مونديال 2026 تحت الحصار: هل تنجحُ كندا في حمايةِ ملاعبها من سطوة الأمن الأمريكيّ؟
أوتـاوا | بينما تشخص أبصار عشاق الساحرة المستديرة نحو الثاني عشر من يونيو 2026، حيث يستعد ملعب “بي إم أو فيلد” في مدينة تورنتو لاستقبال صافرة البداية في مواجهة كندا التاريخية أمام البوسنة والهرسك، لا يدور الصراع الحقيقي خلف الكواليس حول الجاهزية الفنية لمنتخب “الحمر” الكندي فحسب، بل يتجاوزه إلى معركة سيادية شرسة.
فخلف صخب الجماهير وتحضيرات “الاتحاد الدولي لكرة القدم”، يتصاعد غبار أزمة أمنية ودبلوماسية خانقة، فجّرها شبح تواجد عناصر “وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية” في المدن الكندية المستضيفة، مما وضع المونديال أمام اختبار قاس، فهل ستبقى الملاعب الكندية ساحة للرياضة، أم ستتحول إلى ثكنات تحت الوصاية الأمنية العابرة للحدود؟
هذه المواجهة، التي تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، وضعت الحكومة الفيدرالية في أوتاوا أمام ضغوط نارية من قبل البلديات والمنظمات الحقوقية، تزامناً مع استضافة تورنتو وفانكوفر لثلاث عشرة مباراة مصيرية، فالشارع الرياضي الكندي، الذي ينتظر الاحتفاء بأول مونديال على أرضه، بات يخشى من “عسكرة” البطولة في ظل وجود مكاتب دائمة للوكالة الأمريكية في خمس مدن كندية كبرى.

بين السيادة الكندية والبراغماتية الأمنية: موازين القوى في الملاعب
مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات، حاولت وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية احتواء الموقف عبر بيان دفاعي أكد فيه المتحدث الرسمي باسمها أن عناصر الوكالة في كندا لا يحملون أسلحة نارية، ولا يمتلكون صلاحية تنفيذ اعتقالات أو مذكرات تفتيش على الأراضي الكندية، وأوضح البيان أن دور عناصر “تحقيقات الأمن الداخلي” يقتصر على التحقيقات المشتركة العابرة للحدود المتعلقة بتهريب السلاح والمخدرات والبشر.
إلا أن هذا التوضيح لم ينجح في تهدئة عمدة تورنتو، “أوليفيا شو”، التي قادت تحركاً تاريخياً داخل مجلس المدينة، ممررةً قراراً يرفض بشكل قاطع أي انخراط لعناصر الوكالة في تأمين مباريات كأس العالم، معتبرة أن أمن المونديال هو حق سيادي لا يقبل الشراكة مع وكالات أجنبية ذات سجل حقوقي مثير للجدل، وهو الموقف الذي أيده قطاع واسع من الشارع الرياضي المطالب باستقلالية التنظيم.
من جانبها، لجأت الحكومة الفيدرالية إلى الصمت الدبلوماسي المطبق، محاولةً السير على حبل مشدود بين إرضاء الشريك الأمريكي وضمان السيادة الوطنية، وفي حين تهرّب مكتب وزيرة الخارجية “أنيتا أناند” من الرد المباشر، اكتفى المتحدث باسم وزير السلامة العامة، “سيمون لافورتون”، بالتأكيد على أن الوكالة الأمريكية لا تملك أي سلطة أو ولاية قضائية على التربة الكندية، وأن أجهزة إنفاذ القانون الوطنية هي المسؤول الوحيد عن تأمين المونديال.

منظمة العفو الدولية ترفع الكارت الأحمر: شبح العمليات المسلحة يهدد الجماهير
لم تتوقف الضغوط عند حدود مجلس مدينة تورنتو، بل امتدت لتشمل تحذيرات دولية صارمة، حيث أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً صادماً وصف تواجد عناصر الوكالة الأمريكية في كندا خلال البطولة بالمخاطرة الأمنية الفادحة، وحذرت “جوليا ساندي”، الناشطة في المنظمة، من أن تاريخ الوكالة في استخدام أساليب شبه عسكرية واقتحام المنازل تحت الإدارة الأمريكية الحالية، سيؤدي حتماً إلى خلق حالة من الرعب الجماهيري.
ويرى المراقبون أن وجود هؤلاء العناصر، حتى لو كانوا عزلاً، قد يشعل شرارة احتجاجات عارمة في شوارع فانكوفر وتورنتو، خاصة إذا ما اصطدمت الجماهير بعناصر أمنية أجنبية، مما قد يخرج البطولة عن مسارها الرياضي ويحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، كما أن هذا التوتر الأمني يتزامن مع مأساة إنسانية كشفت عنها الإحصائيات، حيث توفي ما لا يقل عن ستة وثلاثين شخصاً، من بينهم مواطن كندي، داخل مراكز احتجاز الوكالة الأمريكية منذ مطلع عام 2025.
هذه الأرقام زادت من حنق الشارع الرياضي، الذي يرى في استضافة وكالة بهذا السجل وصمة عار في جبين المونديال الذي يرفع شعار الشمولية، ويؤكد خبراء الجريمة، ومنهم البروفيسور “مارك كيرستن”، أن السؤال الجوهري هو: لماذا يُسمح لهذه الوكالة بالعمل في كندا أصلاً؟، معتبراً أن التطمينات الحكومية ليست سوى مسكنات لا تمس صلب الأزمة المتعلقة بالسيادة الوطنية وحماية حقوق المشجعين الوافدين من دول قد تكون مستهدفة من قبل سياسات الهجرة الأمريكية المتشددة.

الرهان على السيادة: هل ينجو مونديال 2026 من الفخ الأمني؟
مع اقتراب العد التنازلي لمباراة الافتتاح، يجد الاتحاد الكندي لكرة القدم نفسه في موقف لا يحسد عليه، فبينما يركز الطاقم الفني على تخطي عقبة البوسنة والهرسك، يظل الفخ الأمني هو التهديد الأكبر لنجاح البطولة، إن محاولات وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية التشبث بدور في تأمين الأحداث الرياضية الكبرى سلفاً، واستغلال ثغرات التعاون الأمني، تجعل من تأكيدات أوتاوا بأن الأمن كندي خالص محل اختبار حقيقي.
فالجمهور الكندي، المعروف بوعيه الحقوقي، لن يكتفي بالتطمينات الشفهية، وقد تتحول المدرجات إلى منصات للاحتجاج السياسي إذا ما رُصد أي تحرك مريب لعناصر الوكالة داخل الحرم الرياضي، وفي نهاية المطاف، يبقى نجاح كندا في استضافة هذا الحدث الكوني رهيناً بقدرتها على تحرير ملاعبها من أي نفوذ أمني خارجي يمس كرامة المشجع أو سيادة الدولة، بعيداً عن أي تدخلات قد تعكر صفو الاحتفال.
إن لغة المصالح بين أوتاوا وواشنطن يجب ألا تطغى على لغة الكرة التي تجمع الشعوب، فالمونديال هو رسالة حرية، وأي تسلل أمني من قبل الوكالة الأمريكية إلى قلب الملاعب لن يُحتسب إلا هدفاً عكسياً في مرمى الدبلوماسية والرياضة الكندية على حد سواء، فالقرار الآن بيد الحكومة الفيدرالية، إما ملاعب آمنة بسيادة وطنية كاملة، أو بطولة تلاحقها لعنة الخوف والتدخلات الأجنبية حتى صافرة النهاية.



