الذّكاءُ الاصطناعِيّ في كندا بين طفرة الابتكار وتحدّيات الأخلاق والخُصوصيّة
في ظل التسارع المحموم لثورة الذكاء الاصطناعي عالميًا، برزت كندا في الأشهر الأخيرة كأحد المراكز المحورية في هذا القطاع، سواء من حيث الأبحاث أو البنية التكنولوجية أو سياسات الحوكمة. لكن هذا التقدم يصاحبه جدل واسع حول مخاطر الخصوصية، الأمن السيبراني، وأثر الأتمتة على الوظائف، ما يجعل الملف اليوم من أبرز قضايا الرأي العام في البلاد.
وفقًا لتقرير حديث صادر عن “المجلس الكندي للابتكار”، تستثمر أوتاوا ما يزيد على 2.5 مليار دولار خلال ثلاث سنوات لتعزيز البنية التحتية الرقمية وتطوير القدرات البحثية في مجالات الذكاء الاصطناعي المتقدم، بما يشمل معالجة اللغة الطبيعية، الروبوتات، وأنظمة التعلّم العميق. ويشير التقرير إلى أنّ الحكومة الفيدرالية تعتبر هذه الاستثمارات “خطوة استراتيجية” لضمان بقاء كندا ضمن الصفوف الأولى عالميًا في السباق نحو اقتصاد المعرفة.
من جهتها، نقلت صحيفة “ذا غلوب أند ميل” الكندية عن خبراء قولهم إن مدنًا مثل تورونتو ومونتريال وفانكوفر أصبحت منصات جذب للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، مدعومة بوجود جامعات ومختبرات بحثية متقدمة. ويضيف الخبراء أن كندا استفادت من سمعتها في مجال السياسات التكنولوجية الأخلاقية لجذب شركات عالمية كبرى مثل “غوغل” و”مايكروسوفت” و”آي بي إم”، التي أنشأت مراكز أبحاث متخصصة في البلاد.
لكن في مقابل هذه الإنجازات، يزداد القلق حيال الاستخدامات المثيرة للجدل لهذه التقنيات. فقد حذرت “مفوضية الخصوصية الكندية” مؤخرًا من أن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي في القطاعين العام والخاص قد يفتح الباب أمام انتهاكات واسعة لبيانات المواطنين إذا لم تُعزّز أطر الحماية والشفافية. وأوضحت المفوضية، في بيان رسمي، أن أنظمة التعرف على الوجه والتتبّع الذكي في الأماكن العامة “تثير مخاطر حقيقية على الحريات الفردية إذا لم تُقنن بشكل صارم”.

وفي السياق نفسه، كشف تقرير لشبكة “سي تي في نيوز” أن أكثر من 42% من الشركات الكندية العاملة في المجال التقني بدأت باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات التوظيف والفرز الوظيفي، ما يثير مخاوف من احتمالات التمييز الخوارزمي ضد مجموعات معينة، خاصة المهاجرين والأقليات. ويشير التقرير إلى أن غياب لوائح دقيقة يترك المجال مفتوحًا أمام خروقات قد يصعب كشفها.
الأمر لا يتوقف عند الخصوصية، بل يمتد إلى الأمن الوطني. فقد أكّد مركز “كانسيك” المتخصص في الدراسات الأمنية أن أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت هدفًا متزايدًا لهجمات سيبرانية، خصوصًا مع اندماجها في قطاعات حيوية كالنقل والطاقة والرعاية الصحية. وحذّر المركز من أن أي اختراق لتلك الأنظمة قد يؤدي إلى شلل في البنية التحتية الحيوية أو تلاعب في البيانات الطبية والمالية.
أما في سوق العمل، فقد نشر “معهد فريزر” دراسة توقعت أن يؤدي التوسع في الأتمتة والذكاء الاصطناعي إلى تغيّر جوهري في طبيعة الوظائف خلال العقد المقبل، مع احتمال فقدان ما يقرب من 1.7 مليون وظيفة تقليدية، مقابل خلق فرص جديدة في مجالات البرمجة، تحليل البيانات، وصيانة الأنظمة الذكية. غير أن الدراسة شددت على أن هذا التحول يتطلب إعادة تأهيل شاملة للقوى العاملة وتطوير مهارات رقمية متقدمة.
الحكومة الكندية، من جانبها، تؤكد أنها واعية لهذه التحديات. ففي خطاب ألقته وزيرة الابتكار والعلوم والصناعة، شددت على أن “تطوير الذكاء الاصطناعي يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع وضع أطر تنظيمية صارمة تحمي المواطنين وتضمن الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا”. كما أعلنت عن نية الحكومة إطلاق “سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي” بحلول ربيع 2026، لتشمل قواعد خاصة بالشفافية، قابلية المحاسبة، وضمان عدم التحيز الخوارزمي.
المجتمع المدني يضغط بدوره باتجاه مقاربة أكثر حذرًا. فقد أطلقت منظمات حقوقية كندية عريضة تطالب بفرض “تجميد مؤقت” على بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر، إلى حين وضع إطار قانوني متكامل. ويقول ناشطون إن التسرع في تبني هذه التقنيات من دون ضوابط قد يقود إلى “تآكل تدريجي للحقوق والحريات” تحت غطاء الابتكار.
ويذهب بعض الأكاديميين إلى أبعد من ذلك، محذرين من أن السباق العالمي نحو السيطرة على سوق الذكاء الاصطناعي قد يضع كندا أمام معضلة استراتيجية: إما الانخراط الكامل في المنافسة وما تحمله من مخاطر، أو تبني نهج أكثر تحفظًا قد يبطئ الابتكار. وفي هذا الإطار، يرى خبراء جامعة ماكغيل أن “المعادلة الصعبة تكمن في تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي السريع وحماية القيم الديمقراطية”.
في المحصلة، تبدو كندا اليوم أمام مفترق طرق حاسم في مسارها التكنولوجي. فهي من جهة تسعى لترسيخ موقعها كقوة عالمية في الذكاء الاصطناعي، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطًا متزايدة لضبط إيقاع هذا التقدم بما يضمن أمن المواطنين وحقوقهم. وبين الحماس للابتكار والتحذير من مخاطره، سيبقى الجدل محتدمًا، فيما يترقب الكنديون بقلق وحذر ما ستسفر عنه السياسات المقبلة في هذا المجال شديد الحساسية.




