الشــرق الأوســط

إِيران تحت مرمى واشنطن: هل تقرع الولايات المتّحدة طبول الحرب في الشّرق الأوسط؟

بين واشنطن وطهران، تتصاعد التوترات العسكرية والسياسية إلى مستويات خطرة، مع تحركات أمريكية قرب المياه الإيرانية وتهديدات مباشرة من الرئيس ترامب. على الأرض، تواجه إيران ضغوطًا داخلية وخارجية، بينما تسعى الولايات المتحدة لإعادة رسم النفوذ الإقليمي والسيطرة على برنامج طهران النووي، وسط دور محوري لدول عربية وإقليمية تحاول كبح التصعيد. هذا الصراع، الذي يتجاوز لغة التصريحات، يمثل لحظة حاسمة في الدبلوماسية، قد تقود إما إلى حرب شاملة أو إلى تسوية سياسية دقيقة.

وفي موازاة التصريحات السياسية، بدأت تحركات عسكرية أمريكية قرب المياه الإقليمية الإيرانية، ما فاقم منسوب التوتر. وتتهم واشنطن طهران بدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار في المنطقة عبر أذرعها الإقليمية في العراق واليمن وسوريا ولبنان، إلى جانب اتهامات تتعلق بقمع الاحتجاجات الداخلية، وهو ما يضع النظام الإيراني تحت ضغوط سياسية متزايدة.

وفي هذا السياق، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريح لشبكة “آن بي سي نيوز”، إن المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي “ينبغي أن يكون قلقًا للغاية”، وذلك قبيل محادثات نووية مرتقبة بين واشنطن وطهران خلال هذا الأسبوع.

يرى مراقبون أن إيران تزيد تعقيد المفاوضات بإصرارها على تغيير مكان وصيغة الحوار، وتصعيدها العسكري في الخليج يرفع احتمال تحوّل الإدارة الأمريكية نحو خيار القوة، ما يضع المنطقة على حافة مواجهة محتملة – الصورة لـ بي بي سي انجليزي

من تركيا إلى عُمان

أفاد مسؤول أمريكي لوكالة رويترز أن المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران ستُعقد يوم الجمعة في سلطنة عُمان، بعد أن أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المفاوضات النووية ستُجرى في العاصمة العُمانية عند الساعة العاشرة صباحًا.

وعقب الاتفاق على مكان المفاوضات، طالبت إيران بتغيير الدولة المستضيفة من تركيا إلى عُمان. وذكر موقع أكسيوس، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، أن واشنطن أبلغت طهران رفضها تغيير مكان وتنسيق المحادثات، فيما أكد وزير الخارجية الأمريكي أن أي مفاوضات مع إيران “يجب أن تشمل ملف الصواريخ الباليستية حتى تكون ذات جدوى”. ووفقًا لـأكسيوس، فإن هذا الخلاف قد يعرقل المسار الدبلوماسي، ويدفع الرئيس ترامب إلى تفضيل الخيار العسكري.

إلا أن مسؤولًا في البيت الأبيض قال لوسيلة إعلامية خليجية، إن خطط عقد الاجتماع في مسقط “عادت إلى مسارها الصحيح”، مؤكدًا أن ذلك جاء بعد جهود وضغوط مكثفة من قادة عرب ومسلمين على إدارة ترامب لعدم الانسحاب من المفاوضات. وأضاف أن الإدارة الأمريكية وافقت على إجراء المحادثات “احترامًا لحلفائها في المنطقة”.

كما أشارت أكسيوس إلى أن قادة دول عربية وإسلامية طلبوا من واشنطن الإبقاء على المفاوضات ومنح الدبلوماسية فرصة للاستماع إلى الطرح الإيراني.

وفي ظل الجدل حول مكان المفاوضات، نقلت وكالة مهر الإيرانية عن مصدر مطلع أن “طرح واشنطن ملفات خارج الإطار المتفق عليه سيكون سببًا مباشرًا في تعثّر المفاوضات”، محمّلًا الولايات المتحدة مسؤولية أي فشل محتمل. وأكد المصدر استعداد إيران للتفاوض ضمن إطار محدد قائم على الاحترام المتبادل، وحصر النقاش في الملف النووي.

مواقف دولية

على الصعيد الإقليمي، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن المملكة لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي عمل عسكري ضد إيران، في حين رحّب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأي مسار يفضي إلى السلام ويحول دون اندلاع حرب.

وفي محاولة لخفض التوتر، سعت دول الشرق الأوسط إلى لعب دور الوسيط، حيث أفادت رويترز بأن السعودية وقطر والإمارات ومصر وباكستان وسلطنة عُمان دُعيت للمشاركة في المفاوضات المرتقبة. وأكد المتحدث باسم الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي استمرار جهود بلاده لتسهيل الحوار بين واشنطن وطهران.

من جانبها، أكدت دولة قطر، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية ماجد الأنصاري، أنها على اتصال مباشر بالأطراف المعنية لمنع أي تصعيد قد يقود إلى مزيد من التوتر، مشددًا على أهمية إنجاح المفاوضات لتحقيق الاستقرار الإقليمي.

يرى مراقبون أن زيارات السفير الأمريكي ستيف ويتكوف الأخيرة إلى المنطقة تهدف لتسهيل المفاوضات النووية مع إيران، لكنها تكشف التحديات الكبيرة أمام إدارة ترامب بين الدبلوماسية والضغط العسكري – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر أكسيوس

الدولة الأقوى في العالم

وفي قراءة للمشهد، قال هاني الجمل في تصريح لـ “هنا كندا”، إن موافقة إيران على الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة تعكس إدراكها لصعوبة مواجهة “الدولة الأقوى في العالم”، في ظل ما تمتلكه واشنطن من قواعد عسكرية تطوّق إيران، وتحركات بحرية واسعة في الشرق الأوسط تضم أكثر من ست حاملات عسكرية.

وأشار الجمل إلى أن العمليات العسكرية الأمريكية السابقة، إضافة إلى الاختراقات الاستخباراتية الأمريكية–الإسرائيلية داخل إيران، جعلت الساحة الإيرانية مكشوفة أمام ضربات قد تكون مؤثرة على البنية السياسية للنظام، وربما تُحدث خللًا بنيويًا في هيكله الذي يحافظ عليه منذ عام 1979.

وأضاف أن الضغوط الأمريكية المستمرة على إيران تهدف في جوهرها إلى ضمان أمن واستقرار إسرائيل، وتمرير الاتفاق الإبراهيمي في المنطقة، فضلًا عن كبح طموحات الصين وروسيا في الشرق الأوسط. ورأى أن إيران، وإن كانت قادرة على خوض الحرب إذا فُرضت عليها، فإنها لن تستطيع مواجهة الولايات المتحدة منفردة دون تدخل مباشر وقوي من بكين أو موسكو.

إعادة تشكيل الإقليم

من جهته، قال الخبير السياسي الدولي خالد زين الدين إن الولايات المتحدة لا تزال متمسكة بإبقاء إيران كجزء من معادلة الإقليم، معتبرًا أن “النظام القادم” سيُدار من قبل ثلاث قوى رئيسية: إسرائيل، وتركيا، وإيران.

وأوضح أن جوهر الصراع الحالي يتمثل في سعي واشنطن لتجريد إيران من قدراتها الاستراتيجية، بما يشمل الصواريخ بمختلف مدياتها، والبرنامج النووي، وتفكيك أذرعها المسلحة في المنطقة، إلى جانب تفكيك شبكاتها المالية، والدفع نحو تسوية شاملة مع إسرائيل. وأضاف أن رفض هذه الشروط قد يؤدي إلى فقدان إيران لمكانتها الإقليمية، بل وتهديد بقاء النظام ذاته.

تسعى الولايات المتحدة إلى اتفاق نووي يضمن مصالحها بالكامل، مع إبقاء الخيار العسكري جاهزًا للضغط على إيران. ويأتي الحشد البحري الأميركي في المنطقة، بما في ذلك حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن، لتأكيد أن البدائل الدبلوماسية مشروطة وتخضع لقيود صارمة – الصورة لـ وات ذا هيــل

بين التفاوض والحرب

وصرّح طلعت طه لـمنصة “هنا كندا”، بأن إيران دخلت المفاوضات “ويدها على الزناد”، مؤكدًا أن طهران لن تتخلى عن برنامجها النووي أو منظومتها الباليستية، ولن تتوقف عن دعم حلفائها في المنطقة. وأوضح طه أن الثقة الإيرانية بالولايات المتحدة محدودة، مستشهدًا بتجربة سابقة أُلغيت فيها مفاوضات، ليحل محلها تهديد بمواجهة عسكرية قادتها إسرائيل.

وأضاف طه أن واشنطن تخوض حربًا متعددة الأدوات ضد إيران، إلا أن الرهان الأكبر يبقى على الحشد العسكري وتأمين القواعد الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. وأشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى لإقناع إدارة ترامب بضرورة شن حرب شاملة، محذرًا من أن أي مواجهة مقبلة ستكون كارثية وغير مسبوقة في التاريخ الحديث.

وأكد أن إيران جاهزة، ليس لشن الحرب، بل لصد أي هجوم وللمحافظة على توازن القوى لفترة زمنية محددة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الحاجة ملحّة لحراك إقليمي ودولي جاد يعمل على خفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة، تفاديًا لانزلاق العالم نحو حرب جديدة تلوح ملامحها في الأفق.

كاتب

مهـيبة بين

صحفية متخصصة في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل