برنامـج مـقابلة

الرسّـامُ اللبنـانيّ-الكنـديّ سمير غانم في حوار خاصّ لـ “هنا كندا”

شغفي بالرّسم جعلني أترك دراسة العلوم السّياسية. لم أتلقّ دعماً عربياً رسمياً؛ لبنان همّشتني وكندا احتوتني.

ضيف برنامج مقابلة لهذا الأسبوع هو الفنان البارز في عالم الرسم، سمير غانم، الذي تمتد مسيرته كأحد رواد الفن المرئي الكندي المعاصر لأكثر من ثلاثة عقود. خلال هذه المسيرة، ركّز على الطبيعة والإنسان معًا، حيث لقيت أعماله الإبداعية رواجًا كبيرًا واهتمامًا من الهيئات الكندية الرسمية وغير الرسمية. تُعرض رسوماته ولوحاته الفنية بشكل بارز في مجموعات خاصة ومؤسسية في أربع قارات.

الأستاذ سمير، أنت لبناني الأصل، وحاصل على شهادة الليسانس في العلوم السياسية من لبنان، بالإضافة إلى شهادة في الجيولوجيا من الاتحاد السوفيتي سابقًا عام 1976. غادرت وطنك الأم إلى كندا بعد ذلك بعام، وحصلت على درجة الماجستير في العلوم السياسية من إحدى الجامعات الكندية عام 1977. في السنة نفسها، قررت التركيز على هوايتك الفنية في عالم الرسم، متخليًا عن مسارك العلمي والشهادات التي حصلت عليها لتبدأ رحلتك في عالم الفن.

سيد سمير، كيف بدا لك هذا القرار في تلك اللحظة؟

في الحقيقة، القرار لم يكن سهلًا. لقد حضرت بعض المعارض ودرست الفنون عندما كنت شابًا في سن الثامنة عشرة في الجامعة اللبنانية، بحكم حبي للفن والرسم. لكنني توقفت عن الدراسة في سنتي الأولى بالجامعة بسبب خلافي مع بعض الأساتذة، إذ كنت أشعر بالغرور نوعًا ما دون إدراك. كنت أعتقد أنني أفضل منهم جميعًا، وهذا كان خطأ فادحًا، لأنني لم أكن أمتلك أي تجربة أو خبرة عملية. كان بإمكاني الاستفادة من خبرتهم واختصار الطريق.

فيما بعد، تركت دراسة الفنون وانتقلت إلى دراسة العلوم السياسية في بيروت بناءً على طلب عائلتي. بعد ذلك، قررت السفر إلى كندا لممارسة مهنة الرسم. بمساعدة إخوتي، وجدت التشجيع اللازم لاتخاذ هذه الخطوة. وبعد فترة، عرضت لوحاتي، التي بلغ عددها 100 لوحة، في معرض. حضر المعرض في ذلك الوقت عدد كبير من الكنديين، وكانوا سعداء بما قدمته.

كيف بدأت عملك كرسام في أوتاوا؟ وبعبارة أدق، ما هي الأشياء التي اعتمدت عليها حتى أصبحت رسامًا مشهورًا هنا في كندا؟

في البداية، بدأت بأمور بسيطة؛ فقد منحني إخوتي الأكبر مني زاوية خاصة في معمل البطاطا المملوك للعائلة لممارسة الرسم بدلًا من الرسم في المنزل. تعرفت على بعض الفنانين الكنديين، ومع مرور الوقت، شعرت أن لدي مهارات تميزني عن العديد من الرسامين الكنديين، وازداد عدد لوحاتي حتى أصبح يُقدر بالمئات، ما زاد من ثقتي بنفسي. كنت أعمل لساعات طويلة جدًا، وبذلت جهدًا كبيرًا في تطوير مهارتي.

لاحقًا، قررت إقامة معارض لعرض أعمالي. في إحدى هذه المعارض، استدعيت فنانين وضيوفًا من مختلف الفئات، بما في ذلك زبائن ومهتمين بالفن. قدم لي بعضهم التهاني والتشجيع، مما دفعني للاستمرار في تقديم لوحات فنية مميزة. لكنني في الوقت ذاته واجهت انتقادات مسيئة ومحبطة في بدايات مسيرتي.

أتذكر جيدًا موقفًا حدث في معرض أقمته في فندق “شاتو لورييه” بأوتاوا، حيث قامت إحدى السيدات، وبغرور واضح، بالتعليق قائلة: “نحن الأسكتلنديون، ما هذا الفن؟ لا يوجد من هو أفضل منا أو يشبهنا”، ثم غادرت. فتاة أخرى تجاهلت لوحاتي تمامًا واتجهت مباشرة إلى دفتر التعليقات، حيث كتبت بسخرية: “عُد إلى المربع الأول”. أما امرأة ثالثة، وهي أخت لسيناتور من أصل لبناني، فقالت لي: “لديكم القليل من الأموال، من أنتم لتقيموا معرضًا بهذا الحجم؟ ماذا تظن نفسك؟!”.

رغم قساوة هذه المواقف، اعتبرت نجاحي تحديًا أمام هذه العقبات. إلى جانب ذلك، كنت من محبي القراءة والاطلاع على الكتب، وكانت لدي رغبة قوية في التقرب من الأجواء الأدبية. النقاشات الفكرية التي كنت أجريها مع إخوتي في المنزل ساعدتني أيضًا في تطوير رؤيتي ومهاراتي الفنية.

هل طُلب منك فعلاً تغيير اسمك مع بدايات عملك كرسام في كندا؟

نعم، حدث ذلك، خاصة بعد أن أصبحت معروفًا بعض الشيء (لم أذكر الأسماء). بدأت الوفود والشخصيات البارزة في كندا حضور المعارض التي كنت أقيمها، وكانوا معجبين بلوحاتي. بعضهم كان يرغب في الحصول على توقيعي على البطاقة، بينما شخصيات حكومية ورؤساء منظمات خاصة كانوا يزورونني بانتظام، ويشترون لوحاتي. أتذكر أن بعضهم قال لي: “أنت هدية لكندا.”

حتى يكون القراء على اطلاع، هناك تشابه في الأسماء بينك وبين الفنان المصري والممثل سمير غانم. هل شكل هذا الاسم الشهير حافزًا لك في مجالك الفني؟

في الحقيقة، لم أكن أعرف الفنان المصري سمير غانم عندما سافرت إلى كندا، لأنني كنت صغيرًا في السن. وعندما عدت في أول زيارة قصيرة إلى لبنان، سألني مسؤول الجمارك في مطار بيروت: “هل أنت هو الفنان المشهور سمير غانم؟” تعجبت قليلًا وقلت لنفسي: “كيف عرف هؤلاء أنني فنان؟” وحين وصلت إلى البيت، أخبرت ابنة عمي بما حدث، فضحكت وقالت لي: “لقد كانوا يقصدون الفنان المصري.” بعدها بسنوات، تواصل معي ذات الفنان وكتب على موقعي الإلكتروني تقديرًا لقيمة لوحاتي الفنية، مع أنه لم يكن بيننا أي تواصل مباشر.

في الثمانينات كان لديك مكان خاص لعرض لوحاتك الفنية. ما الذي دفعك للتخلي عنه والتوجه للرسم في مكان آخر؟

بعد فترة من إقامتي في كندا، بدأت أعمالي تلقى رواجًا كبيرًا. فكرت حينها في فتح معرض خاص بي ونجحت في استقطاب فنانين دوليين من دول مختلفة، من بينهم بعض الرسامين العراقيين. كان العراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين يدعم الفن بشكل كبير، وقد نظم الفنانون العراقيون عروضًا فنية حول العالم، بما في ذلك عرض أقاموه في كندا. هذا العرض كان فرصة لي للتواصل والتعرف على الفن العراقي.

كمساهمة مني لدعم الفن العربي، قررت فتح معرض خاص بالعراق وبالفن العربي عمومًا. استدعيت رسامين عراقيين وعددًا من السفراء العرب للمشاركة في المعرض. وضعت شرطًا صارمًا أمام السفارات التي تواصلت معها، وهو عدم التطرق إلى الرموز السياسية العربية أو عرض صورهم الشخصية في المعرض، لأنني لم أرغب في أن يتحول الفن إلى مساحة للتجاذبات السياسية.

هل ربطت اتصالات مع سفراء دول عربية؟ ومن هم بالضبط؟

نعم، ربطت اتصالات مع بعض السفراء، وكنت أخبرهم بأنه يجب علينا تقديم صورة إيجابية ومتميزة عن العالم العربي من خلال الفن والرسم، والتأكيد على أننا شعوب تتمتع بفن وحضارة راقية. السبب وراء اتصالي بالسفراء كان دعمي في استدعاء الفنانين وإعطاء أهمية كبيرة للمعارض التي كنت أقيمها، خاصة وأنها كانت معارض ضخمة، وغالبًا ما كانت لوحاتي تُشترى من قِبل أثرياء في كندا. كان الهدف هو تعريف الكنديين بالفن العربي وتسليط الضوء عليه.

من بين السفراء الذين التقيتهم، كان السفير الجزائري الأسبق محمد الصالح دمبري. لقد أهديته إحدى لوحاتي الفنية، وكان مهتمًا جدًا بفني والرسومات التي أقدمها. كانت بيننا علاقة خاصة وزيارات متبادلة.

لكن للأسف، بعض السفراء الآخرين كانوا يترددون أو يخشون التعامل معي بسبب أفكاري وخلفيتي السياسية. ومع ذلك، لم أطلب شيئًا ماديًا من أي من هؤلاء السفراء. كان هدفي الوحيد هو إعطاء قيمة للفن العربي وإبرازه أمام المسؤولين والشخصيات الكندية لا أكثر.

في عام 1990، كان لديك اتفاق خاص مع شركة تسويق في مدينة تورنتو. كيف جرى ذلك الاتفاق؟

السبب في ذلك هو أنني أقمت معرضًا لعرض لوحاتي في أوتاوا. كان هناك بعض الأشخاص الذين أبدوا إعجابًا كبيرًا بأعمالي، وعرضوا عليّ صفقة لشراء لوحاتي. وبموجب هذا الإعجاب، تم الاتفاق بيني وبين شركة خاصة بالتسويق في تورنتو.

ما هو أكبر سعر بيعَت به إحدى لوحاتك الفنية؟ وهل ترى أن هذا السعر يعكس قيمتها الفنية الحقيقية؟

الرسام سمير غانم يقف بجانب لوحة تعكس جمال الطبيعة وتنوعها، بما في ذلك الأشجار، الأحجار، تناقضات الأولون وانعكاسات الضوء-الصورة لـ هنـا كنـدا

لوحاتي ليست رخيصة الثمن، لكنها أيضًا ليست غالية كما قد يتوقع البعض. أغلى قطعة فنية قمت ببيعها كانت بمبلغ 25 ألف دولار لشخص كندي. الإقبال على مثل هذه اللوحات الفنية يقتصر بشكل رئيسي على الأشخاص الذين يتمتعون بثقافة خاصة ولديهم قدرات مالية جيدة. فالقليل من الناس يمتلكون القدرة على تحمل مثل هذه المصاريف، على عكس العديد من أصدقائي المثقفين في أوتاوا الذين لا يستطيعون شراء مثل هذه اللوحات بسبب دخلهم المحدود مقارنة بفئات أخرى ذات دخل أعلى.

كم عدد اللوحات الفنية الأصلية التي قمت ببيعها منذ بداية عملك كرسام؟

قمت ببيع حوالي 1600 لوحة فنية بمختلف أشكالها. كما أنني أحتفظ بنسخ تحتوي على قيمتها المالية وأسماء الأشخاص الذين قاموا بشراء هذه القطع الفنية.

هل كانت هناك مؤسسات أو جهات عربية هنا في كندا مهتمة بمساعدتك أو على الأقل الترويج للوحاتك ورسوماتك؟

لا أعتقد، ولكن كانت هناك محاولات فردية من بعض الأطراف التي ربما كانت معجبة بهذا النوع من الفن. كانوا يقدمونني لسفراء وشخصيات من خلفيات عربية، بالإضافة إلى اهتمامي أيضًا بالعمل الجمعوي وبعض الأنشطة في جامعة أوتاوا على سبيل المثال.

متى استدعَتْك سلطات بلدك لبنان للمشاركة في التظاهرات التي أقامتها؟

تقريبًا، كنت ضد أغلب الحكومات المتعاقبة في لبنان وحتى ضد سفراء بلدي هنا في أوتاوا. في فترة ما، دعوني للتخلي عن فكر العروبة والثقافة العربية والتمسك فقط بلبنان، وأن أركز فقط على الإشارة إليها في الملتقيات والندوات التي كنت أقيمها هنا في كندا. لكن هذا الطلب لقي اعتراضًا شديدًا مني وتسبب في خلاف كبير بيني وبين هؤلاء.

انطلاقًا من تجاربك الحياتية والفنية هنا في كندا واحتكاكك بالجالية العربية خصوصًا في أوتاوا، من وجهة نظرك الخاصة، هل الجالية هنا في كندا بحاجة ماسة للثقافة والفن؟

الرسام سمير غانم يقرا كتاب بعنوان الطريق-الصورة لـ هـنا كنـدا

هذا الموضوع نوعا ما طبقي ومرتبط بطبقة معينة. الشخص الذي همه الأكبر امتلاك سيارة، كيف يمكن أن تقنعه بمعرض للرسم والفن؟ حادثة طريفة حدثت معي، امرأة من طبقة ثرية هنا في كندا سألتني في إحدى المعارض التي أقمتها: “ما هي أغلى لوحة فنية لديك؟”، قلت لها: “هذه”. قالت لي: “أريدها، ولكن بشرط تعال معنا للبيت وقم بتعليقها بنفسك، كونك رسام يمتلك ذوقًا راقيًا.” دخلت لبيتها العائلي فوجدت أن هذه العائلة تمتلك كل شيء.. كل شيء، وأيضا يعلقون لوحات مختلفة في بيت ضخم. رأيت أشياء ثمينة، لكن ليس هناك أي تنسيق بينها. قلت لها: “أنت لست بحاجة للوحات فنية، ولكن عليك أن تعطي قيمة لهذه الأشياء الثمينة من خلال إعطاء نظرة أو قيمة جمالية لها.”

كمهاجر ورسام عربي، هل حققت كل أحلامك فوق الأراضي الكندية؟

في الحقيقة، لم تتحقق كل أحلامي، ولم يكن لي دافع مالي من وراء هذه المهنة. مارستُ الرسم كهواية، وهذا هو سبب تعلقي به، لأنني كنت أحب الأشياء الجميلة. كنت أطمح أن تنتشر أعمالي عالميًا، وللأسف، تسبب فيروس كورونا في توقف أعمالي. رغم أن لوحاتي بيعت في مختلف أنحاء العالم، إلا أن ذلك لم يكن بالشكل الذي كنت أتمناه وأطمح إليه.

في ختام حوارنا هذا سيد سمير، هل هناك كلمة يمكن أن توجهها للقراء، خاصة لأبناء الجالية العربية في كندا؟

رسالتي للمهاجرين، وخاصة للشباب، هي أن يُدركوا حقيقة هذه البلاد والإمكانات التي تُقدمها كندا لمواطنيها والمقيمين فيها على حد سواء. عليهم أن يُقدروا قيمة الإيجابيات المتوفرة هنا مقارنة بما هو موجود في دولنا. على الرغم من فخري واعتزازي بعروبتي، إلا أنه عندما أنظر لما تعانيه بلداننا وشعوبنا هناك، أشعر بالخجل وأحيانًا أتأسف وأتألم.

في كندا، لا يوجد شيء يُعطى مجانًا؛ فكل شيء يتم الحصول عليه بعد العمل الجاد والاجتهاد. هناك حقوق تُمنح للمقيمين هنا، والمساعدات التي تقدمها الحكومة تُسهم في تحسين حياتهم. علينا أن نُقرّ بهذا الفضل. هذا الأمر، للأسف، غير متوفر في أوطاننا الأصلية حيث تُهضم حقوق الناس بشكل فظيع.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل