ارتفاعُ انعدام الأمن الغذَائي في كندا وتعهّدُ الحكومة بإصلاحاتٍ عاجلة
أكثر من 2 مليون زيارة لبنوك الطَّعام في مارس 2025، وثلث المستفيدين أطفال، مع ارتفاع الإيجارات والمواد الغذائية بنسبة 8% منذ 2019، ما يحوّل أزمة الجوع إلى مشكلة بنيوية تهدد استقرار المجتمع
كندا، الدولة الغنية بمواردها والمرتبطة في أذهان الكثيرين بالرخاء والاستقرار، تواجه اليوم مشهدًا غير مسبوق من أزمة الجوع. فقد حذّرت منظمة بنوك الطعام الكندية في تقرير حديث، نقلت تفاصيله وكالة “ذا كنديان برس”، من أن انعدام الأمن الغذائي بلغ مستويات قياسية غير معهودة، حيث أصبح ملايين المواطنين مضطرين للاعتماد على المساعدات الغذائية لتأمين وجبات يومية. إنها صورة صادمة تختزل عجز السياسات العامة عن حماية المجتمع من التضخم وارتفاع الأسعار.
تُظهر البيانات أن واحدًا من كل أربعة كنديين يعاني من نوع من انعدام الأمن الغذائي، بدءًا من القلق بشأن نفاد الطعام إلى قضاء أيام كاملة دون تناول وجبات، وفق تقرير “بطاقة تقييم الفقر 2025” الصادر عن منظمة بنوك الطعام الكندية، استنادًا إلى بيانات هيئة الإحصاء الكندية من “مسح الدخل الكندي 2023”.
وقالت الرئيسة التنفيذية للمنظمة، كريستين بيردسلي، وفق “ذا كنديان برس”، إن برامج الحكومة الجديدة مثل خطة الرعاية الصحية للأسنان الوطنية وبرنامج التغذية المدرسية الوطني تحمل وعدًا بتخفيف الضغوط المالية عن الكنديين، لكنها أكدت على ضرورة تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لتقليل اعتماد الناس على المؤسسات الخيرية لتوفير الغذاء. وأضافت بيردسلي: “بينما الحكومة الفيدرالية لا تحقق التقدير الذي قد ترغب في تقديمه للمواطنين، فقد بدأت بعض الإجراءات التشريعية تظهر أثرها في بياناتنا، وعلينا ضمان استمرار هذا الزخم لتحسين النتائج في السنوات القادمة”.
ارتفاع غير مسبوق في استخدام بنوك الطعام
وفقًا للتقرير السنوي “عداد الجوع 2024″، استقبلت بنوك الطعام في مختلف المقاطعات أكثر من مليوني زيارة خلال شهر مارس وحده، وهو أعلى رقم يُسجّل في تاريخ المنظمة. تمثل هذه الزيادة 6% مقارنة بالعام الماضي وقفزة صادمة بلغت 90% مقارنة بعام 2019، ما يعكس تحول الظاهرة من أزمة مؤقتة إلى معضلة بنيوية متفاقمة. والأخطر أن 33% من المستفيدين أطفال دون الثامنة عشرة، أي نحو 700 ألف زيارة شهرية، وهو رقم ينذر بعواقب صحية واجتماعية طويلة الأمد.
وأكدت كريستين ماكسويل، الرئيسة التنفيذية لبنوك الطعام الكندية، أن “الفقر لم يعد مقتصرًا على فئات هامشية، بل يشمل عائلات عاملة وطلابًا وأطفالًا يواجهون يوميًا خيار دفع الإيجار أو شراء الطعام. هذا الوضع غير مقبول في بلد مثل كندا”.

تغير طبيعة المستفيدين وأسباب الأزمة
اللافت أن مستخدمي بنوك الطعام لم يعودوا محصورين في العاطلين عن العمل أو الفئات المهمشة تقليديًا. إذ يُظهر التقرير أن 18% من المستفيدين لديهم وظائف، وهي أعلى نسبة مسجلة على الإطلاق، ما يعني أن العمل بدوام كامل لم يعد يضمن حياة كريمة.
وبحسب شبكة “سي بي سي”، قال نيل هيتون، مدير أحد بنوك الطعام في أونتاريو: “نشهد لأول مرة عمالًا وموظفين يأتون إلينا. هؤلاء ليسوا عاطلين عن العمل، بل أشخاص يتقاضون رواتب لا تكفي لإطعام أسرهم بعد دفع الإيجار والفواتير”.
تتعدد أسباب الأزمة، لكن القاسم المشترك بينها هو ارتفاع تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة. فقد وصلت الإيجارات في مدن كبرى مثل تورونتو وفانكوفر إلى مستويات قياسية، حيث تلتهم أحيانًا أكثر من نصف دخل الأسرة. في الوقت ذاته، ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بمعدل سنوي يقارب 8% وفق هيئة الإحصاء الكندية، بينما بقيت المساعدات الحكومية دون تعديل يواكب التضخم. كما يواجه الوافدون الجدد صعوبات مضاعفة بسبب حرمان كثير منهم من برامج الدعم في سنواتهم الأولى.
وكشف التقرير أيضًا ارتفاع معدل البطالة بين الشباب في مارس 2025 بنسبة ثلث مقارنة بعام 2023، فيما لم يواكب برنامج التأمين على البطالة التغيرات في اقتصاد الوظائف المؤقتة والمرنة، بحسب بيردسلي، التي شددت على ضرورة تحديث البرامج لتواكب متطلبات سوق العمل الحديث.
الأزمة تمتد أيضًا إلى الصحة النفسية والجسدية. فقد أظهرت دراسة لجامعة تورونتو أن الأسر التي تعاني من نقص الغذاء أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، أما الأطفال في الأسر الفقيرة غذائيًا فيواجهون صعوبات في التحصيل الدراسي وضعفًا في النمو. وتوضح ماريان دوبوي، خبيرة السياسات الاجتماعية في جامعة مونتريال: “الجوع في كندا ليس جوعًا مرئيًا دائمًا، لكنه موجود في الصفوف الدراسية، في أماكن العمل، وفي الأحياء الفقيرة. إنه جوع صامت يهدد النسيج الاجتماعي”.

بارقة أمل وإصلاحات عاجلة
رغم سوداوية المشهد، يشير التقرير إلى أن أزمة الجوع لم تعد قضية صامتة، بل أصبحت موضوعًا وطنيًا يتصدر النقاش العام. وأوصت منظمة بنوك الطعام الكندية بسلسلة من الإصلاحات العاجلة، أبرزها: تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي وربط المساعدات بالتضخم، معالجة أزمة الإسكان من خلال بناء وحدات ميسورة الكلفة وفرض ضوابط على الإيجارات، تقديم قسائم غذائية للأسر المحتاجة، واعتماد سياسات دخل مضمون للأسر الأكثر ضعفًا.
وقالت ريتشل جونسون، المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية الفيدرالية، في تصريح نقلته “سي تي في نيوز”: “ندرك حجم التحدي، وقد أطلقنا برامج لدعم تكاليف المعيشة وربط المساعدات بالتضخم، لكننا نعلم أن المطلوب أكثر. هذا التقرير يعكس الحاجة الملحّة إلى تسريع الإصلاحات”.
لكن الاعتماد على بنوك الطعام وحدها لا يمكن أن يكون حلاً دائمًا، فهي تؤدي دورًا إغاثيًا مهمًا لكنها تبقى حلًا مؤقتًا هشًا يعتمد على التبرعات. دعا خبراء الاقتصاد والاجتماع إلى معالجة جذرية للأزمة، حيث إن رفع الحد الأدنى للأجور وربطه بتكلفة المعيشة، وتبني نموذج “الدخل الأساسي الشامل”، قد يقلص بشكل كبير نسب الفقر الغذائي. كما أن خفض الضرائب على المواد الغذائية الأساسية قد يخفف العبء عن الأسر محدودة الدخل.
وفي مقابلة مع صحيفة “تورونتو ستار”، قال بول تيلور، المدير السابق لبنك طعام في بريتيش كولومبيا: “لن نخرج من هذه الأزمة عبر توزيع المزيد من الصناديق الغذائية. نحتاج إلى إصلاحات تجعل الغذاء حقًا إنسانيًا مضمونًا، لا سلعة فاخرة يفتقدها الملايين”.
أزمة الجوع في كندا لم تعد مسألة مؤقتة، بل انعكاس لضعف السياسات الاقتصادية والاجتماعية في حماية المجتمع من تداعيات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. أكثر من مليوني زيارة لبنوك الطعام خلال شهر واحد، مع ثلث المستفيدين من الأطفال، يعكس هشاشة النموذج الاجتماعي الحالي، والحلول الإغاثية وحدها لا تكفي، إذ يتطلب الأمر إصلاحات شاملة تشمل رفع الحد الأدنى للأجور، تعزيز الإسكان الميسور، وضبط أسعار المواد الغذائية الأساسية.
استمرار الوضع الحالي، وفق خبراء، يهدد الصحة والتعليم والاستقرار الاجتماعي، بينما التحرك السياسي الجاد قادر على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة تصميم العقد الاجتماعي وضمان الغذاء لكل الكنديين. الجوع في كندا ليس مجرد خلل اقتصادي، بل مؤشر على هشاشة نموذج الرفاه الاجتماعي، ودعوة عاجلة لصانعي القرار لاتخاذ خيارات حقيقية قبل أن تتفاقم الأزمة وتخرج عن السيطرة.





