أفــريقيا والساحـل

من باريس إِلى موسكو: النّيجـر وإعادة توزيع النّفوذ في غرب إفريقيا

بعد انقلاب الحرس الرئاسي على الرئيس المنتخب محمد بازوم منتصف عام 2023، دخلت النيجر مرحلة حرجة شهدت تصاعدًا متسارعًا في الاضطرابات السياسية والأمنية، مع تفاقم هجمات الجماعات المسلحة في مناطق الساحل، واستشراء الفساد وتراجع الخدمات العامة، ما أدى إلى شلل شبه كامل في إدارة الدولة وتعطيل سيرورة مؤسساتها الحيوية.

ومنذ ذلك الحين، عملت النخب العسكرية على إعادة ترتيب تحالفاتها الدولية وتأمين مواردها الاستراتيجية، مستغلة ثروات اليورانيوم والذهب والمعادن النفيسة لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي. وتصارعت القوى الكبرى على تثبيت مصالحها في النيجر، إذ سعت فرنسا للحفاظ على ما تبقى من نفوذها التاريخي وقدراتها الاقتصادية، في حين قدمت روسيا دعمًا عسكريًا مباشرًا للحكومة الجديدة، بينما ركزت الصين وتركيا وإيران على توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي عبر استثمارات وشراكات استراتيجية.

وأصبحت السيادة الوطنية رهينة حماية الموارد الحيوية وإعادة ضبط التحالفات الدولية، وسط تحديات داخلية وخارجية تتضمن الإرهاب والجماعات المسلحة والفساد والاضطرابات الاجتماعية، ما جعل مستقبل النيجر يتسم بالغموض بشكل غير ممّا أثار قلقًا إقليميًا ودوليًا بشأن استقرارها واستدامة قدراتها الاستراتيجية.

يحكم النيجر حاليًا المجلس العسكري بقيادة الجنرال عبد الرحمن تشياني، الذي تولّى السلطة عقب الإطاحة بمحمد بازوم، في خطوة أنهت فعليًا الحكم المدني وقطعت مع الترتيبات السياسية المدعومة فرنسيًا. هذا التحول عزّز اعتماد السلطة الجديدة على الغطاء الأمني الروسي، لكنه أبقى الدولة عالقة بين شرعية معلّقة وضغوط داخلية وخارجية متصاعدة – الصورة لـ أسوشيتد برس عبر سي بي سي نيوز

الانقلابات والتحولات الإقليمية

لم تكن النيجر حالة معزولة في موجة الانقلابات التي اجتاحت الساحل الإفريقي؛ ففي مايو 2021 شهدت مالي انقلابًا عسكريًا، تلاه بوركينا فاسو في يناير 2022، قبل أن تصل الأزمة إلى نيامي في 2023 بعزل الرئيس المنتخب محمد بازوم. هذا التسلسل يؤكد أن الانقلابات لم تعد مجرد أحداث داخلية، بل تعديلات استراتيجية لموازين القوى الإقليمية والدولية.

وقال الصحفي النيجري محمد سيدي في تصريح لـ”هنا كندا”: “منذ الإطاحة ببعض الرؤساء في دول غرب إفريقيا عبر انقلابات عسكرية، تغيرت موازين القوة، وتراجع النفوذ الإيراني والأمريكي، ما فتح الباب لطرد القوات الفرنسية والأمريكية، وسمح بقدوم الروس للمرة الأولى وإبرام اتفاقيات معهم”.

وأشار الباحث السياسي الدولي إدريس حميد إلى أن: “فرنسا، بوصفها الاستعمار القديم، كانت تسيطر على مقدرات النيجر لعقود طويلة، بينما الحلول الجديدة تتطلب شركاء يعاملون الدولة على قدم المساواة، ما يضمن تحقيق الاستقلالية الاقتصادية والسياسية.”

مع تحول النيجر من النفوذ الفرنسي التقليدي إلى شراكات جديدة مع روسيا وإيران وتركيا، ظهرت انقسامات داخلية بين الفئات العسكرية والعرقية حول مسار اعتماد الدولة على القوى الخارجية؛ فبعض المجموعات تدافع عن النفوذ الفرنسي التاريخي، بينما يرى آخرون أن فرنسا استنزفت موارد البلاد.

وعلق سيدو عبدالله، رئيس تحالف “أم 62″، وفق وسائل إعلام محلية: “تعزيز العلاقات مع روسيا انطلق من إدراك الحاجة الملحة لشريك يقدم دعمًا فعالًا ويتيح تبادل المنفعة، بما يضمن سيادة الدولة على مواردها”.

في المقابل، شدد النائب البرلماني إدريس واسي على أن: “الحلول العسكرية ليست السبيل، بل الحوار السياسي الداخلي هو الأساس. التحالفات يجب أن تخدم الشعب، لا أن تكون مجرد أدوات نفوذ خارجي”.

وعلى الصعيد الإقليمي، أعلنت مجموعة دول غرب إفريقيا الاقتصادية (إيكواس) رفع العقوبات تدريجيًا وفتح الحدود والمجال الجوي والتعاملات المالية، ما أعاد نيامي إلى محور النشاط الإقليمي، وهو مؤشر على أن الحلول السياسية والدبلوماسية يمكن أن تصنع توازنًا جديدًا بين النفوذ الدولي والسيادة المحلية.

اندلع تبادل لإطلاق النار وانفجارات قرب مطار ديوري هاماني الدولي والقاعدة الجوية في نيامي، حيث أعلنت الحكومة النيجرية تصدي قواتها للهجوم، فيما اتهم الجنرال تياني فرنسا وبنين وساحل العاج بدعم العملية وهدد بالرد، وشكر القوات الروسية على الدفاع عن القاعدة – الصورة لـ رويترز عبر ساوث تشاينا مورنينغ بوست

الهجوم على مطار نيامي الدولي: تصعيد أمني واستراتيجي

شهد مطار ديوري هاماني الدولي، المتاخم للقاعدة الجوية رقم 101 في العاصمة نيامي، هجومًا مسلحًا خلال ساعات الفجر بين يومي الأربعاء والخميس الماضيين، وتضمن إطلاق نار كثيف وانفجارات استمرت لفترة طويلة، ما ألحق أضرارًا بعدة طائرات مدنية، من بينها طائرات شركة أسكاي للطيران وطائرة تابعة للـخطوط الجوية لساحل العاج، دون تسجيل أي إصابات بشرية، إذ وقع الحادث خارج ساعات التشغيل العادية للمطار.

وقال الجنرال عبد الرحمن تياني، حاكم المجلس العسكري: “لقد سمعنا نباحهم، وعليهم أن يكونوا مستعدين لسماع زئيرنا”. واتهم تياني فرنسا وبنين وساحل العاج برعاية الهجوم، دون تقديم أي دليل، ما يعكس توترًا غير مسبوق في العلاقات مع القوى الغربية وجيران النيجر الذين يعتبرهم “وكلاء لنفوذ فرنسا في المنطقة.” كما شكر القوات الروسية المتمركزة في القاعدة على “دفاعها عن قطاعها”، ما يعكس تحوّل موسكو من دور تدريبي إلى ضامن أمني مباشر للبنية الاستراتيجية في نيامي.

وأظهرت الصور والفيديوهات ألسنة اللهب والسيارات المحترقة في محيط المطار، قبل أن يعود الهدوء تدريجيًا بعد ساعة تقريبًا. وقال مصدر في شركة “أسكاي”: “لقد دمرت النيران طائرتين على المدرج… لقد تركوا آثارهم في الموقع.” كما أكد متحدث باسم الخطوط الجوية لساحل العاج أن إحدى الطائرات تضررت على المدرج، فيما كان فريق الطاقم خارج الموقع.

مصنع أورانو في النيجر يمثل احتكار فرنسا لعقود من موارد اليورانيوم الحيوية، ما أوقف التنمية المحلية وأبقى غالبية السكان تحت خط الفقر، بينما تستغل القوى الكبرى ثروات البلاد لتعزيز مصالحها الاستراتيجية – الصورة لـ وكالة الأنباء الفرنسية | غيتي إيماجيس عبر بلومبيرغ

اليورانيوم والموارد الاستراتيجية: هدف للصراع الدولي

تزامن الهجوم مع وجود نحو ألف طن من اليورانيوم، المعروف باسم “الكعكة الصفراء”، مخزنة في قاعدة المطار بعد نقلها من منجم “سومير” في آرليت عقب سيطرة النيجر على المنجم من مجموعة “أورانو” الفرنسية. وأكدت المصادر أن المخزون لم يتأثر بالهجوم، لكنه يعكس تهديدات مباشرة لأحد أهم موارد الدولة الحيوية.

وقال الصحفي محمد سيدي: “الفرق واضح بين تعامل فرنسا التقليدي مع الموارد، الذي كان يستحوذ على معظم الثروات مقابل عوائد ضئيلة، وبين روسيا التي تحترم الاتفاقيات وتتيح للنيجر اتخاذ قراراتها بحرية، بما يعزز السيادة الوطنية.”

وأوضح إدريس حميد: “وجود فرنسا العسكري لم يقدّم أي فائدة حقيقية للشعب، بل زاد من الاحتقان الشعبي، فيما فتح التعاون مع روسيا وإيران آفاقًا لشراكات أكثر عدلاً ومردودية”.

ووفق تقرير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية، تمثل النيجر نحو خمسة بالمئة من إنتاج اليورانيوم العالمي، وساهمت بنسبة خمسة عشر بالمئة من استيراد أوروبا لليورانيوم، لتحتل المرتبة السابعة عالميًا بين الدول المنتجة. هذا الوضع يضع النيجر في قلب صراع دولي على مواردها الاستراتيجية، ويحوّل الهجمات على المطار والمخازن إلى أداة ضغط جيوسياسية على الدولة.

الإرهاب والتحولات الأمنية: تحديات داخلية وخارجية

على الرغم من الاتهامات المباشرة من تياني، رجّح مراقبون أن يكون الهجوم نفذه جماعات جهادية ناشطة في محيط نيامي، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة. وتشير البيانات إلى أن النيجر سجلت أكبر زيادة في عدد ضحايا الإرهاب عالميًا، ما يعكس اتساع دائرة العنف والجماعات المسلحة في الدولة.

وأكد النائب البرلماني إدريس واسي: “الحلول العسكرية ليست السبيل، بل الحوار السياسي الداخلي هو الأساس. التحالفات يجب أن تخدم الشعب، لا أن تكون مجرد أدوات نفوذ خارجي”.

وأوضحت الباحثة شيماء حسن: “مشاكل النيجر اليوم تتجاوز الإرهاب لتشمل الصراعات الإثنية، الفساد، والديون المتراكمة، وهو ما دفع النخب العسكرية الجديدة للبحث عن شركاء دوليين جدد، مثل روسيا، لتأمين الدعم العسكري والاقتصادي”.

يؤكد خبراء نيجيريون أن الصراع الحالي كشف محدودية الحلول العسكرية التقليدية وأبرز أهمية الدبلوماسية الإقليمية والتفاوض متعدد الأطراف. ومع استمرار التهديدات الإرهابية والتوترات الإقليمية، يبقى مستقبل النيجر مرتبطًا بقدرتها على حماية مواردها الحيوية، وتعزيز استقلال القرار الوطني، وتحويل التحالفات الدولية إلى مكاسب حقيقية للشعب.

الهجوم على مطار نيامي ووجود مخزون اليورانيوم في قلب الأزمة يظهر أن النيجر دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة من إعادة توزيع النفوذ الدولي والإقليمي. الدولة تختبر السيادة الوطنية يوميًا من خلال استهداف المطارات والموارد، فيما يبرز دور روسيا كقوة حامية مباشرة، بينما تتأرجح الدولة بين الضغوط الإقليمية والجماعات المسلحة الداخلية.

يشير خبراء في شؤون الساحل إلى أن السيادة الحقيقية للنيجر تعتمد على حماية مواردها الحيوية وضبط القرار الوطني في ظل تدخلات القوى الخارجية والفساد المستشري، مع ضرورة موازنة التحالفات الدولية، مواجهة التهديدات الأمنية، واستثمار الفرص الاقتصادية الواقعية لتعزيز قدرة الدولة على إدارة مواردها وتحسين حياة المواطنين.

يعكس المشهد عمق الأزمة البنيوية في النيجر، حيث تداخل الفساد المزمن داخل مؤسسات الدولة مع عقود من الاستغلال الخارجي لليورانيوم، ما أسهم في إفقار المجتمع وتراجع مؤشرات التنمية رغم الثروات الهائلة. ومع تصاعد الاتهامات لفرنسا باستدامة هذا الاختلال التاريخي، تحاول السلطة العسكرية إعادة رسم تموضع البلاد، وسط ضغوط أمنية متزايدة وهشاشة داخلية تجعل مسار الخروج من الإرث الاستعماري محفوفًا بالمخاطر – الصورة لـ أسوشيتد برس عبر آي بي سي نيوز

كاتب

مهـيبة بين

صحفية متخصصة في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل