برنامـج مـقابلة

جمال الشريف | الطبيب الدّولي الحائز على جائزة كندا الفخرية يروي تجاربه التطوّعية وخدماته الإنسانيّة في حوار خاص لـ “هـنا كنـدا”

في بـرنامج مقـابلة على منصة “هـنـا كــندا” الإخبارية، نستضيف الدكتور جمال الشريف، الطبيب والجراح والمشارك الفاعل في العمل التطوعي والمجتمعي. امتدت مسيرة الدكتور شريف بين عدة دول وتجارب أكاديمية وعملية متنوعة، وقد كرّس جهوده لخدمة الأطفال والمجتمعات من خلال مؤسسته الإنسانية “البشرية من أجل السلام”. خلال هذه المقابلة، يناقش الشريف تجربته الشخصية والمهنية، ويشارك رؤاه حول التطوع، الاندماج الاجتماعي، ودور المهاجرين في تعزيز المجتمع الكندي.

دكتور جمال، مرحبًا بك. نبدأ من الخلفية الشخصية والمسار المهني الدولي. هل يمكنك أن تحدثنا عن رحلتك من الأردن وفلسطين إلى كندا، مرورًا بدراستك في أوروبا الشرقية وإقامتك في الصين، وكيف أسهمت هذه التجارب المتنوعة في تشكيل شخصيتك ومسارك المهني، وتأثيرها على توجهك نحو العمل التطوعي والمجتمعي؟

د. الشريف: في البداية، أشكركم على الاستضافة، وأشكر منصتكم الإخبارية على هذه الفرصة الرائعة، وأتمنى لكم كل التوفيق والنجاح.

هناك بلد قد نسيته، وهو من أحب البلدان إلى قلبي، رغم أنني لم أزره بعد أن غادرته، وهو ليبيا، مكان ولادتي. وُلدت في ليبيا، ثم عدنا إلى الأردن عندما كنت في سن صغيرة. أنا أردني من أصل فلسطيني من مدينة الخليل، وعشت في عمّان، عاصمة الجمال والثقافة، المدينة التي أحبها وأعتز بها كثيرًا.

بحكم عمل والدي، تنقّلنا بين أكثر من بلد، وهو ما أتاح لي الاحتكاك بثقافات وتجارب مختلفة منذ سن مبكرة. أنهيت دراستي الثانوية في الأردن، ثم انتقلت بعد ذلك إلى أوروبا الشرقية لدراسة اللغة، قبل أن أبدأ دراسة طب الأسنان في جامعة القرم للدراسات الطبية، حيث قضيت خمس سنوات كانت من أجمل مراحل حياتي.

بعد عودتي إلى الأردن، حصلت على ترخيص مزاولة المهنة من المرة الأولى، وافتتحت عيادتي الخاصة. ومع ذلك، بقي حلم التخصص في جراحة الوجه والفكين حاضرًا لدي بقوة. لاحقًا، حصلت على منحة دراسية وانتقلت إلى الصين، حيث درست اللغة، ثم التحقت ببرنامج الماجستير في جراحة الوجه والفكين، وتابعت تخصصي في مرحلة الدكتوراه في جراحة الأورام والترقيع. وخلال تلك الفترة، عملت طبيبًا وأستاذًا جامعيًا في مستشفى الجامعة.

بعد هذه التجربة الأكاديمية والمهنية، قررنا، أنا وزوجتي، الهجرة إلى كندا، وانتقلنا إليها بعد استكمال كافة الإجراءات اللازمة. عند وصولي، واجهت تحديات كبيرة تتعلق بمعادلة الشهادات الطبية، وهي تجربة معقدة وصعبة أجبرتني على إعادة النظر في مساري المهني. نتيجة لذلك، توجهت إلى مجالات أخرى إلى جانب العمل الطبي، ومن أبرزها المشاركة في التطوع الطبي في أمريكا اللاتينية، حيث أتيحت لي الفرصة لممارسة مهنتي بشكل مباشر، وخدمة مجتمعات جديدة، والمساهمة في مشاريع إنسانية دولية، ما عزز شعوري بالالتزام تجاه المجتمع وسعيي الدائم لخدمة الآخرين.

بصفتك طبيبًا مؤهلاً أكاديميًا، ما أبرز التحديات التي واجهتك كمهار عند محاولتك الاندماج في المجتمع الكندي والعمل في مجالك، وكيف حوّلت هذه التحديات إلى قوة لخدمة الآخرين؟

د. الشريف: التحديات كثيرة لأي مهاجر، وأولها الصدمة الثقافية، ثم البحث عن عمل وسكن، وفهم القوانين والإجراءات اليومية. هذه أمور قد تبدو بسيطة للبعض، لكنها تمثل عبئًا قيقيًا للقادم الجديد.

أذكر دائمًا أنني قلت لأحد مسؤولي الهجرة إن المهاجر يُلقى في بحر واسع دون خريطة واضحة. لا توجد إرشادات مباشرة وشاملة منذ اللحظة الأولى، رغم التحسن النسبي في السنوات الأخيرة مقارنة بما كان سابقًا.

لكن التحدي الأكبر يبقى معادلة الشهادات، خصوصًا في المهن التي تتطلب ترخيصًا مثل الطب والهندسة. هذا المسار طويل، مكلف، ويحتاج إلى صبر كبير، وقد يجد كثيرون أنفسهم مضطرين للبدء من جديد أو الدخول في مسار غير واضح النهاية.

بالنسبة لي، حاولت تحويل هذا الإحباط إلى دافع، فانخرطت في العمل التطوعي، وبدأت أبحث عن دور أستطيع من خلاله خدمة المجتمع، حتى وإن كان خارج إطار مهنتي الأساسية.

د. جمال الشريف يجلس اليوم في الحديقة التي تحمل اسمه في أوتاوا، تكريمًا من إدارة المدينة لجهوده التطوعية الطويلة وخدماته الإنسانية المستمرة، لتصبح حديقة كلوديت كاين – أوتاوا مساحة رمزية تعكس أثر العمل التطوعي والإصرار على خدمة المجتمع – الصورة لـ هنـا كنـدا

أنت معروف بنشاطك التطوعي في كندا. ما الذي دفعك لتكريس وقتك وجهدك لهذا العمل، وكيف ترى أثر التطوع على اندماج المهاجرين الجدد؟

د. الشريف: أحب أن أُوصَف بكلمة متطوع. هذا المبدأ تعلمته من والدي رحمه الله، الذي كان يحب مساعدة الآخرين، وأتمنى أن يكون كل ما قام به في ميزان حسناته. هذه القيم زرعت في داخلي منذ الصغر.

التطوع لم يكن جديدًا عليّ في كندا، فقد مارسته في كل بلد عشت فيه. أؤمن بأن من يتطوع خيرًا فإنما يعود الخير عليه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. كما أن القيم الدينية والإنسانية تحثنا على حب الخير للآخرين دون تمييز.

كندا مجتمع متعدد الثقافات، والعمل التطوعي يفتح لك أبواب التعرف على مجتمعات متنوعة، وكأنك تسافر العالم وأنت في مكانك. لم أشعر يومًا بالتمييز بسبب خلفيتي، بل على العكس، وجدت ترحيبًا واسعًا من مختلف الجاليات.

حدثنا عن مؤسسة “البشرية من أجل السلام”. ما رؤيتكم ورسالتكم، وما أبرز المشاريع التي تعتز بها؟

د. الشريف: المؤسسة قامت على مبدأ إنساني بسيط: أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك. نحن مؤسسة تطوعية تضم آلاف المشاركين حول العالم، وتركز على الأطفال والتعليم والصحة والعمل الإنساني.

من أبرز مشاريعنا دعم التعليم في مناطق فقيرة، والمساهمة في مساعدة اللاجئين، خاصة الأطفال. أحد المشاريع الأقرب إلى قلبي كان العمل مع أطفال لاجئين، حيث قمنا بتعليمهم الرسم، ثم عرض أعمالهم في مزاد خيري، وقرر الأطفال بأنفسهم التبرع بالعائد لمساعدة أطفال آخرين داخل كندا، وهو موقف إنساني مؤثر لن أنساه ما حييت.

سؤال: ما الدروس التي تعلمتها من العمل مع الأطفال واللاجئين، وكيف تنعكس هذه التجارب على المجتمع الكندي؟

د. الشريف: تعلمت أن الطفل، مهما كانت ظروفه، يحمل طاقة هائلة إذا أُعطي الفرصة. بعد أحد المشاريع، أخبرتني مديرة مدرسة أن الأطفال المشاركين تغير سلوكهم بشكل ملحوظ، وبدأوا يندمجون بثقة أكبر داخل المدرسة والمجتمع.

أدركت حينها أن مثل هذه المبادرات، حتى وإن بدت صغيرة، قادرة على إحداث تغيير عميق في حياة عائلات بأكملها، وأن الاندماج الحقيقي لا يتحقق بالكلام فقط، بل بالفعل والمشاركة.

يرى د. جمال الشريف أن الحديقة التي تحمل اسمه في أوتاوا ليست مجرد مكان للاحتفاء، بل مساحة حية يعكس فيها التزامه الشخصي تجاه المجتمع، فهو يشارك بنفسه في تنظيفها ورعايتها دورياً، ليجسد عمليًا معنى خدمة الآخرين والانتماء للمجتمع – الصورة لـ هنـا كنـدا

حصلت على عدة جوائز وتكريمات تقديرًا لجهودك المجتمعية. كيف تنظر إلى هذه الجوائز، وهل ترى أنها تعكس دور العرب في المجتمع الكندي؟

د. الشريف: الجوائز بالنسبة لي مسؤولية أكثر من كونها تكريمًا. أشعر أنها تضع على عاتقي عبئًا إضافيًا للاستمرار والعطاء بشكل أكبر.

هناك تقدير موجود، لكن على مستوى فردي أكثر منه جماعي. ما نفتقده كمجتمع عربي هو ثقافة التطوع المستدامة المبنية على القناعة، وليس فقط على متطلبات دراسية أو شكلية. يجب أن نحمل قيمنا وأخلاقنا معنا ونترجمها إلى فعل داخل المجتمع.

كيف ترى واقع المجتمع العربي في كندا؟ وهل يمتلك قوة حقيقية كمجتمع موحد؟

د. الشريف: سأكون صريحًا. نحن ناجحون على المستوى الفردي، لكننا متفككون على المستوى المجتمعي. ما زلنا نحمل خلافاتنا السياسية والاجتماعية معنا، رغم أننا جئنا إلى بلد قائم على التعدد والتعايش.

هذا التفكك يضعف تأثيرنا، رغم وجود أفراد ناجحين في مجالات مختلفة. القوة الحقيقية تكمن في العمل الجماعي، وهو ما نحتاج إلى بنائه بجدية.

برأيك، ما الآليات الضرورية لدعم المهاجرين العرب وتعزيز دورهم الاقتصادي والاجتماعي؟

د. الشريف: الحكومة الكندية تقدم الدعم للجميع، لكن السؤال هو: كيف تصل الجاليات إلى هذا الدعم؟ عندما يرى صانع القرار عشرات الجمعيات المتفرقة لجالية واحدة، ينظر إليها كجالية ضعيفة ومشتتة.

السياسيون ينظرون إلى المجتمعات كأرقام وتأثير انتخابي. ورغم أن الجالية العربية كبيرة في بعض المدن، إلا أن أثرها لا يزال دون المستوى المطلوب بسبب غياب العمل الموحد.

بعض المهاجرين العرب يشتكون من صعوبة الاندماج. كيف ترد على هذه الانتقادات؟

د. الشريف: الاندماج مسؤولية شخصية بالدرجة الأولى. أنت القادم إلى هذا البلد، وعليك أن تتعلم قوانينه وتشارك في مجتمعه. كندا دولة منفتحة على الثقافات، لكنها في المقابل تطلب احترام النظام والقانون.

إذا أردت تغيير شيء، فالطريق هو الاندماج والعمل من الداخل، سواء عبر المجتمع المدني أو العمل السياسي، وليس الوقوف على الهامش.

ما خططك المستقبلية لتوسيع عمل مؤسسة “البشرية من أجل السلام”؟

د. الشريف: أكبر تحدٍ نواجهه هو التمويل، لكننا بدأنا نحصل على دعم رسمي، وهو ما سيساعدنا على توسيع نطاق عملنا. هدفي الأساسي هو المساهمة في توفير التعليم والصحة للأطفال، لأن هذا حق إنساني أساسي لا جدال فيه.

كيف يمكن للتطوع أن يكون أداة حقيقية للتغيير الشخصي والمجتمعي؟

د. الشريف: التطوع يفتح الإنسان على الآخرين، ويمنحه فرصة التعلم والتفاعل مع ثقافات وتجارب مختلفة. هذا التفاعل ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية، خاصة للقادمين الجدد الذين قد يعانون من العزلة أو الاكتئاب.

التطوع هو مفتاح للخروج من العزلة، وبناء شبكة علاقات، والشعور بالانتماء.

كلمة أخيرة توجهها للمهاجرين الجدد وللمجتمع الكندي؟

د. الشريف: رسالتي هي الاندماج. الاندماج في مدرسة الطفل، في الحي، في العمل المجتمعي، وفي الحياة السياسية. المرحلة الأولى هي الأصعب، لكنها الأهم. من يندمج مبكرًا، يختصر على نفسه سنوات من المعاناة، ويساهم في بناء مجتمع أقوى للجميع.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل