مجتبى خامنئي يقود إيران في خضمّ الحرب: خطوة تؤكّد تصعيد الصّراع مع واشنطن
في واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ قيامها عام 1979، أعلنت إيران اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا للبلاد، خلفًا لوالده آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في الضربات الأمريكية–الإسرائيلية التي استهدفت مواقع في طهران مع بداية الحرب الإقليمية المتصاعدة.
القرار، الذي نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إيرنا”، جاء بعد أيام فقط من الضربة التي أودت بحياة خامنئي، في لحظة تشهد فيها إيران تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وسط تحذيرات غربية من أن اختيار خليفة للمرشد قد يحدد مسار الحرب ومستقبل النظام السياسي في طهران.
وبحسب ذات المصدر، فإن مجلس خبراء القيادة، الهيئة الدستورية المخوّلة اختيار المرشد الأعلى، عقد اجتماعات عاجلة خلال الأيام الماضية لتحديد خليفة خامنئي، قبل أن يُعلن اختيار نجله مجتبى، الذي كان يُنظر إليه منذ سنوات على أنه الشخصية الأكثر نفوذًا داخل الدائرة الضيقة للنظام الإيراني.
ويأتي هذا التطور في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط عسكرية واقتصادية هائلة، بينما يواصل الجيشان الأمريكي والإسرائيلي ضرب أهداف استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية، في حين ترد طهران بسلسلة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على إسرائيل وقواعد أمريكية ودول في الخليج.
ويرى مراقبون أن تسريع عملية اختيار المرشد الجديد يعكس حرص القيادة الإيرانية على منع حدوث فراغ سياسي في هرم السلطة خلال الحرب، خصوصًا أن منصب المرشد الأعلى يمثل مركز القرار النهائي في القضايا العسكرية والسياسية والنووية في البلاد.
وفي أول رد فعل من واشنطن، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات نقلتها وكالة رويترز: “ستراقب بلادي عن كثب القيادة الجديدة في إيران”، مضيفًا أن “أي قيادة تستمر في تهديد الاستقرار الإقليمي ستواجه ردًا حازمًا”.
في المقابل، نقلت وكالة تسنيم للأنباء عن مسؤول إيراني قوله إن تعيين المرشد الجديد “يعكس وحدة المؤسسات الإيرانية في مواجهة العدوان الخارجي”، مؤكدًا أن إيران “لن تتراجع عن الدفاع عن سيادتها وأمنها”.

اختيار خليفة في زمن الحرب
بحسب تقارير إعلامية غربية، فإن اختيار مجتبى خامنئي لم يكن مفاجئًا بالكامل داخل الأوساط السياسية الإيرانية، إذ كان اسمه يُطرح منذ سنوات كمرشح محتمل لخلافة والده، خاصة بسبب علاقاته الوثيقة بالحرس الثوري والنخبة الدينية المحافظة.
ويبلغ مجتبى خامنئي 56 عامًا، ويُعتقد أنه لعب دورًا مؤثرًا خلف الكواليس في إدارة بعض الملفات السياسية والأمنية في البلاد، رغم عدم شغله منصبًا رسميًا بارزًا في الدولة.
كما شارك خلال شبابه في الحرب الإيرانية–العراقية ضمن صفوف الحرس الثوري، وهو ما عزز مكانته داخل المؤسسة العسكرية التي تمثل أحد أعمدة النظام.
وفي السنوات الأخيرة، فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه، متهمةً إياه بالعمل على تعزيز نفوذ والده الإقليمي ودعم سياسات إيران في المنطقة.
غير أن تعيينه مرشدًا أعلى يحمل دلالة رمزية وسياسية كبيرة؛ إذ إن الجمهورية الإسلامية لطالما انتقدت الحكم الوراثي الذي كان قائمًا في عهد الشاه محمد رضا بهلوي قبل الثورة الإسلامية، ما يجعل انتقال السلطة إلى نجل المرشد السابق خطوة غير مسبوقة تقريبًا في تاريخ النظام.
بيد أن محللين يرون أن ظروف الحرب الحالية دفعت النخبة الحاكمة إلى اختيار شخصية قريبة من مركز القرار لضمان استمرارية السلطة وتماسك النظام.

تصعيد عسكري غير مسبوق
اختيار المرشد الجديد يأتي في ظل ضغوط أمريكية غير مسبوقة على القيادة الإيرانية. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات إعلامية أن الولايات المتحدة ترغب في أن يكون لها دور في تحديد مستقبل القيادة السياسية في إيران، في تصريحات أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية والدبلوماسية.
وقال ترامب، في تصريح نقلته شبكة سي إن إن، إن واشنطن “لن تسمح لإيران بمواصلة سياساتها العدائية في المنطقة”، مضيفًا أن الإدارة الأمريكية تدرس “جميع الخيارات لضمان أمن حلفائها”.
في المقابل، نقلت وكالة مهر للأنباء عن مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية قوله إن بلاده “لن تقبل بأي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية”، مؤكدًا أن اختيار المرشد الأعلى “مسألة سيادية يحددها الدستور الإيراني”.
وفي الخليج، قال وزير خارجية البحرين، في تصريحات نقلتها وكالة فرانس برس، إن بلاده تتابع التطورات في إيران “بقلق بالغ”، داعيًا إلى “خفض التصعيد وتجنب توسيع نطاق الصراع في المنطقة”.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد دعا إلى ضبط النفس، حيث قال مسؤول أوروبي في تصريح نقلته شبكة سي بي سي نيوز: “استقرار المنطقة يتطلب وقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار الدبلوماسي”.

حرب تتسع ومخاوف من مرحلة أكثر خطورة
يتزامن هذا التحول السياسي في إيران مع تصعيد عسكري واسع في المنطقة. ففي الأيام الأخيرة، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة ضربات جوية مكثفة داخل إيران استهدفت مواقع عسكرية وبنية تحتية استراتيجية، بما في ذلك مستودعات نفط ومواقع لوجستية في العاصمة طهران.
وذكرت تقارير إعلامية أن أربع منشآت لتخزين النفط وموقعًا لوجستيًا تعرضت للقصف خلال ليلة واحدة، ما أدى إلى اندلاع حرائق ضخمة وتصاعد أعمدة كثيفة من الدخان فوق العاصمة الإيرانية.
كما أعلنت إسرائيل أنها نجحت في تفكيك مقر وكالة الفضاء الإيرانية خلال إحدى الضربات، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تعطيل القدرات الصاروخية الإيرانية.
في المقابل، ردت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، حيث سقطت عدة صواريخ في محيط تل أبيب، ما تسبب في أضرار مادية وإصابات.
كما وسعت طهران هجماتها لتشمل أهدافًا في دول الخليج؛ إذ أعلنت البحرين أن هجومًا إيرانيًا ألحق أضرارًا بإحدى محطات تحلية المياه لديها، في مؤشر على اتساع رقعة المواجهة في المنطقة.
ولم يقتصر التصعيد العسكري على إيران وإسرائيل فقط، بل امتد إلى عدة جبهات في الشرق الأوسط. ففي لبنان، واصلت إسرائيل ضرباتها الجوية ضد مواقع تقول إنها تابعة لـ “حزب الله”، حيث استهدفت غارة إسرائيلية مبنى سكنيًا في وسط بيروت، ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص على الأقل.
كما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الضربات الإسرائيلية منذ بداية الحرب أسفرت عن مقتل نحو 294 شخصًا، وإصابة أكثر من ألف آخرين.
وفي العراق، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أن قواتها اعترضت طائرة مسيّرة أُطلقت من إيران باتجاه الأراضي العراقية.
أما في الخليج، فقد ازدادت المخاوف من اتساع نطاق الحرب إلى الممرات البحرية الحيوية، خصوصًا مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.

حصيلة الحرب تتصاعد مع تزايد الخسائر
الحرب المتصاعدة خلّفت حتى الآن حصيلة بشرية كبيرة؛ فبحسب وزارة الصحة الإيرانية، أسفرت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 1330 شخصًا داخل إيران، بينهم نحو 200 طفل و200 امرأة.
كما أعلنت الولايات المتحدة أن سبعة جنود أمريكيين قُتلوا منذ اندلاع الحرب، بعد وفاة أحدهم متأثرًا بجروح أصيب بها خلال هجوم إيراني استهدف قوات أمريكية في السعودية.
وفي لبنان، بلغ عدد القتلى جراء الضربات الإسرائيلية مئات الأشخاص، فيما تسببت الهجمات المتبادلة في موجة نزوح واسعة في عدة مناطق.
في الداخل الإيراني، يراقب المحللون الوضع السياسي والأمني عن كثب، بحثًا عن مؤشرات على احتمال حدوث اضطرابات داخل النظام. ويرى بعض الباحثين أن أي تغيير كبير في إيران قد يسبقه عادة ثلاثة عوامل رئيسية: التدخل الخارجي، الاحتجاجات الشعبية، والانشقاقات داخل النخبة السياسية أو العسكرية.
حتى الآن، لم تظهر مؤشرات واضحة على حدوث انشقاقات كبيرة داخل المؤسسة الحاكمة، غير أن استمرار الضربات العسكرية قد يزيد من الضغوط على النظام.
وسط هذا التصعيد، دعت عدة دول إلى حل دبلوماسي للأزمة. فقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه تحدث مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، داعيًا إلى وقف التصعيد وفتح باب الحوار.
كما دعا ماكرون إيران إلى إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الهجمات على الدول الأخرى في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تعمل عدة حكومات على إجلاء رعاياها من الشرق الأوسط. ففي كندا، أعلنت وزيرة الخارجية أن أكثر من 110 آلاف كندي سجلوا أسماءهم في برنامج تسجيل المواطنين في الخارج، بينما طلب أكثر من خمسة آلاف شخص المساعدة لمغادرة المنطقة.
ويرى محللون أن نجاح المرشد الجديد في تثبيت سلطته سيعتمد على عدة عوامل، أبرزها قدرة النظام على الحفاظ على تماسكه الداخلي، واستمرار دعم الحرس الثوري، إضافة إلى مسار الحرب الدائرة في المنطقة.
ثمة اعتقاد لدى بعض المراقبين بأن هذا التحول قد يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في إيران، خاصة إذا طال أمد الصراع الحالي أو تصاعدت الضغوط الدولية.
لكن حتى الآن، تبدو القيادة الإيرانية مصممة على الاستمرار في المواجهة، بينما يستعد الشرق الأوسط لفصل جديد من الصراع قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة بأكملها.




