مَافيا الحاوِيات: الوَجهُ الخفِيُّ لتَهريبِ السيّارات من كنَدا إِلى العالَم
أكثرُ من 150 أَلفَ سيّارَةٍ مسروقةٍ في كندا عام 2024، و2,277 تُعترَضُ قبل تَهرِيبِها في مُواجهةٍ حاسِمَةٍ ضدَّ عِصاباتٍ مُنظَّمةٍ بينَ تورونتو ومونتريال
في قلب كندا، الدولة التي طالما افتخرت بأمنها واستقرارها، تنمو شبكة إجرامية معقدة ومتشعبة، تحوّلت معها سرقة السيارات من مجرد جنح فردية إلى ظاهرة منظمة تنخر في بنية المجتمع وتضرب أساسات الاقتصاد وتزعزع ثقة المواطن في الدولة. بيد أن الخطر لا يكمن في عمليات السرقة فقط، بل فيما هو أخطر: التهريب المنهجي والمنظم لهذه السيارات إلى خارج البلاد، في مشهد أشبه بعمليات الجريمة العابرة للحدود. ليست هذه الجرائم عشوائية، بل تُدار من قبل عصابات محكمة التنظيم، تمتد خيوطها من أحياء تورنتو ومونتريال إلى موانئ شرق البلاد، ومنها إلى الأسواق السوداء في أوروبا والولايات المتحدة، بل وحتى بعض دول إفريقيا، حسب ما بدأت تقارير أمنية تشير إليه في الآونة الأخيرة.
وفقًا لبيانات مركز معلومات الشرطة الكندية، شهد عام 2024 سرقة أكثر من 150 ألف سيارة، فيما تمكنت الأجهزة الأمنية من اعتراض وضبط 2,277 سيارة مسروقة قبل تهريبها إلى خارج البلاد، مما يعكس حجم التحدي الأمني الكبير الذي تواجهه كندا. ويُمثّل هذا ارتفاعًا بنسبة تزيد عن 18% في معدلات سرقة السيارات بين عامي 2019 و2024، وهي نسبة تُترجم إلى آلاف المركبات التي تختفي كل عام من الشوارع ولا تعود.

في المقابل، تشير تقارير أمنية إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه السيارات يُهرّب عبر موانئ مثل مونتريال وهاليفاكس، أو عبر الحدود البرية الغربية، في عمليات دقيقة تُخفي المركبات داخل حاويات معدّة خصيصًا، أو في شحنات تجارية تبدو قانونية للوهلة الأولى.
المقدم جون ماثيوز، رئيس وحدة مكافحة الجريمة المنظمة في شرطة تورنتو، صرّح لشبكة “سي بي سي نيوز” في مارس 2025 قائلاً: “هذه العصابات لا تسرق السيارات فقط، بل تمحو هوياتها الرقمية، وتُعيد تصنيع أوراقها باستخدام تقنيات تزوير متقدمة، ثم تُصدرها كما لو كانت قانونية. لدينا أدلة على تورط شبكات في دول أوروبية وأميركية، ما يجعل ملاحقتها أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.”
وبالموازاة، تؤكد ليلى خان، مديرة العمليات في شرطة الجمارك الكندية، في تصريح لشبكة “سي تي في” خلال أبريل 2025: “نحن لا نتعامل مع أفراد، بل مع منظمات. العصابات تستخدم ذكاءً اصطناعيًا، وشبكات اتصالات مشفّرة، وتلجأ إلى وسائل تمويه غير تقليدية، بما في ذلك طائرات بدون طيار، وحاويات مزدوجة الجدران، وطرق نقل غير متوقعة.”

أما ما هو أخطر، فقد ورد في تقرير سري لجهاز الاستخبارات الكندي المعروف اختصارًا بـ “سي إس آي إس” حصل عليه موقع “غلوبال نيوز”، أن شبكات سرقة وتهريب السيارات باتت جزءًا من هياكل الجريمة المنظمة الكبرى، إلى جانب تهريب الأسلحة والمخدرات، وأن بعض العصابات تعمل تحت رايات دولية مثل عصابة “رؤوس الملائكة”، أو خلايا من المافيا شرق الأوروبية، وأنها تستغل ثغرات قانونية في بعض الدول لتبييض السيارات المسروقة وإعادة إدخالها إلى الأسواق.
وزير الأمن العام الفدرالي مارك ستيوارت، قال أمام البرلمان في جلسة علنية نقلت تفاصيلها صحيفة “ذا غلوب آند ميل” في يونيو 2025: “ما نشهده اليوم ليس سرقة سيارات تقليدية، بل اعتداء على الاقتصاد الوطني، وعلى سيادة الدولة. نحن بصدد تعديل قوانين الجمارك والعقوبات، وسنطلق برنامجًا لتتبع المركبات إلكترونيًا على مستوى وطني.”
التحقيقات الأخيرة التي نفذتها أجهزة الأمن، من شرطة تورنتو إلى الشرطة الفيدرالية الكندية المعروفة باسم “آر سي إم بي” ، بين عامي 2023 و2025، أسفرت عن تفكيك 12 شبكة إجرامية، واعتقال أكثر من 150 مشتبهًا، بينهم شخصيات مصنّفة كـ”عالية الخطورة”، بينما كشفت وثائق رسمية اطلعت عليها «غلوبال نيوز» أن بعض هذه العمليات نُفّذت باستخدام العنف المسلح، وبرمجيات اختراق إلكترونية، وحتى استغلال موظفين في الموانئ. ولا تقتصر السرقات على السيارات الفارهة، بل تشمل شاحنات البناء، سيارات العائلات، وحتى المركبات التجارية الصغيرة، التي يُعاد تصديرها إلى أسواق غير رسمية، بأسعار زهيدة نسبيًا، ما يضرب سوق السيارات القانونية ويُضر بالتجار والمواطنين على حد سواء.

وفي سياق أكثر إثارة، ثمة تساؤلات بدأت تطرحها الأجهزة الأمنية الكندية حول تنامي نشاط تهريب السيارات نحو القارة الإفريقية، إذ تفيد مؤشرات أولية – بحسب مصادر شرطية – بأن شبكات تهريب تستخدم موانئ على المحيط الأطلسي لشحن السيارات من كندا إلى وجهات في شمال وغرب إفريقيا، مستغلة ضعف الرقابة في بعض النقاط الجمركية هناك.
في ظل هذه المعطيات، تبدو كندا اليوم أمام تحدٍّ متعدد الأبعاد: أمني، اقتصادي، وسياسي. إذ أن استمرار هذه الظاهرة يُقوّض من قدرة الدولة على حماية الممتلكات، ويُضعف ثقة المواطنين في مؤسساتهم، ويجعل كندا ساحة مفتوحة أمام شبكات الجريمة العابرة للقارات. ورغم الجهود الحكومية، وتوسيع صلاحيات الشرطة، والتعاون مع حلفاء دوليين، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا بإلحاح: هل تستطيع كندا الانتصار في معركتها أمام هذه الشبكات الإجرامية المتطورة؟ أم أن زمام المبادرة بات فعليًا في يد عصابات تملك المال، والخبرة، والتكنولوجيا؟ الرهان ليس فقط على سلامة السيارات، بل على صورة الدولة، وهيبتها، وسيادتها. وحدها السنوات القادمة من ستحمل الجواب.




