العـالم

هرمز تحت النّيران: إيران تغلق المضيق وتردّ على حصار ترامب باستهداف ناقلات النّفط

أعاد الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز بالكامل، السبت، في تصعيد ميداني شمل إطلاق النار على ناقلتي نفط هنديتين وتدمير حاويات تجارية، رداً على “الحصار الشامل” الذي تفرضه إدارة ترامب على الموانئ الإيرانية. وبحسب وكالة أسوشتيد برس، أدت حالة “الخنق المتبادل” إلى سحب 500 مليون برميل نفط من الأسواق العالمية، ما أحدث هزة ارتدادية في الأسعار قبل ثلاثة أيام فقط من انتهاء الهدنة الهشة المقررة الأربعاء القادم.

وكشف موقع أكسيوس الإخباري عن اجتماع طارئ في “غرفة العمليات” بالبيت الأبيض برئاسة دونالد ترامب، وبحضور وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، لمناقشة تداعيات رفض طهران تسليم مخزونها البالغ 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب. وبينما يلوح ترامب بالتدخل المباشر لاستعادة ما وصفه بـ “الغبار النووي”، تؤكد القيادة المركزية الأمريكية إجبار 23 سفينة إيرانية على التراجع منذ الاثنين الماضي، وسط تحذيرات المرشد الإيراني الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، بجاهزية بحريته لإلحاق “هزائم مريرة” بالأعداء.

تضع هذه التطورات المجتمع الدولي أمام “مقامرة كبرى” في الـ 21 ميلاً التي تشكل عرض المضيق، حيث تحاول طهران فرض رسوم عبور قسرية وشهادات مرور على السفن المتجهة للقواعد الأمريكية، ما ينذر بانفجار إقليمي شامل. وفي ظل “المواقف القصوى” للطرفين، تبرز الوساطة الباكستانية بقيادة عاصم منير كخيط رفيع أخير لمحاولة لجم اندفاعة الصدام العسكري وتفادي انهيار النظام الاقتصادي العالمي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتوسط وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث خلال اجتماع في البيت الأبيض بتاريخ 26 مارس الماضي؛ هذا الفريق الذي يقود اليوم سياسة “الخنق الاقتصادي” والحصار الشامل، يواجه ذروة الصدام الاستراتيجي مع طهران بعد تحول مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة – الصورة لـ غيتي | وكالة الصحافة الفرنسية عبر آكسيوس

المضيق تحت “القبضة العسكرية”: استراتيجية الردع والردع المضاد

أعلنت القيادة العسكرية المشتركة في إيران عودة “السيطرة الصارمة” على المضيق، معتبرة أي تحرك للسفن “تعاوناً مع العدو” وهدفاً مشروعاً للقصف. وأكد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني تحول التهديد إلى اشتباك ميداني، إذ فتحت زوارق إيرانية النار على ناقلة نفط وأصابت سفينة حاويات بمقذوف مجهول، ما ألحق بها أضراراً بالغة.

كشف مسؤول دفاعي لموقع أكسيوس عن وقوع ثلاث هجمات استهدفت سفناً تجارية السبت، مشيراً إلى تسجيلات صوتية تظهر استهداف سفينة فجأة بالرصاص بعد منحها إذنًا بالعبور. وبحسب بيانات موقع “راصدي الناقلات”، طالت الهجمات سفينتين ترفعان العلم الهندي، إحداهما تحمل مليوني برميل من النفط العراقي، ما دفع نيودلهي لاستدعاء السفير الإيراني للاحتجاج على هذا الحادث الخطير.

من جانبه، أكد الرئيس ترامب من على متن طائرة “سلاح الجو واحد” أن الحصار “سيبقى بكامل قوته” حتى تصفية البرنامج النووي. هذا الإصرار الأمريكي قابله تصلب إيراني يرى في المضيق السلاح الأقوى لليّ ذراع الإدارة الأمريكية، خاصة بعد نجاح واشنطن في شل حركة الملاحة الإيرانية جزئياً، مما دفع طهران للتلويح باستهداف إمدادات القواعد الأمريكية في الخليج التي تعتمد كلياً على هذا الممر.

نائب وزير الخارجية الإيراني، سعيد خطيب زاده، يتحدث خلال مقابلة مع وكالة “أسوشيتد برس” على هامش منتدى أنطاليا للدبلوماسية في تركيا، السبت 18 أبريل؛ حيث أكد رفض طهران للمفاوضات المباشرة مع واشنطن تحت وطأة الحصار، متمسكاً بالرد العسكري في مضيق هرمز لكسر سياسة “الإملاءات” الأمريكية – الصورة لـ أسوشيتد برس عبر ذا بوستن غلوب

دبلوماسية “الغبار النووي”: مفاوضات تحت تهديد السلاح

على الرغُم من الدخان المتصاعد، لا تزال القنوات الدبلوماسية تعمل في بيئة مسمومة، حيث ناقش اجتماع البيت الأبيض عروضاً نقلها قائد الجيش الباكستاني بعد محادثات مكوكية في طهران. وأكدت إيران تلقيها مقترحات أمريكية، لكن نائب وزير الخارجية، سعيد خطيب زاده، صرح لوكالة أسوشيتد برس بأن بلاده ترفض التفاوض المباشر طالما لم تتخلَّ واشنطن عن سياسة “الإملاءات”.

تكمن العقدة الكأداء في مطالبة ترامب بتسليم 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب، وهو ما وصفته طهران بأنه “خيار غير مطروح للنقاش”. وفي تصريح يرفع سقف التوتر، لوّح ترامب باحتمالية التدخل لجمع اليورانيوم المدفون تحت المنشآت المتضررة، ما يجعل من مفاوضات باكستان المرتقبة الأسبوع المقبل الفرصة الأخيرة قبل الارتطام الكبير.

وفي المقابل، حاولت طهران فرض واقع سيادي عبر إعلان المجلس الأعلى للأمن القومي أن عبور السفن سيخضع لرسوم قسرية وشهادات ترانزيت، وهو ما رفضه البيت الأبيض جملة وتفصيلاً. وتهدف هذه الإجراءات الإيرانية إلى تحويل المضيق من ممر دولي إلى أداة ضغط عسكري مباشر، ما يحول الأزمة من نزاع تجاري إلى حالة حصار عسكري متبادل بين القوتين.

ناقلات النفط وسفن الشحن تصطف في مضيق هرمز كما بدت من مدينة خورفكان الإماراتية في الحادي عشر 11 مارس الماضي؛ هذا الازدحام الملاحي الذي كان يتدفق بانتظام يواجه اليوم شللاً تاماً وتوقفاً قسرياً، بعد أن تحول الممر المائي الأهم في العالم إلى ساحة حصار عسكري متبادل واشتباكات ميدانية بين القوات الأمريكية والإيرانية – الصورة لـ أسوشيتد برس عبر فوكس نيوز

مقامرة الطاقة: هل ينهار الاقتصاد العالمي في “الـ 21 ميلاً”؟

يمثل مضيق هرمز العماد الذي يقوم عليه أمن الطاقة العالمي؛ إذ تسبب النزاع حتى الآن في حجب خُمس إمدادات الخام العالمية. ويعكس التذبذب الحاد في الأسعار حالة “الهستيريا” في الأسواق؛ فبمجرد إعلان فتح المضيق مؤقتاً انخفضت الأسعار، لتعود للتحليق فور صدور أوامر الإغلاق واستهداف الناقلات الهندية.

يؤكد محللو أسواق النفط أن استمرار الانسداد سيدفع القوى الصناعية نحو ركود حتمي، خاصة وأن الحرب التي دخلت أسبوعها الثامن خلّفت خسائر بشرية فادحة شملت 3000 قتيل في إيران و2290 في لبنان، بالإضافة إلى 13 جندياً أمريكياً. هذا النزيف يضغط على صانع القرار في واشنطن، لكن ترامب لا يزال يراهن على أن طهران لن تصمد طويلاً أمام الشلل الاقتصادي.

ومع اقتراب “ساعة الصفر” للهدنة يوم الأربعاء، تترقب العواصم نتائج “اتفاق اليوم الواحد” الذي لوّح به ترامب. إن بقاء إمدادات الطاقة العالمية تحت رحمة الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري والمدمرات الأمريكية يجعل من هرمز أخطر بقعة جغرافية، حيث لا مجال للخطأ في الحسابات، والرهان هو استقرار المنظومة المالية الدولية برمتها.

مضيق هرمز: الـ 21 ميلاً التي تتحكم في مصير الاقتصاد العالمي، حيث يعبر نحو خُمس إمدادات النفط الدولية. هذه النقطة الجغرافية الضيقة تحولت بعد إغلاق 18 أبريل إلى “صاعق تفجير” بين طهران وواشنطن، لتصبح الميدان الأخطر لحرب “الخنق المتبادل” التي تحبس أنفاس أسواق الطاقة من الخليج وصولاً إلى مصافي آسيا – الصورة لـ سي آن بي سي

معادلة “حافة الهاوية” وإعادة تعريف أمن الطاقة

يقف المشهد الدولي اليوم أمام اختبار حقيقي لقواعد الاشتباك، حيث تجاوز الصراع كونه أزمة ملاحة ليتحول إلى معركة لكسر الإرادات الاستراتيجية. إن نجاح إدارة ترامب في فرض صفقة نووية شاملة عبر سياسة الخنق المتبادل يواجه “فيتو” ميدانياً إيرانياً يسعى لإثبات أن تعطيل تدفقات الطاقة يظل الورقة الأقوى لتقويض أي حصار أمريكي.

ومع اقتراب مهلة الأربعاء الحاسمة، تبرز الوساطة الباكستانية ككابح أخير لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة. إن أزمة أبريل 2026 لم تضع الاقتصاد العالمي في مهب الريح فحسب، بل أعادت رسم تراتبية الأولويات الجيوسياسية، مؤكدة أن “الـ 21 ميلاً” في هرمز هي الصاعق الذي يمتلك القدرة على تفجير المنظومة الدولية، أو إجبار الخصوم على الجلوس حول طاولة “تفاهمات الضرورة”.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل