كندا في قبضَةِ الخوارزمِيّات وصحافتها تحت حصار المنصّاتِ العملاقة
وسط زحام التغيير الرقمي المتسارع، تقف الصحافة الكندية عند مفترق طرق، تحاصرها خوارزميات المنصات العملاقة وتخنقها سياسات “وادي السيليكون”. وفي قلب هذا الصراع، يبرز قانون الأخبار الكندي المعروف بـ”سي-18″، الذي دخل حيّز التنفيذ في عام 2023، كأحد أكثر القوانين إثارةً للجدل في العلاقة بين الإعلام التقليدي ووسائل التواصل العملاقة مثل “ميتا” و”غوغل”.
بعد عامين من اعتماده، وتحديداً في يوليو 2025، يعود الجدل مجددًا حول ما إذا كان القانون قد ساهم فعليًا في حماية الصحافة الكندية، أم أنه فتح الباب أمام تصعيد غير مسبوق في نفوذ المنصات الرقمية، على حساب الجمهور والحق في الوصول إلى المعلومة.
في زمنٍ تُدار فيه ملامح المشهد الإعلامي عبر خوادم شركات التكنولوجيا، تجد الصحافة الكندية نفسها في صراع غير متكافئ ضد منصات رقمية تحكم قبضتها على تدفّق المعلومات. فقانون “الأخبار على الإنترنت” الكندي، الذي أقرّه البرلمان الفيدرالي، كان يهدف إلى فرض مبدأ التعويض المالي العادل على شركات التكنولوجيا مقابل عرض أو مشاركة المحتوى الإخباري على منصاتها.
غير أن ما بدا في ظاهره محاولة لحماية الصحافة المحلية من الانقراض، تحوّل عمليًا إلى صدام مفتوح بين الدولة الكندية ومنصات مثل “ميتا” (التي تدير فيسبوك وإنستغرام) و”غوغل”، وسط تأثيرات مباشرة على وصول المواطنين إلى الأخبار، وتداعيات غير مسبوقة على استقلالية وسائل الإعلام.
استند القانون إلى فرضية بسيطة، وهي أنه إذا كانت شركات التكنولوجيا تستفيد ماديًا من تداول المحتوى الإخباري الذي يُنتَج محليًا، فعليها أن تدفع مقابل ذلك. لكن الرد من “ميتا” كان صادماً، إذ قررت حظر جميع الروابط الإخبارية على منصاتها داخل كندا، في خطوة وصفتها الحكومة بـ”الابتزاز الرقمي”. أما “غوغل”، فاختارت مسارًا مختلفًا عبر توقيع اتفاقات مالية ثنائية مع بعض المؤسسات الإعلامية، لكن بشروط غير معلنة أثارت حفيظة قطاع واسع من الناشرين.

وبحسب دراسة حديثة صدرت عن “المعهد الكندي للسياسات الرقمية” في يوليو 2025، فإن حوالي 21 في المئة من الكنديين ما زالوا يعتمدون على فيسبوك كمصدر رئيسي للأخبار، في حين يلجأ 41 في المئة إلى منصات مثل إنستغرام وتيك توك كمصادر ثانوية. ومع حظر “ميتا” للمحتوى الإخباري، تراجعت نسبة الوصول إلى الأخبار المحلية بأكثر من النصف، ووصل التأثير إلى ذروته في المجتمعات الريفية والأقل تغطية، لا سيما في مناطق شرق كيبيك وسواحل المحيط الأطلسي، حيث أُجبرت بعض الصحف الصغيرة على وقف نشر محتواها الرقمي بالكامل بسبب فقدان جمهورها الرقمي.
من ناحيته، يقول جوناثان لوران، رئيس تحرير صحيفة محلية في مقاطعة نيوفاوندلاند: “لم نكن نبحث عن صدقات رقمية من المنصات، بل نريد فقط اعترافًا بأن العمل الصحفي له قيمة حقيقية. القانون في جوهره عادل، لكن رد فعل المنصات كشف مدى هشاشة منظومتنا الإعلامية.” ومع اتساع دائرة الحجب، لم تتأثر المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تأثر المواطن نفسه، إذ أصبح الحصول على الأخبار يتطلب جهدًا أكبر، في بيئة تغذيها المعلومات المضللة والمحتوى الخوارزمي الموجَّه.
في السياق ذاته، تحذّر أليسون ريد، أستاذة تكنولوجيا الإعلام في جامعة كولومبيا البريطانية، من أن “السلطة الحقيقية لم تعد بيد الحكومات أو وسائل الإعلام، بل انتقلت إلى خوارزميات لا تخضع لأي مساءلة ديمقراطية”. وتضيف: “لقد كشف قانون سي-18 عن مدى تعقيد العلاقة بين المنصات والدولة، وأثبت أن السيطرة على المعلومة لم تعد مسألة قانونية فقط، بل تقنية واقتصادية أيضًا”.
ومع أن “غوغل” تجنبت مواجهة “ميتا” عبر اتفاقيات مالية بلغت قيمتها الإجمالية نحو 100 مليون دولار سنويًا، بحسب ما أعلنته وزارة التراث الكندي، فإن توزيع هذه الأموال بقي محل تساؤل. فقد كشف تقرير لجنة الإعلام في مجلس العموم أن أكثر من 70 في المئة من تلك العائدات ذهبت إلى خمس مؤسسات إعلامية كبرى، بينما تُركت العشرات من الصحف المحلية والإذاعات المستقلة دون دعم يُذكر، ما قوّض الهدف الأساسي من القانون في حماية التنوع الإعلامي. وتشير ليزا ماكنتاير، المديرة التنفيذية لتحالف الصحافة المحلية الكندية، إلى أن “ما حدث هو استبدال هيمنة رقمية بهيمنة اقتصادية. بدلاً من احتكار المنصات، أصبح لدينا احتكار من داخل القطاع الإعلامي نفسه”.
لكن الجدل لا يتوقف عند الحدود الكندية. ففي أوروبا، وتحديدًا داخل البرلمان الأوروبي، جُمّدت مناقشات قانون مشابه إلى حين تقييم “النموذج الكندي” الذي بات مثار اهتمام دولي. وبحسب تقارير صحفية فرنسية وألمانية، فإن الحكومات هناك تتخوّف من رد الفعل العدائي المحتمل من الشركات ذاتها، والتي لا تتوانى عن استخدام قوتها التكنولوجية لفرض شروطها.
سياسيًا، حاول رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تبنّي موقف متوازن، إذ صرّح قبل أيام بأن حكومته “لن تسمح للشركات الأجنبية بفرض أجندتها على الديمقراطية الكندية، لكنها مستعدة لمراجعة القانون بما يضمن الشفافية والعدالة في التوزيع”. وتشير مصادر داخل وزارة التراث إلى أن الحكومة تدرس إمكانية إدخال تعديلات على القانون في الخريف المقبل، تشمل إنشاء صندوق مستقل لدعم الصحافة المحلية بتمويل مختلط من الدولة والمنصات، بالإضافة إلى آلية تفاوض شفافة وملزمة لجميع الأطراف.
وفي ظل هذا المشهد المتداخل، يبدو أن المعركة لم تُحسم بعد. فالقضية تتجاوز مجرد قانون محلي أو خلاف مالي، إلى صراع أوسع حول مستقبل الصحافة في العصر الرقمي. فهل تستطيع كندا أن تفرض نموذجًا متوازنًا يُحتذى عالميًا؟ أم أنها ستصبح مثالًا على فشل التشريعات التقليدية في مواجهة نفوذ الشركات العابرة للحدود؟ في خضم هذه الأسئلة، يبقى المواطن الكندي في المنتصف، يبحث عن خبرٍ موثوق، في زمن أصبحت فيه الحقيقة مشروطة بموافقة خوارزمية.



