باريس تشنّ “معركة ضد المهاجرين” و”حرب صنصال”.. والجزائر تردّ: “لن نرضخ”
فرنسا تمهل الجزائر 6 أسابيع لإعادة النّظر في اتفاقيّات الهجرة والجزائر تلوح بإعادة نظر شاملة في جميع الاتفاقيّات
تتسارع أحداث التوتر المتصاعد بين الجزائر وفرنسا بـ”عقوبات وعقوبات مضادة” بشكل غير مسبوق بين البلدين، وسط تهديد العاصمتين بـ”المزيد من أوراق الضغط” على خلفية المهاجرين غير النظاميين وقضية الكاتب الجزائري – الفرنسي بوعلام صنصال.
وشهدت العلاقات الفرنسية – الجزائرية في الأسبوع الأخير تصعيدا كبيرا من قبل السلطات الفرنسية بعد قرارها منع مسؤولين جزائريين من دخول أراضيها وتلويحها بـ”عقوبات في الوقت المناسب”، ومطالبتها بـ”إعادة النظر” في اتفاقيات الهجرة بين البلدين.
وبعد أن وضعت فرنسا الجزائر أمام مهلة 6 أسابيع، ردت الجزائر برفضها “مخاطبتها بأسلوب المهل والإنذارات والتهديدات”، وهددت بتفعيل سياسة المعاملة بالمثل مع باريس.
وفيما يلي تستعرض “هنا كندا” كرونولوجيا الفصل الجديد من مسلسل التوتر المتصاعد بين الجزائر وفرنسا خلال الأسبوع الأخير.
فرنسا تشهر ورقة صنصال والمهاجرين
أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الثلاثاء الماضي، بأن بلاده أقرت “قيودا على حركة ودخول الأراضي الوطنية تطال بعض الشخصيات الجزائرية”، في تصريحات لقناة “بي إف إم تي في” الإخبارية، لكن المسؤول الفرنسي لم يفصح عن طبيعة الشخصيات أو متى فرضت القيود الفرنسية عليهم.
وهدد بارو بـ”المزيد” عندما شدد على أن فرنسا “مستعدة لاتخاذ المزيد من القيود في حال لم يُستأنف التعاون الفرنسي في هذا الشأن”.
وكشف في المقابل على أن هذا الإجراء “لن يكون له تأثير على الـ10% من مواطنينا الذين تربطهم روابط دم وأرض وثقافة” بالجزائر”.

وكشف رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو، يوم الأربعاء الماضي، بأن حكومته “تمهل الجزائر بين شهر و6 أسابيع للتعامل مع قائمة عاجلة” بأسماء مهاجرين جزائريين تطالب فرنسا بترحيلهم من أراضيها، كما طالب الجزائر بما أسماه “إعادة النظر في جميع الاتفاقيات المرتبطة بالهجرة” على رأسها اتفاق 1968.
وأشار بايرو بأن بلاده “لا ترغب في التصعيد” مع الجزائر، واعتبر في المقابل بأن ضحايا حادث ميلوز “ضحايا مباشرون لرفض تنفيذ هذه الاتفاقيات” على حد تعبيره في مؤتمر صحفي نقلته قناة “فرنسا 24″، بعد أن كشف عن أن السلطات الجزائرية رفضت 14 طلباً لاستعادة منفذ الهجوم قبل الحادث، موضحاً في السياق بأن باريس “تدرس ما إذا كانت الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين لاتزال فعالة”.
وجاء ذلك عقب هجوم بالسكين وقع في مدينة ميلوز شرقي فرنسا نفذه شخص من أصول جزائرية يبلغ من العمر 37 عاما وفق ما نقله الإعلام الفرنسي.

وعقدت اللجنة الوزارية المشتركة لمراقبة الهجرة برئاسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في سابقة هي الأولى من نوعها.
وبحسب بيان للإليزيه نقلته قناة “فرنسا 24″، أشار إلى أن الاجتماع جاء لـ”بحث هذا الملف خاصة سبل تعزيز المراقبة الوطنية والأوروبية للهجرة، كما تتناول تدهور العلاقات بين باريس والجزائر وعدم تجاوب الجانب الجزائري بشأن استقبال مهاجرين غير شرعيين المرحلين من قبل السلطات الفرنسية، إضافة إلى ملف الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال”.
وكشفت القناة الفرنسية أيضا على أنه “جرت العادة أن يعقد كل يوم أربعاء في فندق ماتنيون مجلس وزاري يجمع جميع الوزراء الفرنسيين لمناقشة قضايا سياسية واقتصادية عدة، لكن هذه المرة سيخصص هذا الاجتماع الوزاري لموضوع واحد، ألا وهو موضوع الهجرة”.
بينما عادت الحكومة الفرنسية، يوم الخميس الماضي، للتعقيب على طلبها إعادة النظر في جميع الاتفاقيات المرتبطة بالهجرة، وإعطاء الجزائر مهلة لذلك، حيث اعتبرت بأن ذلك “يمثل في نظرها يدا ممدودة لإعادة الهدوء إلى العلاقات الثنائية”، وفق ما صرحت به المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية صوفي بريما لقناة وإذاعة “بي إف إم تي في – إر إم سي”.
واتهمت بريما الجزائر “بعدم احترام الاتفاقيات القائمة منذ 1968 وأن باريس تبحث عن كل السبل الممكنة للتوصل إلى علاقات هادئة مع الجانب الجزائري”.
واعتبرت بأن الهدف هو “الحفاظ على هذا الاتفاق إلى الحد الذي يتم تطبيقه فيه، وحتى تكون بيننا علاقات دبلوماسية هادئة وعادية مع الجزائر”.
وجددت المسؤولة الفرنسية طلب الإفراج عن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، مضيفة أن فرنسا تتابع “بعناية” وضع “بعض كبار الشخصيات الجزائرية” التي قد “تراجع” فرنسا تأشيراتها، وفق ما جاء في تصريحها الذي نقلته أيضا قناة “فرنسا 24”.
وأعرب الرئيس الفرنس، يوم الجمعة، عن “قلقه الكبير” مما اعتبره “الاحتجاز التعسفي وحيال الوضع الصحي للكاتب بوعلام صنصال”.
وخلال مؤتمر صحفي في بورتو البرتغالية، وضع ماكرون شرطاً أمام الجزائر، وقال: “أرى أن ذلك من العوامل التي ينبغي تسويتها مع الجزائر لإعادة بناء الثقة بالكامل بين البلدين”.
وبدأت “معركة المهاجرين” بين البلدين التي زادت من حدة التوتر بينهما بعد إلقاء السلطات الفرنسية القبض على مؤثرين جزائريين، بعد أن اتهمتهم بـ”الدعوة إلى أعمال عنف على الأراضي الفرنسي عبر مقاطع فيديو على تطبيق تيك توك”.
قبل أن يتصاعد التوتر بعد رفض الجزائر استقبال المؤثر الجزائري نعمان بوعلام المعروف باسم “دولامن” الذي أوقفته الشرطة الفرنسية في 5 يناير الماضي في مونبلييه جنوبي فرنسا.

الجزائر وسلاح “اللارضوخ”
ردت الجزائر بـ”استغراب ودهشة” على الإجراءات التقييدية على التنقل ودخول الأراضي الفرنسية، واصفة ذلك بـ”الحلقة الجديدة من الاستفزازات”.
وأصدرت وزارة الخارجية الجزائرية يوم الاربعاء الماضي بياناً اطلعت “هنا كندا” على مضمونه، وأشارت من خلاله إلى أنه “لم يتم إبلاغها به بأي شكل من الأشكال مثلما تنص عليه أحكام المادة الثامنة من الاتفاق الجزائري الفرنسي المتعلق بالإعفاء المتبادل من التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية أو لمهمة”.
واعتبرت الجزائر هذا القرار بأنه “يُمثل حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الاستفزازات والتهديدات والمضايقات الموجهة ضد الجزائر”، وأكدت على أنه “لن يكون لها أي تأثير على بلادنا التي لن ترضخ لها بأي شكل من الأشكال”.

بيانٌ ثانٍ “شديد اللهجة” من الخارجية الجزائرية، يوم الخميس، جاء ردا على مهلة إعادة النظر في اتفاقيات الهجرة مع باريس، وأبدت “رفضها المطلق مخاطبتها بالمهل والإنذارات والتهديدات”، ولوّحت بـ”تطبيق المعاملة بالمثل بشكل صارم وفوري” على جميع القيود التي تفرض على التنقل بين الجزائر وفرنسا.
وبحسب البيان – الذي اطلعت “هنا كندا” على تفاصيله – فقد أشار إلى أنه “في خضم التصعيد والتوترات التي أضفاها الطرف الفرنسي على العلاقات بين الجزائر وفرنسا، لم تبادر الجزائر بأي شكل من أشكال القطيعة بل تركت الطرف الفرنسي وحده يتحمل المسؤولية بصفة كاملة”، ونوه إلى أن الجزائر “أخذت على عاتقها الالتزام بالهدوء والاتزان وضبط النفس”.
واعتبر بيان الخارجية الجزائرية بأن الجزائر “عملت على هدف وحيد وأوحد يتمثل في ممارسة حقوقها والاضطلاع بواجباتها تجاه مواطنيها المقيمين في فرنسا”. وشدد على أن “أحكام التشريع الفرنسي والاتفاقيات الثنائية والقانونين الأوروبي والدولي تصب جميعها في صف الجزائر، خاصة فيما يتعلق بالحماية القنصلية لرعاياها”.
ولفت البيان أيضا إلى ما اعتبره “إخلالا بالالتزامات الوطنية والدولية”، متهماً في السياق الطرف الفرنسي بـ”التسبب فيه مثلما يعكسه اللجوء المفرط والتعسفي للقرارات الإدارية بغرض ترحيل المواطنين الجزائريين وحرمانهم من استخدام طرق الطعن القانونية التي يضمنها التشريع الفرنسي في حد ذاته” على حد وصف البيان.
وكشف أيضا عن الأوراق التي ستلجأ لها الجزائر لمواجهة فرنسا، وأشار بأن الجزائر “ستظل حريصة على مكانتها الدولية وستبقى متشبثة باحترام وحدة الترسانة القانونية التي تؤطر حركة الأشخاص بين الجزائر وفرنسا، دون انتقائية ودون تحوير عن المقاصد التي حددتها الجزائر وفرنسا بشكل مشترك لهذه الترسانة”.
وختم البيان بلهجة شديدة وتصعيدية عندما أعرب عن رفض الجزائر “القاطع مخاطبتها بالمهل والإنذارات والتهديدات، مثلما ستسهر على تطبيق المعاملة بالمثل بشكل صارم وفوري على جميع القيود التي تفرض على التنقل بين الجزائر وفرنسا”، إلى “عدم استبعاد أي تدابير أخرى قد تقتضي المصالح الوطنية إقراراها”.
واتهمت الخارجية الجزائرية اليمين الفرنسي بما وصفته “وضع العلاقات الجزائرية الفرنسية رهينة لها”، وهددت في المقابل بأن “إعادة النظر في الاتفاقيات قد يمتد لاتفاقيات أخرى” في حال مساس الطرف الفرنسي باتفاقية 1968.
وأشار إلى أن “أي مساس باتفاقية 1968 التي تم أصلا إفراغها من كل مضمونها وجوهرها سينجر عنه قرار مماثل من الجزائر بخصوص الاتفاقيات والبروتوكولات الأخرى من ذات الطبيعة”.
واعتبر أيضا بأن “اليمين الفرنسي المتطرف البغيض والحاقد قد كسب رهانه باتخاذ العلاقة الجزائرية – الفرنسية رهينة له وتوظيفها لخدمة أغراض سياسوية مقيتة لا تليق بمقامها ولا بمنزلتها”.

ما هي اتفاقية 1968؟
أول اتفاقية للهجرة بين الجزائر وفرنسا كانت عام 1964 لتنظيم هجرة العمال الجزائريين، قبل أن يتم اللجوء إلى إلغائها واستبدالها باتفاقية جديدة لتنظيم حركة الهجرة والتبادلات التجارية في 27 ديسمبر 1968، ومما تتضمنه تلك الاتفاقية التي منحت بعض الامتيازات للمهاجرين الجزائريين، في مقابل منح فرنسا امتيازات اقتصادية في الجزائر.
- منحت الاتفاقية بعض المزايا للمهاجرين الجزائريين مثل تسهيل تصاريح الإقامة، وإمكانية استقدامهم لعائلاتهم للعيش في فرنسا.
- تسهيل الدخول إلى فرنسا والحصول على بطاقة إقامة مدتها 10 سنوات.
- تسهيل ممارسة أي وظيفة مستقلة مثل فتح محلات تجارية ومطاعم ومقاهي وشراء الشقق والعمارات.
- الحصول على بطاقة إقامة مدتها 10 سنوات واستفادة كل أفراد العائلة من بطاقة مماثلة.
- يحق للجزائريين طلب بطاقة إقامة مدتها 10 سنوات بمجرد المكوث ثلاث سنوات في فرنسا.
- لا يحق للجزائريين الحصول على ما يسمى “جواز سفر المواهب” وهي بطاقة تمنح للطلاب الأجانب الذين يملكون مواهب في مجالات محددة، أو بطاقة “بطاقة إقامة الطالب المتنقل”
3 تعديلات
وشهدت اتفاقية 1968 بين فرنسا والجزائر 3 تعديلات خلال الأعوام 1958 و1994 و2001، والتي قلصت الكثير من المزايا التي كانت ممنوحة للجانب الجزائري.
- تعديل 1985 جاء عقب قيام باريس بفرض التأشيرات على الجزائريين بعدما كانوا يدخلون فرنسا بدونها.
- تعديل 1994 منعت من خلاله فرنسا الجزائريين المقيمين من مغادرة فرنسا لمدة 3 سنوات وإلا تعرضوا لفقدان بطاقات إقاماتهم.
- تعديل 2001، كيفت فرنسا قانونها العام على الأجانب مع اتفاقية 1968، حيث تم تشديد إجراءات الحصول على التأشيرة للجزائريين، ولم يتبق للجانب الجزائري إلا بعد الامتيازات المتعلقة بحرية ممارسة الأعمال التجارية والاستثمار.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد قد اعتبر في تصريح إعلامي مطلع العام الحالي بأن اتفاقية 1968 مع باريس “باتت قوقعة فارغة”.
وحدد تبون شرطاً وحيدا لإعادة بلاده النظر في هذه الاتفاقية بـ”أن تضمن حقوق الجزائريين” بحسب تعبيره الذي تناقله الإعلام الجزائري والفرنسي.




