقدرتها على الدفاع عن سيادة القانون وحقوق الإنسان في نصف الكرة الغربي. ويرى خبراء في السياسة الخارجية أن صمت رئيس الوزراء كارني ووزيرة الخارجية أناند، رغم تأكيدهما اللفظي على مبادئ القانون الدولي، يعكس مقاربة حذرة تسعى إلى الموازنة بين القيم المعلنة ومتطلبات الدبلوماسية الواقعية مع واشنطن.
ويحذّر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تآكل مصداقية كندا دوليًا، ويحدّ من قدرتها على قيادة المبادرات الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان في المنطقة، لتتحول من فاعل مؤثر إلى مجرد متفرج على خروقات القوى الكبرى. وفي ضوء ذلك، يشدد المحللون على أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة تقييم عاجلة للسياسة الخارجية الكندية، واعتماد موقف واضح وحازم يحمي المصالح الوطنية ويعزز مكانة كندا الدولية.




