ترسانة “كارني” الاقتصاديّة.. نُخبة المال والصّناعة في مواجهة “كوسما”
تأتي خطوة رئيس الوزراء، مارك كارني، المحافظ السابق للمصارف المركزية، بإطلاق لجنة استشارية تضم 23 شخصية من النخبة الاقتصادية، كإعادة تموضع استراتيجي للمصالح الكندية العليا. ويضم التشكيل الرؤساء التنفيذيين لبنك مونتريال، والسكك الحديدية الوطنية، وعمالقة التعدين، جنباً إلى جنب مع قيادات نقابية لقطاعي السيارات والصلب. ويبرز هذا التحرك قبل مراجعة اتفاقية “كوسما”، وفي ظل تراجع الاستثمار الأجنبي وتصاعد التعريفات الأمريكية، مما دفع كارني إلى وصف الاعتماد المفرط على واشنطن بأنه “ثغرة هيكلية” تستوجب خطة تنويع شاملة، وعدم “تجميل الواقع” أمام الكنديين.
يقف المشهد الاقتصادي عند منعطف حاسم، حيث تسعى أوتاوا إلى تحصين قطاعات الطاقة والتعدين، في ظل ضغوط زمنية تسبق المهلة القانونية في الأول من يوليو، وهو التاريخ النهائي لإخطار الشركاء بنوايا المراجعة. وتتعاظم أهمية هذا التحرك مع بدء مناورات ثنائية بين واشنطن ومكسيكو سيتي أواخر مايو، مما يهدد سلاسل التوريد في أقاليم مثل أونتاريو وساسكاتشوان، التي تعتمد بنسبة 92% من ناتجها التصديري على السوق الأمريكية، لا سيما في مقاطعات مثل نيو برونزويك، التي تعيش حالة انكشاف اقتصادي عالية.
ترسم التحركات الحكومية أبعاداً كلية للمرحلة المقبلة، عبر تحليل توازنات القوى بين مراكز التصنيع ومراكز القرار المالي، مع تسليط الضوء على تباين الأولويات بين قطاعات الوقود والغذاء في الأقاليم الغربية، والاستراتيجية المركزية للتنويع. وتظهر كواليس اختيار أعضاء اللجنة بصفتهم “صدّادات صدمات”، بينما تضغط المعارضة، بقيادة بيير بويليفر، لانتزاع نتائج ملموسة تنعكس على أسعار التجزئة، معتبراً غياب الاتفاق حتى الآن تراجعاً مقارنة بالتحركات المكسيكية المتسارعة.

هندسة الأمن القومي الاقتصادي.. تشكيلة اللجنة كترسانة لمواجهة الحمائية
تعكس أسماء اللجنة استراتيجية توزيع المخاطر حيث يضع وجود قيادات المصارف والنقل عصب التمويل في قلب الدفاع التجاري. إن إشراك رؤساء شركات الصلب وقطع الغيار يهدف لبناء حائط صد فني يثبت لواشنطن أن التعريفات الجديدة سترفع تكاليف الإنتاج داخل أمريكا نفسها. ويؤكد الوزير دومينيك لوبلان أن التشكيل يضمن بقاء الدولة والشركات والعمال في اتجاه واحد لضمان “اليقين الاقتصادي”.
ومن منظور الموارد فإن تمثيل قطاع التعدين والأسمدة يعزز ورقة الضغط الكندية الأقوى حيث تسعى اللجنة لمقايضة تدفق المعادن الحرجة بضمان وصول المنتجات المصنعة للأسواق الأمريكية. ويشير حجم الاستثمارات الخاصة في هذه القطاعات والذي تجاوز 60 مليار دولار إلى حجم الرهان المالي لتأمين بيئة مستقرة. كما يضمن إدراج قطاع الألبان حماية نظام إدارة العرض كأولوية قصوى بهدف تحويل كندا من مورد خام إلى شريك في سلسلة القيمة المضافة متجاوزة انتقادات وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك.

توازن المصالح الإقليمية.. تباين الرؤى حول التكامل والسيادة
يبرز تباين موضوعي في تقدير المخاطر حيث يرفض رئيس وزراء ساسكاتشوان سكوت مو وصف العلاقة بالضعف معتبراً إياها أعظم مصدر قوة. ويستند هذا المنظور لكون الإقليم يؤمن احتياجات الطاقة والغذاء الأمريكية إذ يزود اليورانيوم الكندي منزلاً من كل 17 منزلاً في أمريكا بالكهرباء. ويرى مو أن الاعتماد المتبادل هو ضمانة لا غنى عنها محذراً من أن مصطلحات الضعف قد تنفر الشريك الأهم وهي رؤية شاركه فيها رؤساء أقاليم كجزيرة الأمير إدوارد.
في المقابل تتبنى أقاليم كأونتاريو رؤية تركز على حماية وظائف السيارات والتقنيات المتقدمة أمام المنافسة المكسيكية. ويؤكد رئيس وزراء الأقاليم الشمالية الغربية آر جيه سيمبسون رؤية كارني معتبراً أن وضع كندا الحالي تحت ضغوط كوسما يثبت ضرورة معالجة التبعية المفرطة. هذا الصراع يضع أوتاوا أمام تحدي المزاوجة بين تعميق الشراكة القارية والسعي لتنويع الأسواق الدولية لتقليل مخاطر التركز التجاري.

أوراق الضغط الطاقوية وشبح التعريفات
يُعد ملف الطاقة والسيادة الكهربائية المحور الأبرز حيث تخطط كندا للتحول نحو المفاعلات النووية لخلق سوق طاقة قاري. تدرك اللجنة أن أمن الطاقة الأمريكي يمر عبر الأنابيب والشبكات الكندية وهي ورقة رابحة لانتزاع إعفاءات لقطاعات كالأخشاب والصلب. ومع ذلك يظل عدم اليقين بشأن الجدول الزمني للمراجعة عائقاً يبطئ الاستثمارات الرأسمالية مما دفع مكتب الوزير لوبلان للتأكيد على تقديم مقترحات فعلية للجانب الأمريكي لتبديد مخاوف الجمود التفاوضي.
يمثل تشكيل هذه اللجنة اعترافاً بأن عصر التجارة الحرة التقليدية قد ولى وأن النظام يتجه نحو ترتيبات حمائية تتطلب ندية اقتصادية. ويراهن كارني على خبرته المالية لتكييف الاقتصاد الوطني مع واقع دولي تنافسي فإما الخروج باتفاق يحمي الوظائف أو السقوط في فخ الركود نتيجة تبعية لم تعد تضمن الرخاء. ستكشف الأيام المقبلة ما إذا كانت استراتيجية تحصين القلعة ستبني اقتصاداً مرناً أم أن أمواج الحمائية ستفرض واقعاً يتطلب استجابات أكثر عمقاً لحماية الماركة الكندية.




