أرتميس تطوي زمن “أبولو 13” وتبلغ أبعد نقطة في تاريخ الإنسان
في وثبة تاريخية أعادت صياغة حدود الطموح البشري، نجحت مهمة “أرتميس 2” في تحطيم الرقم القياسي العالمي لأبعد مسافة يبلغها الإنسان بعيداً عن كوكب الأرض، طاويةً بذلك صفحة “أبولو 13” التي ظلت صامدة لأكثر من نصف قرن.
ومع تجاوز الكبسولة “أوريون” حاجز الـ 400 ألف كيلومتر، أعلن الرواد الأربعة سيادتهم كأكثر الكائنات البشرية توغلاً في عمق الفضاء السحيق منذ فجر التاريخ، وسط توقعات من وكالة “ناسا” بتخطي عتبة الـ 406 آلاف كيلومتر مع استمرار المهمة في بلوغ أقصى نقاط مدارها المخطط له.
هذه الملحمة الإنسانية التي جسدها رائد الفضاء الكندي “جيريمي هانسن” ورفاقه الثلاثة، تجاوزت لغة الأرقام الجافة؛ فبينما كانت المركبة تسبح في مدار “العودة الحرة”، وصف هانسن مشهد القمر من تلك المسافة الشاهقة بقوله: “سيبدو من هنا مثل كرة سلة تلوح أمامك على مسافة ذراع”.
وفي تلك اللحظات، حبست أنفاس مركز التحكم بـ “هيوستن” أثناء عبور الطاقم خلف “الجانب البعيد” للقمر، حيث غرقوا في سكون لاسلكي مطبق لمدة 40 دقيقة، واجهوا خلالها صمت الكون بمفردهم قبل أن تنبعث الإشارات مجدداً معلنةً نجاح المناورة.

سيادة فضائية خلف مدارات الصمت
اجتازت “أوريون” الجانب المظلم من القمر في تعتيم اتصالي كامل، مما أتاح فرصة ذهبية لإجراء رصد جيولوجي مباشر تحت وهج كسوف شمسي نادر. وقد انهمك الرواد في توثيق معالم سحيقة مثل “حوض أورينتال” الأثري، وهو ما علقت عليه الخبيرة الجيولوجية “كيلسي يونغ” بالقول: “الناس في جميع أنحاء العالم يرتبطون بالقمر، وهذا حدث يمكن لكل شخص على هذا الكوكب أن يشعر بالانتماء إليه”.
غير أن هذه الغبطة العلمية لم تخلُ من التحديات؛ حيث أكد المسؤولون التقنيون، جاد فريلينج ودبي كورث، استمرار الجهود لمعالجة أعطال متكررة في “نظام الصرف الصحي”، مما وضع الأنظمة الحيوية للكبسولة تحت اختبار حقيقي للتحمل في بيئة منعدمة الجاذبية، مبرهناً على تعقيد المهام الاستكشافية طويلة المدى.
مسار “العودة الحرة” نحو الهادئ
تتأهب المركبة الآن لمغادرة النطاق القمري يوم الثلاثاء، متخذةً مساراً فيزيائياً دقيقاً يشبه الرقم “8” للعودة نحو كوكب الأم، وهو تكتيك مداري يعتمد على التناغم الفائق بين القوى السماوية لضمان وصول آمن بأقل استهلاك ممكن للوقود.
ومن المقرر أن تنتهي هذه الرحلة الأسطورية بهبوط مائي في المحيط الهادئ قبالة سواحل “سان دييغو” يوم الجمعة القادم، لتُسدل الستار على تسعة أيام من الاختبارات الشاقة التي أثبتت جاهزية البشرية لاستعادة مكانتها فوق التراب القمري؛ مؤكدة أن عصر “أرتميس” قد بدأ بالفعل ليتجاوز أمجاد الماضي ويؤسس لمستقبل استيطاني جديد في أعماق الفضاء.





