أوروبـــا

زلزالٌ سياسيٌّ في كِييف: زيلينسكي يُواجِه اتِّهاماتٍ بِعرقلةِ العدالة واستغلالِ السُّلطة

في تطور خطير أثار عاصفة من الغضب داخليًا وخارجيًا، أقر البرلمان الأوكراني بدعم مباشر من الرئيس فولوديمير زيلينسكي قانونًا جديدًا يُضعف من صلاحيات هيئة مكافحة الفساد، ومكتب المدعي المتخصص، من خلال وضعهما تحت سلطة النائب العام المعين من الرئيس، وهو ما يُنظر إليه على نطاق واسع كمحاولة لإخضاع الهيئات الرقابية المستقلة لسيطرة السلطة التنفيذية. هذا التحرك أثار قلقًا بالغًا في العواصم الأوروبية، واعتُبر خطوة خطيرة تقوّض ركائز الإصلاح، وتضع مستقبل أوكرانيا الأوروبي على المحك.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين اتصلت مباشرة بالرئيس الأوكراني مطالبة بتوضيحات عاجلة، مشددة على أن استقلال مؤسسات مكافحة الفساد “شرط لا يمكن التنازل عنه” لعملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. كما عبّرت كل من فرنسا وألمانيا عن قلقهما من تراجع كييف عن مبادئ الشفافية، فيما طالبت دول مجموعة السبع بمراجعة القانون فورًا أو تجميد جزء من المساعدات المرتبطة بالإصلاحات المؤسسية. احتجاجات حاشدة اندلعت في كييف ومدن أوكرانية أخرى، ورفع المتظاهرون شعارات تُندد بما وصفوه بـ “انقلاب قانوني ناعم” يقوده زيلينسكي، بينما اعتبر عدد من نواب المعارضة أن القانون يمنح الرئيس صلاحية اختيار من يُحاسب ومن يُعفى، وهو ما يفتح الباب لتصفية سياسية وتحقيقات انتقائية.

في المقابل، حاولت الحكومة الأوكرانية تبرير الخطوة بأنها تهدف إلى “تنسيق أفضل” بين الجهات القضائية، لكن تقارير أوكرانية وأوروبية مستقلة حذرت من أن القانون الجديد يشرعن تدخل الرئاسة في ملفات فساد حساسة، بعضها يتعلق بعقود تسليح ومساعدات دولية مليارية. تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي دعا إلى إعادة النظر في التعاون القضائي وتجميد مفاوضات الانضمام مؤقتًا، فيما حذر مركز الشفافية الأوكراني من انهيار ثقة المواطن بالمؤسسات العدلية. مصادر قانونية أوكرانية أشارت إلى أن التعديلات تخالف مبادئ الفصل بين السلطات، وقد تكون عرضة للطعن أمام المحكمة الدستورية، رغم أن الأخيرة نفسها كانت هدفًا لتعديلات مثيرة للجدل في السنوات الماضية.

الرئيس فولوديمير زيلينسكي مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في بروكسل، بلجيكا، بتاريخ 6 مارس 2025 – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر كييف آنديبندنت

الخطوة التشريعية الأخيرة تأتي في لحظة حرجة، حيث تواجه أوكرانيا حربًا مدمّرة مع روسيا، وضغوطًا اقتصادية هائلة، وتوقًا إلى تعزيز مكانتها الدولية كشريك موثوق. غير أن هذه التطورات تكشف أن المعركة على الفساد ليست مجرد شعار، بل ميدان آخر للصراع بين نموذج الدولة الديمقراطية الحديثة، وتغوّل السلطة المركزية. وفيما تسعى أوكرانيا إلى تثبيت أقدامها في الفضاء الأوروبي، فإن هذا القانون قد يشكل أول عقبة كبرى تهدد بإعاقتها عن التقدم، وربما بعزلها دبلوماسيًا في حال استمرت في هذا النهج.

المراقبون يرون أن الرئيس زيلينسكي، الذي اكتسب شرعية دولية كقائد مقاوم منذ بدء الغزو الروسي، بدأ يخسر تدريجيًا ثقة المانحين والداعمين، إن لم يُبادر إلى تصحيح المسار. فالثمن هذه المرة قد لا يكون سياسيًا فقط، بل ماليًا وعسكريًا أيضًا. مع تصاعد المطالب بإلغاء القانون واستعادة استقلالية مؤسسات مكافحة الفساد، يبدو أن أوكرانيا تقف اليوم على مفترق طرق مصيري: إما إصلاح حقيقي وشفاف، أو عزلة متنامية ومساعدات مشروطة وسمعة مهددة بالانهيار.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل