كنـدا الآن

كارني ينتقد “جبايات” نيو برونزويك ويُحذّر من تقويض الوحدة الاقتصاديّة

دخلت المواجهة السياسية بين أوتاوا وحكومة نيو برونزويك مرحلة جديدة من التصعيد الصريح، بعد أن وجّه رئيس الوزراء “مارك كارني” انتقادات لاذعة لخطة المقاطعة الرامية إلى فرض رسوم مرورية عند حدودها مع نوفا سكوشا. هذا النزاع، الذي يتجاوز في أبعاده مجرد “ضريبة طريق”، بات يمثل اختبارًا حقيقيًا لاستراتيجية الحكومة الفيدرالية في هدم الحواجز التجارية الداخلية، خاصة في ظل العواصف الاقتصادية التي تلوح في الأفق.

وفي تصريحات أدلى بها للصحفيين في أوتاوا، اليوم الخميس، لم يُخفِ كارني امتعاضه من هذا التوجه، مؤكدًا بلهجة حازمة: “أنا لست سعيدًا بنوايا نيو برونزويك، وسنواصل الضغط في نقاشاتنا معهم”. وتأتي هذه الحدة في الخطاب تعبيرًا عن إحباط فيدرالي من تحركات إقليمية قد تقوض تشريعات وطنية شاملة تهدف إلى إزالة كافة العوائق أمام حركة السلع والأيدي العاملة بين الأقاليم الكندية.

إن التوقيت الذي اختاره كارني لتوجيه هذا النقد يحمل دلالات استراتيجية عميقة، فبينما تسعى أوتاوا لتحصين الجبهة الداخلية لمواجهة الرسوم الجمركية الأمريكية على الألمنيوم والصلب، تبرز “حرب الرسوم” بين المقاطعات كخطر داخلي يهدد النمو. وقد استند كارني إلى تقارير صندوق النقد الدولي التي تشير إلى أن إزالة الحواجز البينية قد تضخ نحو 210 مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي، ما يرفع النمو بنسبة 7%.

تتبنى هولت “واقعية مالية” بوضع استقرار ميزانية مقاطعتها فوق الطموحات الوطنية، معتبرة الرسوم ضرورة تمويلية لا حاجزاً تجارياً، وهي بذلك تناور للضغط على أوتاوا لانتزاع دعم فيدرالي، محولةً عبء صيانة الطرق من مواطنيها إلى مستخدمي المسار الدولي – الصورة لـ ذا كنديان برس | أسوشيتد برس

مأزق “سوزان هولت”: بين الديون القياسية وحرية التجارة

على المقلب الآخر، تبرز حكومة “سوزان هولت” الليبرالية في نيو برونزويك كمدافع عن مصالحها المالية المباشرة، حيث أعلنت في مارس الماضي عن خطتها لفرض رسوم على المركبات القادمة من خارج المقاطعة في منطقة “أولاك” (Aulac) بحلول عام 2028. هذا الإجراء، الذي وُصف بالاضطراري، جاء ضمن ميزانية تعاني من عجز قياسي بلغ 1.3 مليار دولار، مما جعل البحث عن مصادر تمويل لصيانة الطرق أولوية قصوى للمقاطعة، حتى وإن تصادمت مع الأجندة الفيدرالية.

ورغم الضغوط المتزايدة من أوتاوا، أبدت هولت ثباتًا في موقفها، مؤكدةً مضي حكومتها قدمًا في تنفيذ هذا المقترح. هذا الإصرار أثار موجة من القلق لدى أوساط الأعمال، حيث انضمت غرفة التجارة الأطلسية إلى جبهة المعارضة، محذّرةً من أن هذه الرسوم تتناقض تمامًا مع جهود تعزيز التجارة البينية، وستؤدي حتمًا إلى تنفير الاستثمارات الأجنبية والمحلية التي تبحث عن سوق منسجمة ومفتوحة.

والجدير بالذكر أن نيو برونزويك كانت قد اتخذت خطوات إيجابية خلال العام الماضي عبر توقيع اتفاقيات تجارية أحادية الجانب مع مقاطعات أخرى، لكن العجز المالي الضخم دفعها نحو هذا الخيار الذي يراه منتقدوه “نكوصًا” عن الالتزامات المشتركة. إن هذا التضارب في السياسات يضع حكومة كارني أمام تحدي فرض “الانضباط التجاري” على مقاطعة تحاول موازنة دفاترها المالية على حساب سيولة الحركة الوطنية.

اعتمد كارني تشريعات فيدرالية تقضي بالإزالة الفورية لكافة العوائق أمام التجارة البينية بين المقاطعات الكندية، كما قرر تكثيف الضغوط السياسية والقانونية على الحكومات الإقليمية لضمان الامتثال للمسار الوطني وتحصين الاقتصاد ضد الرسوم الخارجية – الصورة لـ غيتي عبر ذا غلوب آند ميل

تفاصيل الخلاف الميداني والجدول الزمني للرسوم

تقضي الخطة التشغيلية لنيو برونزويك بأن يتم تفعيل نظام التحصيل في منطقة “أولاك” الحدودية لاستهداف حركة المرور القادمة من نوفا سكوشا، وهو الإجراء الذي أدرجته حكومة هولت رسميًا في وثيقة ميزانيتها الأخيرة لتغطية فجوة العجز الملياري. وتأتي هذه الخطوة بالرغم من اعتماد حكومة “مارك كارني” تشريعات فيدرالية حديثة مصممة خصيصًا لتفكيك كافة العوائق القانونية أمام التجارة بين المقاطعات، وتكثيف الضغوط على الحكومات الإقليمية للامتثال لهذا المسار الوطني.

من جانبها، أكدت غرفة التجارة الأطلسية في بيان رسمي أن فرض الرسوم سيشكل ضربة موجعة لسلاسل التوريد في شرق كندا، مشيرةً إلى أن التراجع عن مبدأ حرية التنقل سيزيد من كلفة ممارسة الأعمال في المنطقة. وفي غضون ذلك، يظل الاجتماع الأخير الذي عقده كارني مع هولت في مكتبه بأوتاوا، يوم الاثنين الماضي، دون نتائج معلنة حول تراجع المقاطعة عن الجدول الزمني للتنفيذ المقرر في 2028.

تضع هذه المواجهة العلنية بين رئيس الوزراء مارك كارني والوزيرة الأولى سوزان هولت مستقبل التكامل التجاري الكندي في مهب الريح، حيث تصطدم الرؤية الفيدرالية الساعية لرفع الناتج المحلي بـ 210 مليارات دولار مع الواقع المالي المرير لمقاطعة تئن تحت وطأة عجز قياسي. إن التمسك بفرض رسوم “أولاك” يمثل سابقة قد تفتح الباب أمام مقاطعات أخرى لاتخاذ إجراءات حمائية مماثلة ردًا على الضغوط الاقتصادية الخارجية.

ومع استمرار تمسك هولت بقرارها ورفض كارني القاطع لهذا التوجه، يبقى ملف الحدود بين نيو برونزويك ونوفا سكوشا معلقًا بانتظار ما ستسفر عنه جولات الضغط القادمة. إن التحدي الآن لا يكمن فقط في صيانة الطرق، بل في الحفاظ على جسور الثقة بين المركز والأقاليم في ظل مناخ اقتصادي عالمي لا يرحم الانقسامات الداخلية.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل