إقتصاد

إضرابُ مُضيفي “إير كندا” يُكبِّد الاقتصاد الكنديّ خسائر فادحة

شلل 700 رِحلة يوميًا وخسائر مباشرة بقيمة 75 مليون دولار: الحُكومة تصف الإضراب بـ"غير القانوني" والنقابة ترفض العودة للعمل

في ذروة موسم السفر الصيفي، الذي يمثل شريانًا أساسيًا للاقتصاد الكندي، اندلع إضراب غير مسبوق لمضيفي شركة “إير كندا” ابتداءً من يوم السبت الماضي ولمدة 72 ساعة، مما شل حركة النقل الجوي وترك ملايين المسافرين في حالة اضطراب وفوضى. شمل الإضراب نحو عشرة آلاف مضيف ومضيفة، وأدى إلى إلغاء حوالي 700 رحلة يوميًا، مع تأثير مباشر على أكثر من 130 ألف مسافر يوميًا، ما تسبب بخسائر مالية ضخمة للشركة والاقتصاد الوطني.

تقدّر الخسائر المباشرة لشركة “إير كندا” حتى منتصف أغسطس بنحو 75 مليون دولار كندي، فيما اضطرت الشركة إلى سحب توقعاتها للربع الثالث وللسنة المالية بأكملها، في مؤشر واضح على حجم الضرر المالي الناجم عن الإضراب. امتد الأثر أيضاً إلى قطاعات السياحة والفنادق والمطاعم وشركات تأجير السيارات، التي فقدت جزءاً كبيراً من عوائدها في ذروة الموسم السياحي.

جذور الأزمة تعود إلى خلافات حول الأجور وظروف العمل. النقابة الكندية لموظفي الخدمات العامة (كوبي) التي تمثل الطواقم الجوية، تصر على أن الأعضاء لا يتلقون أجوراً كافية مقابل “الوقت الأرضي” الممتد من لحظة صعود الركاب وحتى إغلاق أبواب الطائرة. وقال مارك هانكوك، رئيس الاتحاد، للغارديان: “إن عروض الشركة لا تعكس طبيعة العمل ولا تعوض الوقت الأرضي الذي نقضيه، ونرفض أي حلول جزئية”.

بينما ترى إدارة “إير كندا” أن العرض المقدم لزيادة التعويضات الإجمالية بنسبة 38% على أربع سنوات، مع تعويض جزئي للمهام الأرضية، يشكل حلاً عادلاً، إلا أن النقابة رفضت العرض مؤكدة أن الفرق الكبير بين امتيازات الطيارين وأجور المضيفين يشكل انتهاكاً لمبدأ العدالة داخل القطاع.

المسافرون يشاهدون الاحتجاجات بينما يمرّ الركاب بمطار فانكوفر الدولي في ريتشموند يوم الأحد – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر ذا غلوب آند مايل

تأثير الإضراب على القطاعات الحيوية وموقف الحكومة والنقابة

تسبب الإضراب في فوضى واسعة بالمطارات الرئيسية مثل تورونتو بيرسون وفانكوفر ومونتريال، حيث تكدس المسافرون في طوابير طويلة وسط تأجيلات وإلغاءات متكررة. أكثر من 2100 رحلة تأثرت خلال أيام الإضراب الثلاثة الأولى، ما أربك شركات السياحة والفنادق والمطاعم وأدى إلى تعليق برامج سفر كاملة.

وأكد هيو بوليو، المتحدث باسم (كوبي) ، لوكالة سبوكسمان: “سنواصل الإضراب حتى تحقيق مطالبنا المشروعة، ونرفض أي أمر بالعودة إلى العمل دون تعويض عادل”. كما أوضح مسؤول مطار تورونتو بيرسون لوكالة رويترز: “هذه أكبر موجة تأجيلات نواجهها منذ سنوات، والمطارات تعمل بأقصى طاقتها لمواجهة الفوضى”.

تأثر الشحن الجوي للبضائع الحساسة، بما في ذلك الأدوية والمنتجات الطازجة، ما شكل ضغطاً إضافياً على سلاسل التوريد، بينما دفعت شركات الطيران المنافسة أسعار التذاكر للارتفاع بسبب الطلب المفاجئ على البدائل. أما الأسر الكندية، فقد تكبدت تكاليف إضافية لإعادة جدولة رحلاتها أو حجز خيارات بديلة، مما زاد العبء المالي غير المباشر على الاقتصاد.

ردت الحكومة الفيدرالية بسرعة، معتبرة الإضراب “غير قانوني”، وداعية الأطراف للعودة لطاولة المفاوضات عبر مجلس العلاقات الصناعية الكندي الذي يملك صلاحية فرض التحكيم الإلزامي. وقالت باتي هاجدو، وزيرة العمل الفيدرالية، لوكالة أسوشيتد برس: “التدخل يهدف إلى حماية الاقتصاد وضمان استمرارية الخدمات الحيوية، والإضراب غير قانوني بموجب القانون الاتحادي”.

ومع ذلك، تمسكت النقابة بحقها في الإضراب، مستندة إلى حقوق النقابات في المفاوضة الجماعية، ومؤكدة أن أي ضغط خارجي على العمال يضعف قوة التفاوض ويهدد العدالة المهنية.

المضيفون يرفعون شعار ‘العمل غير المدفوع لن يقلع’، مؤكدين أن أي طائرة لن تقلع دون تعويض عادل عن ساعاتهم الأرضية – الصورة لـ غيتي إيماجيس | بلومبيرغ عبر كوارتز

تداعيات الإضراب على الاقتصاد والمجتمع

الأثر الاقتصادي للإضراب يتجاوز القطاع الجوي، فالإنتاجية في الشركات المتوسطة والصغيرة تأثرت، إذ تأجلت اجتماعات وإطلاق مشاريع بسبب غياب الموظفين عن سفر العمل. قطاع المعارض والمؤتمرات شهد تعطلاً ملموساً مع إلغاء أو تأجيل فعاليات دولية، ما أفقد العديد من الصفقات زخمها.

وقال مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي، لوكالة نيوزويك: “أي تعطيل طويل لشركة رئيسية مثل إير كندا يرسل إشارات قلق للأسواق ويضغط على تقييمات القطاع بأكمله”.

الثقة بين المستثمرين وشركة “إير كندا” تضررت أيضاً، إذ يعكس استمرار الإضراب وتراجع أرباح الشركة مخاوف الأسواق تجاه استقرار قطاع الطيران الكندي ككل. هذا القلق امتد إلى المستثمرين الدوليين، الذين بدأوا إعادة تقييم مخاطرة الاستثمار في قطاع النقل الكندي أمام أي نزاع عمالي مستقبلي.

تُعتبر هذه الأزمة من أكبر الإضرابات في تاريخ النقل الجوي الكندي منذ عقود، متجاوزة أزمات سابقة شهدت تعطيلات جزئية. يشير الخبراء إلى أن حجم الخسائر الحالية يفوق الإضرابات السابقة، ليس فقط بسبب عدد الرحلات الملغاة، بل أيضاً لطبيعة تداعياتها على الاقتصاد الكلي، بما في ذلك السياحة والخدمات اللوجستية والتجارة الدولية.

ويرى المحللون أن الحلول يجب أن تركز على التفاوض الواقعي لتقليص فجوة التوقعات بين النقابة والإدارة، حماية حقوق الركاب، وتعزيز خطط الطوارئ التشغيلية، مع التواصل الشفاف مع الجمهور لإعادة بناء الثقة. تكشف الأزمة هشاشة التوازن بين حقوق العمال واستمرارية الخدمات الأساسية. النقابة رفعت سقف مطالبها باعتبارها “حقوقاً مؤجلة”، فيما تحاول الحكومة حماية المصلحة العامة، وتحاول الشركة الحد من النزيف المالي والسمعة.

أزمة إضراب مضيفي “إير كندا” لم تكن مجرد نزاع عمالي عابر، بل اختبار وطني شامل يعكس هشاشة منظومات الاقتصاد الكندي أمام أي تعطيل مفاجئ، ويؤكد أهمية الحلول التفاوضية السريعة والمنسقة بين الحكومة والشركة والنقابات لتفادي خسائر أكبر في المستقبل.

ينام بعض المسافرين تحت لوحة معلومات الرحلات في مطار فانكوفر الدولي في ريتشموند، كولومبيا البريطانية، كندا، يوم السبت 16 أغسطس 2025 – الصورة لـ أسوشيتد برس | ذا كنديان برس عبر آي بي سي نيوز

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل