إقتصاد

ترامب يُشعِلُ الحربَ الاقتصادية: كيف تُعيدُ واشنطنُ رسمَ النظام التجاريِّ العالميِّ بالقُوّة؟

ترامبُ يفرِضُ تعريفاتٍ جُمركيَّةً تصلُ إلى 35% على كندا و30% على المكسيك والاتّحادِ الأوروبيِّ، وأوتاوا تَردُّ بِرُسومٍ مُضادَّةٍ بقيمةِ 30 مليارِ دولارٍ كنديّ وسط تهديداتٍ بِتَصعيدٍ اقتِصاديّ عالميّ

في خضمّ توتر عالمي متصاعد، فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة من الجدل والقلق الاقتصادي بقراره فرض تعريفات جمركية جديدة، وصفها مراقبون بأنها “الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية”، استهدفت ثلاثًا من أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين: كندا، المكسيك، والاتحاد الأوروبي. وقد جاء القرار مفاجئًا من حيث توقيته وحجمه، إذ أُعلن في الثاني عشر من جويلية 2025 عن فرض رسوم جمركية تصل إلى 35% على الواردات الكندية، و30% على السلع القادمة من الاتحاد الأوروبي والمكسيك، بدءًا من الأول من أوت المقبل، وسط تبريرات متعددة شملت “الأمن القومي”، و”السيادة الاقتصادية”، و”مكافحة تهريب الفنتانيل والهجرة غير النظامية”.

لم يُخفِ ترامب دوافعه، بل أعلنها بوضوح، معتبرًا أن النظام التجاري الدولي ظلّ لعقود يستغل الاقتصاد الأميركي، موضحًا في خطاب ناري أن كندا “تستفيد تجاريًا على حسابنا”، والمكسيك “تُهرّب لنا السموم”، وأوروبا “تتخلى عن التزاماتها الدفاعية وتنهب صناعاتنا”. وبهذا تتحوّل الرسوم الجمركية إلى أداة ضغط تفاوضية، لا تقل فاعلية عن العقوبات أو أساليب القوة الناعمة. لكنها، في المقابل، تفرض آثارًا اقتصادية عالمية مباشرة وشديدة.

في الداخل الأميركي، تأمل إدارة ترامب في أن تسهم هذه الإجراءات في إعادة المصانع إلى ولايات الوسط الصناعي، وتعزيز النمو الاقتصادي في ولايات حاسمة انتخابيًا مثل ميشيغان وأوهايو. كما أصبحت هذه الرسوم مصدرًا مباشرًا لإيرادات الخزينة الفيدرالية، حيث جمعت نحو 27 مليار دولار في شهر جوان وحده، مع تقديرات بأن تتجاوز الإيرادات 150 مليار دولار خلال النصف الثاني من عام 2025. غير أن هذا المكسب المالي يقابله عبء ثقيل على المستهلك الأميركي، إذ تُشير التقديرات إلى أن كل أسرة قد تتحمّل نفقات إضافية تصل إلى 2800 دولار سنويًا بسبب ارتفاع الأسعار، في ظل تصاعد معدلات التضخم وتحذيرات البنك المركزي الأميركي من “تشوهات عميقة في الأسعار”.

يشير خبراء إلى أن أوروبا تعلمت أن تجاهل ضغوط ترامب وفرض التعريفات الجمركية دون رد فعل لم يجدي نفعًا، مؤكدين ضرورة مواجهة هذه السياسات لحماية مصالحها الاقتصادية – الصورة لـ آن بي سي نيـوز

أما على الجانب الكندي، فقد وصف رئيس الوزراء مارك كارني الإجراءات بأنها “عدوان اقتصادي غير مبرر”، معلنًا عن فرض رسوم انتقامية بنسبة 25% على واردات أميركية تصل قيمتها إلى 30 مليار دولار كندي، مع التلويح باللجوء إلى منظمة التجارة العالمية. وردّت المكسيك هي الأخرى بفرض رسوم على اللحوم والحبوب وقطاع السيارات، بينما هدد الاتحاد الأوروبي بتطبيق رسوم مضادة تصل قيمتها إلى 72 مليار يورو، تشمل التكنولوجيا والطائرات والمنتجات الزراعية، وسط دعوات متزايدة في برلين وباريس لتشكيل جبهة موحدة لمواجهة السياسات التجارية الأميركية الجديدة.

ولم تتأخر الأسواق في التفاعل مع الأزمة. فقد انخفض المؤشر الرئيسي لبورصة تورنتو بنسبة 0.3% بعد صدور القرار، بينما سجّل الدولار الكندي أسوأ أداء له منذ عقدين. في أوروبا، حذّرت اتحادات الصناعة الألمانية من خسائر محتملة بمليارات اليوروهات، وارتفاع في معدلات البطالة خصوصًا في قطاع صناعة السيارات. أما الاقتصاد المكسيكي، فتشير التوقعات إلى دخوله في حالة انكماش بنسبة تصل إلى -1.3% خلال عام 2025.

ومع اتساع هذه الدوامة، ازدادت المخاوف من دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة من الركود التضخمي، مدفوعة بموجة من السياسات الحمائية المتطرفة التي تهدد بتفكيك منظومة العولمة. وذكرت تقارير اقتصادية أن هذا التصعيد قد يؤدي إلى إضعاف دور منظمة التجارة العالمية، وتحفيز نشوء تحالفات اقتصادية جديدة خارج نطاق الهيمنة الأميركية، مثل توسعة اتفاقية الشراكة الاقتصادية عبر المحيط الهادئ، أو تعزيز التعاون التجاري بين أوروبا وآسيا.

ما يزيد من خطورة هذا المسار هو توظيف هذه السياسات الجمركية كأداة للابتزاز السياسي، لا تقتصر على الساحة الاقتصادية. ففي الداخل، يخاطب ترامب قاعدته الانتخابية عبر شعار “أميركا أولًا”، فيما يستخدم هذه التعريفات خارجيًا للضغط في ملفات أمنية ودبلوماسية، كما فعل حين ربط رفع الرسوم عن أوروبا بزيادة مساهماتها في حلف شمال الأطلسي، وربط رفعها عن كندا والمكسيك بتحقيق مزيد من التعاون الأمني في ملف مكافحة المخدرات والهجرة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن مؤخرًا جولة جديدة من الرسوم الجمركية، تشمل فرض رسوم بنسبة 30% على السلع القادمة من الاتحاد الأوروبي – الصورة لـ رويترز عبر ذا غلوبال آند مايتل

لقد بات من الواضح أن إدارة ترامب تعيد تشكيل المشهد التجاري العالمي من خلال أدوات لا تستند فقط إلى اعتبارات اقتصادية، بل إلى رؤية جديدة تمزج بين القوة الاقتصادية والهيمنة السياسية، حيث تتحوّل التجارة من ساحة تعاون دولي إلى ساحة مواجهة وصراع، يحكمها منطق الغلبة لا التفاهم. فالتعريفات الجمركية، التي كانت في السابق آلية لحماية الصناعة، تحوّلت إلى ذراع تنفيذية لسياسة خارجية ترسم خطوط الولاء وترتب أولويات التعاون.

وفي هذا السياق، وصف وزير الاقتصاد الألماني السياسات الأميركية بأنها “ليست مجرد خلاف تجاري، بل هجوم على النظام العالمي القائم على القواعد”، فيما قالت وزيرة المالية الكندية يوم 13 جويلية إن “معاقبة الحلفاء تعني تقويض الثقة في الشراكة”. وأكد الرئيس المكسيكي أن بلاده “لن تخضع لمنطق الابتزاز، وسترد بحزم في كل المجالات”.

البيانات الدولية لا تقل تحذيرًا، إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن التداعيات الاقتصادية لهذه الإجراءات قد تكلف الاقتصاد العالمي أكثر من 1.2 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية عام 2026، مع تراجع متوقع في الاستثمارات الأجنبية بنسبة 18% خلال عام 2025 فقط.

ما يجري اليوم لم يعد مجرد تصعيد اقتصادي محدود، بل هو انزلاق تدريجي نحو نظام عالمي جديد، تتراجع فيه القواعد الجماعية، وتتقدّم فيه الأحادية السياسية كمنهج في التعامل مع العالم. فالتعريفات الأميركية، وإن بدت ناجعة في المدى القريب، تُحوّل الاقتصاد العالمي إلى ساحة نزاع مغلقة، تُفرض فيها القوانين من طرف واحد، وتُدار فيها العلاقات التجارية كما تُدار الصفقات العقارية بمنطق الإملاء، وتحت شعار “إما أن تربح.. أو تُقصى من الطاولة”.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل