العـالم

سياسيّون ومُواطنون غرينلانديّون يرفضون الانضمام لأميركـا ويُواجهون تهديداتِ ترامب بغزوِ الجزيرة بالقوّة

تتصاعد التوترات حول غرينلاند، الجزيرة الأكبر في العالم، التي أصبحت ساحة صراع استراتيجي عالمي بين الولايات المتحدة الأميركية، الدنمارك، والنفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي. منذ عام 2019، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح فكرة شراء أو السيطرة على الجزيرة، مستندًا إلى مصالح أميركية أمنية واقتصادية واستراتيجية. الجزيرة، التي تتمتع بالحكم الذاتي الواسع ضمن المملكة الدنماركية، تحتوي على ثروات طبيعية ضخمة تشمل المعادن النادرة والموارد الطاقية، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي في شمال الكرة الأرضية.

وبحسب تقرير الموسوعة البريطانية لعام 2025، ترى الولايات المتحدة أن غرينلاند ليست مجرد جزيرة، بل مفتاح للهيمنة على الممرات البحرية القطبية المستقبلية، ومركزًا محتملًا للرصد العسكري وتطوير منظومة الدفاع الصاروخي النووي، في مواجهة تمدد روسيا والصين في المنطقة.

ويرى الدكتور سعيد سلام، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، في تصريح لـ “هنا كندا”، أن السيطرة الأميركية على الجزيرة تهدف إلى منع أي فرض لسياسة الاحتواء من المعسكر المناوئ، مع تعزيز النفوذ على المفاصل الحيوية للموارد والمعادن، بما في ذلك الليثيوم والنيكل والزنك، وهي موارد أساسية للتكنولوجيا الحديثة والدفاع العسكري.

احتجاج شعبي في غرينلاند رفضًا لتهديدات دونالد ترامب بمحاولة السيطرة على الإقليم، مؤكدين رفضهم التدخل الخارجي – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر فوكــال ميديا

رفض شعبي ورسمي

الموقف المحلي في غرينلاند يتوافق إلى حد كبير مع الموقف الرسمي للدنمارك، حيث أكدت خمس أحزاب سياسية في برلمان غرينلاند، بما في ذلك رئيس الوزراء ينس فريدريك نيلسن، وفقًا لوكالة أسوشيتد برس، رفض السكان الانضمام إلى الولايات المتحدة أو إعادة تقييم العلاقات مع الدنمارك تحت أي ضغط أميركي، قائلين بصراحة: “نحن لا نريد أن نكون أميركيين، ولا دنماركيين، نحن غرينلانديون.”

وتُظهر الاستطلاعات، بحسب صحيفة دايلي ميل، أن نحو 85٪ من سكان غرينلاند يرفضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، في حين يدعم 7٪ فقط من الأميركيين فكرة أي تدخل عسكري للسيطرة على الجزيرة.

وحذرت رئيسة وزراء الدنمارك، ميت فريدريكسن، من أن أي محاولة استيلاء أميركي بالقوة قد تؤدي إلى انهيار حلف شمال الأطلسي وأمن ما بعد الحرب العالمية الثانية، مؤكدة: “إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة عضو في الناتو عسكريًا، فإن كل شيء سيتوقف.”

وأشار أولريك برام غاد، خبير غرينلاند في معهد الدراسات الدولية الدنماركي، إلى أن الولايات المتحدة تتمتع بالفعل بوصول عسكري كامل بموجب اتفاق عام 1951، مؤكدًا أن أي محاولة لتفكيك هذا الوضع العسكري ستكون خطوة غير منطقية ومكلفة للغاية.

تصريحات ترامب حول غرينلاند “بالطريقة السهلة أو الصعبة” تكشف عن نهج قاسٍ يمزج بين الضغط الدبلوماسي والتهديد الضمني بالقوة، مؤكدة أن الإدارة الأميركية تعتبر الجزيرة مفتاحًا استراتيجيًا للموارد والممرات البحرية القطبية، وسط رفض الغرينلنديين وأحكام قانونية ودبلوماسية معقدة – الصورة لـ سي إن إن

الخيارات الأميركية: القوة، الشراء، أو النفوذ

طرحت الإدارة الأميركية عدة خيارات تتراوح بين الاستيلاء بالقوة، الشراء المباشر، وتعزيز النفوذ عبر الاتفاقيات الثنائية. وقد صرح الرئيس ترامب بأن السيطرة على الجزيرة “تعطي أشياء وعناصر لا يمكن الحصول عليها بمجرد توقيع مستند”، في إشارة إلى أن الملكية الفعلية تمنح نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا أكبر.

ويرجح خالد زين الدين، الصحفي والمحلل السياسي والمختص بالعلاقات الدولية، في اتصال مع “هنا كندا”، أن صفقة شراء ألاسكا من روسيا في العام 1867م كانت الأساس لتشكيل فكرة شراء جزيرة غرينلاند، معتبراً أن أوروبا بعد الحرب الروسية – الأوكرانية ليست لديها وضعية مستقلة، وأن العالم سيتم تقسيمه إلى ثلاث أقطاب: أمريكا، روسيا، والصين، بينما ستكون أوروبا تحت النفوذ الروسي – الأميركي. وأضاف أن الخطوة الأميركية تمثل محاولة للتأثير على مستقبل حلف الناتو، ما يشكل خطرًا على المرحلة المقبلة.

ومع ذلك، فإن غرينلاند ليست للبيع رسميًا، وأي عملية شراء مفترضة ستحتاج إلى موافقة سياسية وإدارة محلية، والتزامات اقتصادية طويلة الأمد، فهي جزيرة تتمتع بقيمة استراتيجية كبرى تشمل الموارد النادرة والطاقة والممرات البحرية.

وبحسب تقديرات موقع “ميزورين وورث” الأمريكي، المتخصص في التحليلات الاقتصادية والمقارنات التاريخية للأسعار والقيم المالية، فإن تكلفة شراء الجزيرة وفق السياق الحالي قد تصل إلى 90 مليار دولار.

وأوضح وزير الخارجية الأميركي، وفق موقع أكسيوس، ماركو روبيو، أن النية الأميركية هي الشراء وليس استخدام القوة، مضيفًا أن أي محاولة للسيطرة العسكرية ستواجه رفضًا داخليًا شديدًا.

التحديات العسكرية والجدوى

غرينلاند لا تمتلك جيشًا، والدفاع مسؤولية الدنمارك التي تُعتبر قوة عسكرية صغيرة مقارنة بالولايات المتحدة. فالولايات المتحدة تمتلك قاعدة بيتوفيك الفضائية في شمال غرب الجزيرة منذ الحرب العالمية الثانية، وتسمح الاتفاقيات الحالية بنشر عدد غير محدود من القوات.

وحذر قادة الجيش الأميركي من أن أي عملية غزو ستكون غير قانونية وستفتقر لدعم الكونغرس، معتبرين، وفق صحيفة دايلي ميل، أن خطط ترامب “غير واقعية وربما تصرف طفولي”.

وأشار محللون أميركيون ودنماركيون، مثل عمران بيومي من مجلس الأطلسي، وفق أكسيوس، إلى أن تعزيز النفوذ الأميركي عبر القوة الناعمة والدبلوماسية سيكون أكثر جدوى من المواجهة العسكرية المباشرة.

ويشير ذات الخبراء إلى أن اتفاقيات الشراكة الحرة، مثل الموجودة مع بالاو وميكرونيسيا وجزر مارشال، تمنح الولايات المتحدة حقوقًا عسكرية مقابل مساعدات اقتصادية، وهو نموذج يمكن استخدامه في غرينلاند دون المساس بسيادة السكان المحليين.

القوات البريطانية تتحرك نحو غرينلاند وسط تهديدات دونالد ترامب بمحاولة السيطرة على الجزيرة، في خطوة أوروبية لحماية الإقليم من النفوذ الأميركي والتهديدات الروسية والصينية – الصورة لـ البحرية الملكية عبر الشبكة البريطانية للإعلام

التوتر الأوروبي

ناقشت بريطانيا وفرنسا وألمانيا إمكانية نشر قوات أوروبية في غرينلاند لمواجهة أي محاولة أميركية، بهدف كشف الخطط الأميركية وتهدئة التوترات. وأعد الاتحاد الأوروبي عقوبات محتملة ضد الشركات الأميركية إذا رفضت واشنطن الحلول الدبلوماسية، ما يوضح أن الجزيرة أصبحت ساحة اختبار للقوة الجيوسياسية بين أوروبا والولايات المتحدة.

وأشارت لين مورتنسغارد، خبيرة السياسة الدولية في القطب الشمالي بمعهد الدراسات الدولية الدنماركي، إلى أن تهديدات ترامب بشأن الأمن الأميركي مبالغ فيها، وأن أي نشاط روسي أو صيني في غرينلاند محدود للغاية، مضيفة أن أي غزو بالقوة سيكون كارثيًا على العلاقات الدولية والشرعية الأميركية.

الصراع بين النفوذ والواقع

تشير التحليلات، وفق معهد الدراسات الدولية الدنماركي، إلى أن أي عملية استيلاء بالقوة لن تكون واقعية بسبب صغر المجتمع المحلي وصعوبة اللغة، ما يجعل عمليات التأثير السياسي صعبة، إضافة إلى تكلفة إعادة إنشاء نظام رفاه اجتماعي مشابه للنظام الدنماركي، وفقدان الشرعية الدولية وتأثير سلبي على علاقات الولايات المتحدة مع الحلفاء.

في المقابل، تعزيز النفوذ الأميركي عبر الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية والوجود العسكري المتزايد سيضمن تحقيق الأمر الواقع دون مواجهة مباشرة، ما يعكس سياسة الولايات المتحدة المعاصرة في استخدام القوة الناعمة لتحقيق أهداف استراتيجية.

وأوضح أولريك برام غاد، نقلاً عن وكالة أسوشيتد برس، أن الحل الأمثل هو تحديث اتفاق الدفاع المشترك مع الدنمارك، مما يسمح للولايات المتحدة بزيادة وجودها العسكري دون تهديد حلف الناتو، والحفاظ على الهيكل السياسي لغرينلاند.

غرينلاند اليوم ليست مجرد جزيرة غنية بالمعادن والطاقة، بل مفتاح استراتيجي يتحكم في التوازن بين القوى الكبرى في القطب الشمالي. محاولة الرئيس ترامب الاستيلاء عليها تعكس تقاطع الطموح السياسي والقوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي، في وقت يرفض فيه السكان المحليون التدخل، ويحذر الحلفاء الأوروبيون من العواقب.

ويرى الخبراء أن السيناريو الأكثر احتمالًا هو زيادة النفوذ الأميركي بالقوة الناعمة والدبلوماسية والاستثمارات، مع الحفاظ على الهيكل القانوني والسياسي لغرينلاند، بما يسمح للولايات المتحدة بتحقيق أهدافها الاستراتيجية دون التسبب بأزمة دولية أو داخلية.

كاتب

عـبد القادر جـاز

صحفي متخصص في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل