بعد الحظر الجوّي على فنزويلا: ترامب يُصعّد ومادورو يتحدّى
توتّرٌ مُتصاعدٌ في الكاريبي: 12 ألف جنديّ أمريكيٍّ وحاملةُ "جيرالد فورد" تقترِبُ من فنزويلا، وترامب يُطالب مادورو بالمُغادرةِ فورًا، فيما ردّ الأخير بِرقصةٍ استفزازيّةٍ وسطَ حُشودِ كاراكاس
في خطوة مفاجئة وصادمة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم السبت الماضي، عبر حسابه على “تروث سوشيال”، أن المجال الجوي فوق فنزويلا يجب أن يُعتبر مغلقًا بالكامل، موجّهًا تحذيره إلى شركات الطيران والطيارين وحتى مهربي المخدرات. وقال ترامب: “يرجى اعتبار المجال الجوي فوق وحول فنزويلا مغلقًا بالكامل.. شكرًا لكم على اهتمامكم!” وفق ما نقلته صحيفة يو إس إيه توداي. وأوردت وكالة رويترز أن هذا الإعلان جاء بعد عدة أسابيع من تصعيد أمريكي مستمر ضد حكومة مادورو، ما أثار مخاوف دولية من احتمال مواجهة عسكرية مباشرة.
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأمام حشد كبير من أنصاره في كراكاس، رقص “بحماس” متحديًا ترامب، ردًا على الطلب الذي وجّهه له الأخير قبل نحو أسبوع بالمغادرة مع عائلته، مقدمًا له “ممرًا آمنًا” لمغادرة فنزويلا إلى أي دولة يختارها.
واعتبر مادورو التهديد الأمريكي “سلام العبيد” و”سلام الاستعمار”، مؤكدًا رفضه المطلق أي ضغوط خارجية أو مغادرة قسرية للسلطة، ومشدّدًا على أن فنزويلا تريد السلام لكنها لن تستسلم لأي تهديد عسكري أو سياسي أمريكي، في موقف يُظهر تصعيد المواجهة الدبلوماسية والعسكرية بين واشنطن وكراكاس.
في المقابل، أصدرت وزارة الخارجية الفنزويلية بيانًا عبر وكالة الأنباء الوطنية الفنزويلية (آي – في – آن)، معتبرة تحذيرات ترامب “تهديدًا استعماريًا ضد سيادة فنزويلا”، ومشددة على أن هذا التصرف يمثل “عملًا أحادي الجانب، عدائيًا وعشوائيًا”، مخالفًا لجميع قواعد القانون الدولي. ونقلت صحيفة إل ناسيونال الفنزويلية عن مسؤول في الوزارة قوله: “هذه التهديدات تعكس إرادة واشنطن فرض أجندتها بالقوة، وليس الحوار الدبلوماسي”.

الحشد العسكري الأمريكي: استعداد للغزو أم ضغط سياسي؟
أكد مسؤولون أمريكيون، وفق ما نقلته صحيفة “يو إس إيه توداي”، أن الولايات المتحدة قد حشدت حاملة الطائرات “جيرالد فورد” برفقة مدمرتين مزودتين بصواريخ وسفينة عمليات خاصة قرب السواحل الفنزويلية، مع انتشار حوالي 12 ألف جندي أمريكي في المنطقة.
وأوضح المسؤولون أن القوة الجوية تشمل ثمانية مقاتلات من طراز إف/إيه-18إي/إف سوبر هورنت من أربع أسراب تابعة للجناح الجوي الثامن لحاملة الطائرات، بالإضافة إلى قاذفة استراتيجية من طراز بي-52 ستراتفورتريس، ما يشير إلى استعداد لعمليات برية أو جوية محتملة، وهو ما أثار قلق خبراء عسكريين من خطورة التصعيد في مدينة كاراكاس، التي يبلغ عدد سكانها حوالي مليوني نسمة.
ونقلت وكالة رويترز عن خبراء عسكريين أمريكيين سابقين أن “حجم القوات وموقعها يشير إلى استعداد كامل لأي سيناريو، سواء كان ضغطًا سياسيًا أم تحركًا بريًا مباشرًا”.
من جانبها، قالت وزارة الدفاع الفنزويلية لوسائل إعلام حكومية في البلاد، إن القوات الأمريكية تمركزت “بشكل استفزازي” على مقربة من السواحل، وأن أي تحرك بري أمريكي سيقابل بـ”رد عسكري حازم”، مشددة على قدرة فنزويلا على الدفاع عن أراضيها ضد أي عدوان خارجي، وهو ما يعكس حجم المخاطر المحتملة على المدنيين والبنية التحتية الحيوية.

اتهامات متبادلة: تجارة المخدرات والإرهاب
لم يقتصر التوتر بين البلدين على التحشيد العسكري، بل شمل اتهامات متبادلة بالجرائم المنظمة والإرهاب. فقد اتهم ترامب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بأنه “تاجر مخدرات مسؤول عن تهريب الفنتانيل الذي ساهم في أزمة الأفيون في الولايات المتحدة”، وفق ما أوردته صحيفة “يو إس إيه توداي”. فيما نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحليلاً مفصلاً حول تأثير هذه الاتهامات على السياسة الأمريكية الداخلية والدولية.
ووصفت وزارة الخارجية الأمريكية مادورو وكبار المسؤولين الفنزويليين بأنهم جزء من “منظمة إرهابية أجنبية”، فيما يُعرف باسم كارتل دي لوس سوليس أو “عصابة الشموس”، وهو ما أثار جدلاً واسعًا بين خبراء السياسة الأمريكية، الذين أكدوا أن هذه التسمية تعتمد على رتبة العسكريين وعلاقتهم المزعومة بالتهريب، وليس على شبكة تجارة مخدرات واضحة كالتي توجد في المكسيك أو كولومبيا.
بدورها، أكدت الحكومة الفنزويلية في تصريح لصحيفة “إل يونيفرسال” أن الاتهامات الأمريكية “غير صحيحة ومضللة”، مشددة على أن البلاد لا تمثل مصدرًا رئيسيًا للفنتانيل، وأن معظم المخدرات تصل إلى الولايات المتحدة عبر المكسيك ومن خلال الموانئ القانونية، وهو ما يشير إلى أن التصعيد الأمريكي يرتبط أكثر بالضغط السياسي وتغيير النظام منه بمحاربة تهريب المخدرات.

الضحايا واللاجئون: ثمن المواجهة
في سياق الهجمات العسكرية الأمريكية، شنت واشنطن ضربات على عدة سفن في المياه الدولية قرب فنزويلا، متهمة تلك السفن بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة. ووفق تقرير “يو إس إيه توداي”، أسفرت هذه الهجمات عن مقتل 83 شخصًا على الأقل، بينهم فنزويليون وأشخاص من دول جنوب أمريكا ومنطقة الكاريبي، دون تقديم أدلة رسمية أمام الكونغرس أو الرأي العام.
ونقلت وكالة رويترز أن الأمم المتحدة أعربت عن قلقها من أن هذه الضربات “تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان”، فيما وصف خبراء قانونيون وضباط سابقون في الجيش الأمريكي هذه العمليات بأنها “إعدامات خارج نطاق القضاء”.
وقد أدى هذا التصعيد إلى تفاقم أزمة اللجوء، حيث نزح نحو ثمانية ملايين فنزويلي منذ منتصف العقد الأول من الألفية، بحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مشكلين نحو خمس سكان البلاد، معظمهم إلى كولومبيا المجاورة، وأيضًا إلى بيرو والبرازيل، فيما وصفت الحكومة الأمريكية بعض هؤلاء اللاجئين زورًا بأنهم أعضاء في عصابة “ترين دي أراجوا”، مع قلة أو عدم وجود أدلة تؤكد ذلك.
وذكرت صحيفة “إل ناسيونال” أن اللاجئين يعانون من صعوبات كبيرة في استكمال حياتهم اليومية بسبب التمييز والاتهامات الظالمة التي تلحق بهم من الجانب الأمريكي.
التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية: تاريخ من الإغراق السياسي
يأتي تحرك ترامب ضمن سياق تاريخي طويل من تدخلات الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، الذي شهد خلال القرن التاسع عشر والعشرين عدة انقلابات مدعومة أمريكيًا وإطاحة بأنظمة يسارية، وفق ما نشرته صحيفة “يو إس إيه توداي” وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن هذه التدخلات أدت إلى زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي في المنطقة لعقود.
وفي الوقت نفسه، شارك ترامب بشكل متكرر في السياسة الداخلية للمنطقة، داعيًا في الـ28 نوفمبر الماضي المواطنين في هندوراس للتصويت لصالح مرشح محافظ، مهددًا بملاحقة مادورو إذا حاول التدخل، معلناً عزمه على العفو عن رئيس سابق مدان بتجارة المخدرات.
بدورها، حذرت وزارة الخارجية الفنزويلية وقالت إن هذه السياسات “تمثل اختراقًا صارخًا للسيادة الوطنية لكل دولة في المنطقة”، مضيفة أن تحركات واشنطن تعكس رغبة في “فرض أجندة سياسية من خلال التهديد العسكري والاقتصادي، بدلاً من اتباع القنوات الدبلوماسية الدولية”. وأكدت الوزارة أن فنزويلا ستواصل الدفاع عن سيادتها ومؤسساتها، وأن أي عدوان أمريكي سيواجه بالمقاومة المسلحة، في ظل دعم شعبي واسع للقيادة الحالية.





